الاقتصاد الذي تصنعه الحرب.. كيف أعاد السودانيون اختراع الحياة اليومية؟
المحرر | lagtaai.com
ربما تكون واحدة من أكثر القصص التي لم تُكتب بعد في السودان هي قصة الاقتصاد الذي ولد من قلب الحرب.
فعندما تُذكر الحروب، غالباً ما تنصرف الأذهان إلى صور الدمار والنزوح والانهيار الأمني والسياسي، لكن هناك وجهاً آخر أقل ظهوراً وأكثر تعقيداً، وهو الوجه الذي يكشف كيف يعيد الناس اختراع وسائل حياتهم كلما انهارت المؤسسات من حولهم.
في السودان، لم تعد القضية الرئيسية هي كيف يعمل الاقتصاد، بل كيف استطاع ملايين السودانيين الاستمرار في الحياة بينما كان الاقتصاد نفسه يتعرض للتفكك.
لقد صنعت الحرب اقتصاداً جديداً، ليس لأنه اقتصاد مخطط له، بل لأنه اقتصاد فرضته الضرورة.
اقتصاد لا يشبه الاقتصاد الذي عرفه السودانيون لعقود طويلة.
اقتصاد نشأ من الغياب، ومن الفراغ الذي تركته الدولة، ومن الحاجة اليومية للبقاء.
من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد المجتمع
قبل الحرب، كان السودان يعاني أصلاً من اختلالات اقتصادية مزمنة.
التضخم المرتفع، ضعف الإنتاج، تراجع قيمة العملة الوطنية، البطالة، والأزمات المتكررة في الخدمات الأساسية.
لكن رغم ذلك، كانت هناك دولة تدير جزءاً كبيراً من دورة الحياة الاقتصادية.
كانت المؤسسات المصرفية تعمل.
وكانت الوزارات موجودة.
وكانت الأسواق الرئيسية متصلة ببعضها البعض.
وكانت الخرطوم تمثل القلب الاقتصادي الذي يضخ الحركة إلى بقية أنحاء البلاد.
لكن الحرب قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب.
فجأة توقفت المؤسسات.
وتقطعت الطرق.
وانهارت أجزاء واسعة من القطاع المصرفي.
وتوزعت مراكز النشاط الاقتصادي على مدن جديدة داخل السودان وخارجه.
وهنا بدأ المجتمع السوداني في بناء اقتصاد موازٍ خاص به.
الموظف لم يعد موظفاً فقط
واحدة من أهم التحولات التي فرضتها الحرب هي إعادة تعريف العمل نفسه.
لم يعد الموظف الحكومي يعتمد على راتبه فقط.
ولم يعد الطبيب يمارس مهنته بالشكل التقليدي.
ولم يعد المعلم ينتظر مؤسسته التعليمية كي تستأنف نشاطها.
أصبح الإنسان السوداني يؤدي عدة أدوار في الوقت نفسه.
قد يكون موظفاً صباحاً، وبائعاً عبر الإنترنت مساءً، وصاحب مشروع صغير في عطلة نهاية الأسبوع.
لقد تحولت المرونة الاقتصادية من خيار إلى ضرورة وجودية.
التحويلات الخارجية.. الشريان الذي منع الانهيار الكامل
في الوقت الذي تعطلت فيه أجزاء واسعة من الاقتصاد الرسمي، ظهرت قوة السودانيين في الخارج بصورة غير مسبوقة.
أصبحت التحويلات القادمة من المغتربين والمهاجرين تمثل أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي للأسر.
وفي كثير من الأحيان، لم تعد الدولة هي من يوفر الحد الأدنى من الأمان الاقتصادي، بل أفراد العائلة المنتشرون في أنحاء العالم.
هذه الظاهرة لا تعكس فقط أهمية الهجرة السودانية، بل تكشف أيضاً حجم الفراغ الذي تركه غياب المؤسسات.
التكنولوجيا تدخل إلى قلب الأزمة
المفارقة أن الحرب نفسها سرعت دخول أدوات جديدة إلى الحياة اليومية.
ازداد الاعتماد على الهواتف الذكية.
وتوسعت التجارة الإلكترونية بصورة غير رسمية.
وأصبحت تطبيقات التحويل المالي ووسائل التواصل الاجتماعي جزءاً من دورة الاقتصاد اليومية.
بل إن بعض الأسواق بدأت تعمل رقمياً حتى في ظل الانقطاع المتكرر للخدمات الأساسية.
وهنا تظهر مفارقة سودانية لافتة.
فكلما تراجعت المؤسسات التقليدية، ازدادت قدرة الناس على ابتكار حلول بديلة.
اقتصاد النجاة ليس اقتصاد التنمية
لكن هذه الصورة تحمل جانباً آخر أكثر خطورة.
فهذا الاقتصاد الذي نشأ خلال الحرب هو اقتصاد نجاة وليس اقتصاد تنمية.
اقتصاد هدفه الأول هو الاستمرار وليس النمو.
هدفه تجاوز اليوم وليس بناء المستقبل.
وهذا الفرق بالغ الأهمية.
لأن المجتمعات تستطيع التكيف مع الأزمات لفترات طويلة، لكنها لا تستطيع بناء نهضة اقتصادية كاملة بالاعتماد على الحلول المؤقتة وحدها.
فالاقتصادات المستدامة تحتاج إلى الاستقرار والقوانين والمؤسسات والبنية التحتية والإنتاج الحقيقي.
وهي عناصر ما زالت بعيدة المنال في ظل استمرار الحرب.
السودان الذي يتشكل بصمت
وربما تكون هذه هي القصة الحقيقية التي لا يلتفت إليها كثيرون.
فالسودان لا يتغير فقط على مستوى السياسة أو الجغرافيا أو التحالفات العسكرية، بل يتغير أيضاً على مستوى الإنسان نفسه.
يتغير في طريقة العمل.
وفي طريقة الإنفاق.
وفي طريقة إدارة الأسرة.
وفي معنى الاستقرار ذاته.
لقد أنتجت الحرب جيلاً أكثر قدرة على التكيف، لكنه أيضاً أكثر إرهاقاً وأقل يقيناً بالمستقبل.
ولهذا فإن السؤال لم يعد:
كيف سينتهي الاقتصاد الذي تصنعه الحرب؟
بل أصبح سؤالاً أكثر عمقاً:
هل يستطيع السودان مستقبلاً تحويل اقتصاد النجاة الذي ابتكره الناس إلى اقتصاد دولة حديثة ومستقرة، أم أن البلاد ستظل عالقة بين عبقرية التكيف وعجز المؤسسات



إرسال التعليق