محررو لقطة AI – 19
12 أكتوبر 2026
أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الأحد 11 أكتوبر 2026، مصرع 109 مهاجرين على الأقل، بينهم 15 طفلًا، وفقدان أكثر من 116 آخرين، إثر غرق قارب كان يقل مئات الأشخاص من جيبوتي باتجاه اليمن، في واحدة من أكبر كوارث الهجرة التي شهدها القرن الأفريقي خلال العام الجاري، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ والمخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا.
وقالت المنظمة إن القارب انقلب بالقرب من منطقة غوهيري، شمال مدينة أوبوك الساحلية في جيبوتي، خلال ليلة الثامن إلى التاسع من أكتوبر، بينما كان المهاجرون يحاولون عبور البحر باتجاه اليمن، على أمل مواصلة رحلتهم إلى دول الخليج بحثًا عن فرص العمل والاستقرار.
وأوضحت أن فرق الإنقاذ انتشلت جثث 52 رجلًا و42 امرأة و15 طفلًا، بينهم تسع فتيات وستة فتيان.
ونجا أكثر من 80 شخصًا، جميعهم من الجنسية الإثيوبية، وفق المعلومات الأولية التي أعلنتها المنظمة.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن القارب كان يحمل نحو 305 أشخاص، بينما تحدثت إفادات ناجين نقلتها تقارير صحفية عن وجود نحو 350 شخصًا على متنه. ولم يُحسم العدد النهائي للركاب، ولذلك ينبغي التعامل مع التقديرات باعتبارها أولية.
وأكدت السلطات الجيبوتية استمرار عمليات البحث عن المفقودين، بينما بدأت الفرق الإنسانية تقديم المساعدة الطبية والنفسية للناجين وترتيب إجراءات التعامل مع جثامين الضحايا.
رحلة تبدأ بالفقر وتنتهي في البحر
تُعد جيبوتي واحدة من أهم نقاط العبور على طريق الهجرة الشرقية الذي يربط دول القرن الأفريقي بشبه الجزيرة العربية.
ويقطع آلاف المهاجرين، معظمهم من إثيوبيا والصومال، مسافات طويلة عبر مناطق صحراوية وحدودية قبل الوصول إلى السواحل الجيبوتية.
ومن هناك يحاولون عبور البحر إلى اليمن، ثم مواصلة الرحلة برًا باتجاه دول الخليج.
ورغم المخاطر المرتبطة بالحرب في اليمن، يواصل المهاجرون سلوك هذا الطريق بسبب الفقر والبطالة وانعدام الفرص الاقتصادية، إضافة إلى النزاعات وانعدام الأمن في بعض مناطق بلدانهم.
ولا تعني المخاطر المعروفة أن المهاجرين يجهلون خطورة الرحلة؛ فكثيرون منهم يواجهون خيارات محدودة، ويعتبرون احتمال الوصول إلى فرصة عمل أفضل من البقاء في ظروف اقتصادية قاسية.
لكن هذه الظروف تجعلهم عرضة للاستغلال من شبكات التهريب، التي قد تنقل أعدادًا كبيرة من الأشخاص في قوارب غير مجهزة لرحلات بحرية آمنة.
ولم تعلن المنظمة الدولية للهجرة حتى الآن السبب الفني المحدد لغرق القارب الأخير، ولذلك لا يمكن الجزم بأن الحمولة الزائدة أو الأحوال الجوية أو عطلًا ميكانيكيًا كان السبب المباشر للحادث.
الناجون أمام صدمة فقدان عائلاتهم
أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أنها تقدم المساعدة إلى 64 ناجيًا داخل مركز الاستجابة للمهاجرين في أوبوك.
وتشمل المساعدات الرعاية الصحية والدعم النفسي والمأوى المؤقت والغذاء، إضافة إلى المساعدة في استعادة التواصل مع الأسر.
ويواجه الناجون تحديات تتجاوز الإصابات الجسدية المحتملة.
فبعضهم قد يكون فقد أقارب أو رفاق رحلة، بينما يجهل آخرون مصير أشخاص كانوا على متن القارب نفسه.
كما أن الصدمة النفسية الناجمة عن الغرق ومشاهدة وفاة الآخرين قد تستمر لفترات طويلة، خصوصًا بالنسبة إلى الأطفال والناجين الذين تعرضوا لتجارب عنيفة سابقة.
وتعمل السلطات المحلية على ترتيب دفن الضحايا بصورة تحفظ كرامتهم، في حين تبقى مهمة التعرف إلى هويات الجثامين وإبلاغ الأسر من أكثر الجوانب تعقيدًا.
وتزداد هذه الصعوبة عندما يسافر المهاجرون دون وثائق رسمية، أو عندما لا تتوافر قوائم دقيقة بأسماء الركاب.
طريق حصد أكثر من 900 ضحية خلال عام
ليست الكارثة الأخيرة حادثًا معزولًا.
فبحسب مشروع المهاجرين المفقودين التابع للمنظمة الدولية للهجرة، توفي أو فُقد أكثر من 900 شخص على طريق الهجرة الشرقية خلال عام 2025.
كما ارتفع عدد الأشخاص الذين سلكوا هذا المسار بنسبة 18% مقارنة بالعام السابق.
وفي مارس 2026، شهدت المنطقة غرق قارب آخر أسفر عن مقتل تسعة مهاجرين وفقدان 45 شخصًا.
وتكشف هذه الأرقام أن المخاطر تتكرر بصورة منتظمة، رغم التحذيرات الدولية والحوادث السابقة.
كما أن الحصائل المعلنة قد لا تعكس جميع الوفيات، لأن بعض حوادث الغرق تقع بعيدًا عن مناطق المراقبة، وقد لا تُسجل أسماء الضحايا أو أعدادهم بصورة كاملة.
ولهذا فإن تحسين أنظمة البحث والإنقاذ وتوثيق المفقودين يمثل جزءًا أساسيًا من الاستجابة الإنسانية، وليس مجرد إجراء يأتي بعد وقوع الكارثة.
مفارقة باب المندب.. مهاجرون يعبرون في اتجاهين
تأتي الكارثة في وقت يشهد فيه اليمن تصاعدًا جديدًا للعمليات العسكرية، دفع آلاف السكان إلى النزوح والبحث عن الأمان خارج البلاد.
وخلال سبتمبر وأكتوبر، عبر يمنيون البحر باتجاه جيبوتي هربًا من القتال، بينما واصل مهاجرون من القرن الأفريقي رحلاتهم في الاتجاه المعاكس نحو اليمن.
وهكذا تحول الممر البحري نفسه إلى طريق يستخدمه أشخاص يهربون من الحرب في اتجاه، وآخرون يعبرون نحو منطقة الحرب بحثًا عن فرصة اقتصادية في اتجاه آخر.
وتكشف هذه المفارقة حجم الاختلالات الاقتصادية والأمنية التي تدفع السكان إلى اتخاذ قرارات محفوفة بالمخاطر.
فبالنسبة إلى كثير من المهاجرين، لا يمثل اليمن الوجهة النهائية، بل محطة عبور نحو أسواق العمل الخليجية.
لكن الوصول إلى الأراضي اليمنية لا يعني انتهاء المخاطر.
إذ تحذر المنظمة الدولية للهجرة من تعرض المهاجرين هناك للاحتجاز التعسفي والعنف والاستغلال والاتجار بالبشر، فضلًا عن مخاطر النزاع المسلح.
ومع استمرار التصعيد العسكري في اليمن، أصبحت الرحلة أكثر تعقيدًا، بينما تواجه جيبوتي ضغوطًا متزايدة لاستقبال الناجين واللاجئين والعائدين عبر البحر.
أكثر من 20 ألف حركة عبور خلال شهر
أظهرت بيانات تتبع حركة النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة تسجيل أكثر من 20 ألف حركة دخول من إثيوبيا إلى جيبوتي منذ 10 سبتمبر الماضي.
ولا يعني هذا الرقم أن جميع هؤلاء الأشخاص حاولوا عبور البحر أو أنهم كانوا متجهين إلى اليمن، لكنه يعكس حجم الحركة البشرية عبر الحدود خلال فترة قصيرة.
وتحتاج جيبوتي إلى موارد إضافية لتوفير المأوى والمياه والخدمات الصحية والحماية للمهاجرين الذين يصلون إلى أراضيها.
كما أن عمليات البحث والإنقاذ البحري تتطلب قوارب مجهزة وفرقًا مدربة وقدرات اتصال تسمح بالاستجابة السريعة لحوادث الغرق.
وحذرت المنظمة الدولية للهجرة من محدودية التمويل المتاح، ودعت المانحين والشركاء الدوليين إلى تعزيز دعم عمليات الإنقاذ والمساعدات الإنسانية.
وتبرز هنا مسؤولية مشتركة تتجاوز قدرات جيبوتي وحدها، لأن حركة الهجرة ترتبط بظروف اقتصادية وأمنية في عدة دول، بينما تمتد شبكات التهريب عبر الحدود والممرات البحرية.
لماذا تهم الكارثة السودان؟
رغم عدم إعلان وجود سودانيين بين ضحايا القارب، فإن الكارثة ترتبط بملف أوسع يهم السودان والقرن الأفريقي.
فالحرب السودانية المستمرة منذ أبريل 2023 تسببت في موجات نزوح ولجوء واسعة، وأعادت تشكيل حركة السكان عبر الحدود الإقليمية.
كما أن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان ممرين حيويين للتجارة والتنقل بين أفريقيا وشبه الجزيرة العربية.
وتكشف الكارثة المخاطر التي تواجه المهاجرين عندما تضيق فرص الهجرة النظامية، وتصبح شبكات التهريب وسيلة الوصول إلى العمل أو الأمان.
لكن لا تتوافر معلومات موثوقة تسمح بربط القارب الغارق بمهاجرين سودانيين أو بطرق الهجرة السودانية تحديدًا.
ولهذا فإن أهمية الحادث بالنسبة إلى السودان تكمن في دلالاته الإقليمية والإنسانية، وليس في افتراض مشاركة سودانيين فيه دون دليل.
ما الذي ينبغي متابعته؟
سيكون التطور الأكثر أهمية خلال الساعات المقبلة هو نتائج عمليات البحث عن المفقودين، وما إذا كانت فرق الإنقاذ ستعثر على ناجين إضافيين.
كما ينبغي متابعة تحديد العدد النهائي للركاب، والتعرف إلى هويات الضحايا، والنتائج التي ستتوصل إليها السلطات بشأن أسباب الغرق.
وتبرز أيضًا أهمية التحقيق في ظروف تنظيم الرحلة، وما إذا كانت هناك شبكات تهريب مسؤولة عن نقل الركاب، دون استباق نتائج التحقيقات.
أما على المستوى الإقليمي، فإن استمرار حركة الهجرة رغم الكوارث المتكررة يستدعي معالجة الأسباب الاقتصادية والأمنية التي تدفع آلاف الأشخاص إلى خوض هذه الرحلات.
إن مصرع 109 مهاجرين وفقدان أكثر من 116 آخرين قبالة جيبوتي يكشف الوجه الإنساني القاسي لحركة الهجرة عبر البحر الأحمر وباب المندب. فخلف الأرقام أسر تنتظر أخبار أبنائها، وأطفال فقدوا حياتهم قبل الوصول إلى وجهتهم، وناجون يواجهون صدمة قد ترافقهم سنوات طويلة. وبين الفقر والحروب وشبكات التهريب، لا يكفي انتشال الجثامين وإحصاء المفقودين لمعالجة الأزمة. فالاستجابة الحقيقية تحتاج إلى إنقاذ الأرواح، ومحاسبة المسؤولين عن الاستغلال، وتوسيع مسارات الهجرة الآمنة، حتى لا يبقى البحر المقبرة التي تنتهي عندها أحلام الباحثين عن حياة أفضل.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات