اقتصاد “الحلقة المفرغة”: لماذا تفشل المعالجات النقدية في السودان؟
فريق تحرير “لقطة”
24 يونيو 2026
في كل مرة يشهد فيها سعر صرف العملة المحلية تدهوراً حاداً، تخرج علينا المؤسسات الرسمية بحزمة من الإجراءات، تتصدرها عمليات “ضخ النقد” أو “تعديل القيود الاستيرادية”. وبينما تبدو هذه التحركات في ظاهرها استجابةً ضرورية لضبط السوق، إلا أن المنطق الاقتصادي البسيط يخبرنا بأننا أمام “حلقة مفرغة” لا تزيد الوضع إلا تأزماً.
مغالطة “العلاج بالمسكنات”
إن المنطق وراء ضخ النقد الأجنبي يفترض وجود “فجوة عرض” مؤقتة يمكن ردمها. لكن، حين تغيب القاعدة الإنتاجية التي ترفد الخزينة المركزية بالعملة الصعبة (صادرات الذهب، النفط، المحاصيل)، يصبح كل دولار يُضخ في السوق هو دولار “مستنزف من الاحتياطي” وليس ناتجاً عن دورة اقتصادية حقيقية.
ببساطة: لا يمكنك ضخ ما لا تملكه. وعندما تستنزف الدولة رصيدها الأخير، فهي لا تعالج الأزمة، بل تستهلك “وقتها الضائع”، مما يعمق فقدان الثقة في العملة المحلية، وهو ما يدفع بالسوق الموازي للانفجار من جديد بمجرد نفاد تلك الكميات الشحيحة.
سيكولوجية “الخوف” كمحرك للسوق
في اقتصاديات النزاعات، لا يتحرك سعر الصرف بناءً على “العرض والطلب” التقليدي فحسب، بل يتحرك بناءً على “مؤشر الخوف”. التاجر والمواطن اليوم لا يشتري الدولار لاستيراد البضائع فحسب، بل يقتنيه كـ “مخزن للقيمة” هرباً من تآكل العملة.
هنا، تصبح الإجراءات البيروقراطية -كفرض قيود على الحوالات أو تحديد سقف للسحب- أشبه بمحاولة إطفاء حريق بالبنزين؛ فكلما ضيقت الدولة الخناق على حركة النقد، زاد شعور الجمهور بالخطر، مما يدفعهم نحو المزيد من الطلب، وهو ما يرفع السعر تلقائياً وبقوة دفع ذاتية.
اللعبة الصفرية في تعدد المراكز النقدية
المنطق يقول إن “السيادة النقدية” لا تتجزأ. فوجود مراكز موازية لاتخاذ القرار الاقتصادي، حيث تُطبع العملة، وتُدفع الرواتب، وتُدار الصفقات في مناطق جغرافية مختلفة، يخلق “سوقاً للمضاربة” لا تسيطر عليه المصارف المركزية. إن محاولة البنك المركزي بورتسودان ضبط سعر الصرف، بينما لا تملك الدولة سيطرة كاملة على “دورة السلع” في العاصمة أو الأقاليم، هي محاولة للتحكم في “النتيجة” (السعر) مع ترك “السبب” (فوضى المسارات الاقتصادية) حراً.
إن السوق السوداني قد تحول من اقتصاد “ندرة” إلى اقتصاد “توقعات”، حيث بات سعر الدولار يُحدد في المجموعات الافتراضية بناءً على الشائعات السياسية والميدانية أكثر من تأثره بأي قرارات مصرفية. وبدون استعادة الثقة وتوحيد المسار النقدي، ستظل كل قرارات المركزي -مهما بلغت حدتها- مجرد صدى لصوت لا يسمعه أحد في السوق الموازي.
خلاصة “لقطة”:
في اقتصاد يفتقد للمسار الموحد والثقة، لا تُحل الأزمات بالقرارات الإدارية بقدر ما تُحل بكسر الحلقة المفرغة للمضاربة. إن استمرار الدولة في نهجها الحالي هو مراهنة على الوقت، بينما السوق يراهن على الفشل.



إرسال التعليق