الجيل الذي تصنعه الحرب.. كيف تغيّر وعي الشباب السوداني؟
المحرر | www.lagtaai.com
ربما تكون أكبر أخطاء الحروب أنها لا تنتهي عندما تتوقف أصوات الرصاص، بل تستمر داخل العقول والذاكرة والوعي الجمعي لأجيال كاملة.
فالحروب لا تدمر المدن فقط، بل تعيد تشكيل الإنسان نفسه.
وفي السودان، لم تعد الحرب مجرد حدث سياسي أو عسكري عابر، بل أصبحت تجربة اجتماعية عميقة تعيد إنتاج جيل جديد بالكامل، جيل لم يعد يشبه الأجيال التي سبقته.
فالشباب الذين خرجوا إلى الشوارع في ثورة ديسمبر وهم يحملون أحلام الدولة المدنية، وجدوا أنفسهم خلال سنوات قليلة أمام الانقلاب السياسي، ثم أمام واحدة من أعقد الحروب التي عرفها السودان الحديث.
وخلال هذه الرحلة القصيرة زمنياً، لكن الثقيلة إنسانياً، تغيّر شيء عميق داخل هذا الجيل.
ليس فقط في طريقة تفكيره، بل في طريقة نظرته إلى المستقبل نفسه.
من جيل الثورة إلى جيل البقاء
قبل سنوات قليلة، كان جزء كبير من الشباب السوداني يفكر في المشاركة السياسية والتغيير المجتمعي وبناء المستقبل.
أما اليوم، فقد تغيرت الأولويات بصورة جذرية.
لم يعد السؤال: كيف نبني السودان؟
بل أصبح السؤال: كيف نعيش يوماً إضافياً بأقل قدر من الخسائر؟
وهنا يكمن التحول الأخطر.
فحين تتحول المجتمعات من التفكير في المستقبل إلى التفكير في النجاة اليومية، تبدأ منظومة القيم والأولويات في إعادة ترتيب نفسها بالكامل.
النزوح.. المدرسة الجديدة التي لم يخترها أحد
للمرة الأولى في تاريخ السودان الحديث، أصبح ملايين الشباب يتعلمون معنى الوطن من خلال فقدانه.
انتقلوا من مدينة إلى أخرى.
ومن ولاية إلى أخرى.
ومن بلد إلى آخر.
وأصبحت الحقائب الصغيرة بديلاً عن البيوت المستقرة.
وتحوّل السؤال اليومي من ماذا سنفعل غداً؟ إلى أين سنذهب غداً؟
ومع الوقت، لا يغيّر النزوح الجغرافيا فقط، بل يغيّر العلاقة النفسية مع المكان نفسه.
فجيل كامل بدأ يفقد إحساسه التقليدي بالانتماء إلى مدينة واحدة أو حي واحد.
التعليم الذي توقف بينما استمرت الحياة
ربما لا يوجد ملف أكثر حساسية من ملف التعليم.
فالمدارس أغلقت في مناطق كثيرة.
والجامعات تعطلت لفترات طويلة.
ومئات الآلاف من الطلاب وجدوا أنفسهم في حالة انتظار مفتوح.
لكن الحياة لم تتوقف.
وهنا ظهرت مفارقة جديدة.
فبينما تراجعت المؤسسات التعليمية التقليدية، بدأ الشباب في البحث عن مصادر تعليم بديلة.
الدورات الرقمية.
التعلم الذاتي.
المنصات الإلكترونية.
وتحوّل الإنترنت تدريجياً من وسيلة ترفيه إلى وسيلة للبقاء المعرفي.
الهجرة لم تعد حلماً بل خطة حياة
لسنوات طويلة كانت الهجرة خياراً بين عدة خيارات.
أما اليوم، فقد أصبحت بالنسبة لكثير من الشباب مشروعاً كاملاً للمستقبل.
أصبحت جزءاً من النقاشات اليومية داخل الأسر.
وتحولت إلى هدف اقتصادي واجتماعي ونفسي.
ولم يعد السؤال: هل ستهاجر؟
بل أصبح: إلى أين ستهاجر؟ ومتى؟
وهنا تظهر واحدة من أكبر الخسائر الصامتة التي قد تواجه السودان خلال العقود المقبلة.
خسارة العقول والطاقة البشرية التي يحتاجها لإعادة بناء نفسه.
السياسة بعد الخذلان
ربما يكون التحول السياسي من أكثر التحولات تعقيداً.
فهذا الجيل عاش ثلاث مراحل متتالية في فترة قصيرة.
مرحلة الحلم.
ثم مرحلة الصدمة.
ثم مرحلة الحرب.
ولذلك لم يعد يتعامل مع السياسة بالعاطفة التي كانت سائدة سابقاً.
بل بدأ ينظر إليها بحذر كبير.
وتراجعت الثقة في الشعارات القديمة والقيادات التقليدية والأحزاب التي ظلت تتكرر في المشهد السوداني لعقود طويلة.
وقد يكون هذا التحول مقدمة لظهور وعي سياسي جديد لم تتضح ملامحه بالكامل حتى الآن.
اقتصاد جديد يصنع عقليات جديدة
كما غيّرت الحرب الاقتصاد، فإنها غيّرت طريقة تفكير الشباب تجاه المال والعمل.
الوظيفة الحكومية لم تعد حلم الجميع.
والاستقرار الوظيفي لم يعد مضموناً.
وأصبح الشباب أكثر ميلاً إلى الأعمال الحرة والاقتصاد الرقمي والعمل عن بعد والتجارة الصغيرة.
وبدأت مفاهيم جديدة تدخل إلى الثقافة السودانية بصورة أسرع من أي وقت مضى.
الصحة النفسية.. الحرب التي لا يراها أحد
هناك حرب أخرى لا تظهر في نشرات الأخبار.
إنها الحرب التي تدور داخل الإنسان نفسه.
القلق.
الخوف.
فقدان الأمان.
الإرهاق النفسي.
والشعور المستمر بعدم اليقين.
كلها أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لشباب السودان.
لكن المجتمعات التي تعيش الحروب كثيراً ما تؤجل الحديث عن الصحة النفسية، رغم أنها قد تكون من أكبر تحديات مرحلة ما بعد الحرب.
السودان الذي سيولد بعد الحرب
ربما يكون السؤال الحقيقي ليس كيف ستنتهي الحرب.
بل من هم الناس الذين سيخرجون منها؟
لأن السودان الذي سيولد بعد الحرب لن يبنيه السياسيون وحدهم، بل سيبنيه هذا الجيل الجديد الذي أعادت الحرب تشكيل وعيه بالكامل.
جيل أقل ثقة بالشعارات.
أكثر ارتباطاً بالعالم.
أسرع في التكيف.
وأشد قلقاً تجاه المستقبل.
ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع:
هل يستطيع السودان احتضان هذا الجيل الجديد والاستفادة من قدراته، أم أنه سيخسره تدريجياً لصالح الهجرة واليأس والاغتراب الطويل؟



إرسال التعليق