×

الغرف الرقمية في حرب السودان.. كيف أصبحت المعلومة سلاحاً يوازي المدفع؟

الغرف الرقمية في حرب السودان.. كيف أصبحت المعلومة سلاحاً يوازي المدفع؟

الجمعة | 26 يونيو 2026

بقلم: عبود النصيح
www.lagtaai.com

مقدمة

عندما اندلعت الحرب في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، انشغلت أنظار العالم بالمعارك الدائرة في الخرطوم ودارفور وكردفان، وبالأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة وخطوط التماس المتحركة. لكن بالتوازي مع تلك المواجهات، كانت حرب أخرى تتشكل بصمت داخل الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لتصبح مع مرور الوقت واحدة من أكثر جبهات الصراع تأثيراً في تشكيل الرأي العام.

لم تعد السيطرة على الأرض وحدها كافية لتحقيق المكاسب السياسية أو العسكرية، بل أصبح امتلاك القدرة على توجيه المعلومات، وصناعة الروايات، والتأثير في وعي الناس، هدفاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السيطرة على المدن والمواقع العسكرية.

ومن هنا برزت ما يُعرف بـ”الغرف الرقمية”، وهي شبكات تعمل بصورة منظمة لإدارة المحتوى الإعلامي، وصناعة السرديات، والتأثير في اتجاهات الجمهور، في إطار ما يعرف عالمياً بـ”حرب المعلومات” (Information Warfare).

ورغم أن هذا النوع من الحروب ليس جديداً على العالم، فإن التجربة السودانية كشفت عن مستوى غير مسبوق من الاعتماد على الفضاء الرقمي، حتى باتت كثير من المعارك تُخاض على شاشات الهواتف قبل أن تُحسم في الميدان.

من الإعلام إلى إدارة الوعي

في الحروب التقليدية، كان الإعلام يتابع الأحداث وينقلها بعد وقوعها.

أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة بصورة جذرية.

فالغرف الرقمية لا تنتظر وقوع الحدث، بل تسعى إلى تشكيل فهم الناس له قبل أن تتضح تفاصيله، وأحياناً قبل أن يقع أصلاً.

ولهذا لم تعد المعركة تدور فقط حول السؤال:

“ماذا حدث؟”

بل أصبحت تدور حول سؤال أكثر تعقيداً:

“كيف يجب أن يفهم الناس ما حدث؟”

وهنا تبدأ عملية صناعة الرواية.

إذ تعمل هذه الغرف على إنتاج محتوى متناسق يخدم أهدافاً سياسية أو عسكرية محددة، ثم يُوزع عبر مئات أو آلاف الحسابات في توقيت واحد، ليبدو وكأنه رأي عام تلقائي، بينما هو في الواقع جزء من حملة إعلامية منظمة.

وبمرور الوقت، تتحول الرواية إلى “حقيقة” في نظر كثير من المتابعين، ليس لأنها الأكثر دقة، بل لأنها الأكثر انتشاراً وتكراراً.

ما هي الغرف الرقمية؟

يمكن تعريف الغرف الرقمية بأنها وحدات أو شبكات إعلامية تعمل بصورة مركزية أو شبه مركزية لإدارة المحتوى الإلكتروني أثناء الأزمات والنزاعات.

وتتجاوز مهامها مجرد النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، لتشمل التخطيط للحملات الإعلامية، وتحديد الرسائل اليومية، وإدارة الوسوم، وتحليل اتجاهات الجمهور، ومراقبة تفاعل الخصوم، ثم تعديل الخطاب الإعلامي وفقاً لتطورات الميدان.

وبذلك أصبحت هذه الغرف تؤدي وظيفة تشبه إلى حد كبير غرف العمليات العسكرية، لكنها تعمل في ميدان مختلف هو ميدان الوعي والإدراك العام.

ولذلك يصفها خبراء الإعلام بأنها أحد أهم أدوات “القوة الناعمة” في النزاعات الحديثة، حيث يمكن لمن ينجح في السيطرة على تدفق المعلومات أن يؤثر في القرارات السياسية، والضغوط الدولية، وحتى في معنويات المقاتلين والمدنيين.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

كيف تعمل هذه الغرف؟ ومن يقف خلفها؟ وكيف استطاعت أن تتحول إلى لاعب رئيسي في الحرب السودانية؟

؟

لا تعتمد الغرف الرقمية على العشوائية أو المبادرات الفردية، وإنما تعمل وفق آليات تشبه إلى حد بعيد غرف العمليات العسكرية. فلكل حملة رسالة محددة، وجمهور مستهدف، وأدوات نشر، وتوقيت مدروس، مع متابعة مستمرة لقياس التفاعل وتعديل الخطاب وفقاً لتطورات الأحداث.

وتبدأ العملية عادة بتحديد الرواية المطلوب ترسيخها، سواء كانت مرتبطة بحدث عسكري، أو موقف سياسي، أو قضية إنسانية. ثم تُنتج المواد الإعلامية الداعمة لهذه الرواية، لتنتشر في وقت واحد عبر مئات أو آلاف الحسابات، في محاولة لإعطاء انطباع بأن هناك إجماعاً شعبياً حولها.

وتعتمد هذه الحملات بصورة كبيرة على ما يعرف بـ”الذباب الإلكتروني”، وهي شبكات من الحسابات الحقيقية والوهمية تعمل بصورة متزامنة على إعادة نشر المحتوى، وتضخيم الوسوم، وإغراق النقاشات العامة برسائل متكررة، بما يجعل بعض الموضوعات تتصدر قوائم التداول خلال فترة قصيرة.

ولم يعد النص المكتوب هو الوسيلة الأكثر تأثيراً، إذ أصبحت الصورة والفيديو القصير أكثر قدرة على الانتشار. ولهذا تستثمر الغرف الرقمية في إنتاج مواد بصرية عالية الجودة، مصممة خصيصاً لتناسب خوارزميات المنصات الرقمية، مع التركيز على إثارة المشاعر أكثر من تقديم المعلومات.

وفي كثير من الأحيان، لا يكون الهدف إقناع المتلقي بقدر ما يكون إرباكه. فبث روايات متناقضة، أو نشر صور قديمة باعتبارها أحداثاً جديدة، أو تضخيم أرقام الضحايا والانتصارات، كلها أدوات تدخل ضمن ما يسميه خبراء الإعلام بـ”التشويش المعلوماتي”، حيث يصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة كلما ازداد حجم المحتوى المتداول.

معركة الرواية

ربما يكون أخطر ما أفرزته الغرف الرقمية أنها نقلت الصراع من ميدان السيطرة على الأرض إلى ميدان السيطرة على الوعي.

فكل طرف في النزاع يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره الطرف الأكثر شرعية، أو الأكثر انتصاراً، أو الأكثر تعرضاً للانتهاكات، بينما يعمل في المقابل على نزع المصداقية عن خصومه، سواء كانوا أطرافاً عسكرية أو سياسية أو إعلامية.

وفي هذا السياق، تتحول الرواية إلى أداة استراتيجية قد تؤثر في مواقف الرأي العام، وقرارات الحكومات، وردود فعل المنظمات الدولية، بل وحتى في معنويات المقاتلين والمدنيين.

ولذلك لم يعد السؤال في الحروب الحديثة: من يربح المعركة؟ بل أصبح أيضاً: من ينجح في إقناع العالم بأنه هو من ربحها؟

من يقف خلف هذه الغرف؟

من الصعب اختزال الغرف الرقمية في أفراد يجلسون خلف شاشات الحاسوب. فالواقع يشير إلى أن إدارة حملات بهذا الحجم تتطلب بنية تنظيمية متكاملة تشمل إدارة للمحتوى، ومصممين، ومحرري فيديو، ومختصي بيانات، ومتابعين لاتجاهات الرأي العام، إضافة إلى موارد مالية وتقنية تسمح بإدارة آلاف الحسابات والحملات الإعلانية والمنشورات الممولة.

ولهذا يرى مختصون أن الغرف الرقمية أصبحت جزءاً من البنية الإعلامية المصاحبة للنزاعات الحديثة، وليست مجرد نشاط إلكتروني عابر، وهو ما يفسر قدرتها على الاستمرار والتكيف مع تطورات الميدان .

ى

ربما كان أخطر ما أفرزته الغرف الرقمية في الحرب السودانية أنها لم تكتفِ بتغيير طريقة تداول الأخبار، بل غيّرت أيضاً علاقة المجتمع بالحقيقة نفسها.

فمع التدفق الهائل للمعلومات، وتضارب الروايات، وتسارع النشر، أصبح المواطن يواجه سيلاً من الأخبار يصعب التحقق من صحتها. ولم يعد التحدي في الوصول إلى المعلومة، بل في التمييز بين الخبر الصحيح والمحتوى المصمم للتأثير النفسي أو السياسي.

وفي هذا المناخ، تراجعت الثقة في كثير من المنصات الإعلامية، واتسعت مساحة الشك، وأصبحت الحقيقة نفسها محل نزاع بين الروايات المتنافسة. ومع مرور الوقت، لم يعد الانقسام سياسياً أو عسكرياً فقط، بل امتد إلى إدراك الناس للواقع، حيث بات كل طرف يمتلك “حقيقته” الخاصة التي يدافع عنها.

الصحافة أمام اختبار غير مسبوق

فرض هذا الواقع تحديات جديدة على العمل الصحفي، خاصة في البيئات التي يصعب فيها الوصول إلى المعلومات الميدانية.

فلم يعد الصحفي قادراً على الاعتماد على ما يتداول في وسائل التواصل الاجتماعي باعتباره مادة أولية للنشر، بل أصبح مطالباً بإخضاع كل صورة، وكل مقطع فيديو، وكل تصريح، لعمليات تحقق دقيقة تشمل مراجعة المصادر، وتحليل البيانات، ومقارنة الروايات، والعودة إلى الوثائق الرسمية متى ما كانت متاحة.

ولهذا لم يعد السبق الصحفي يقاس بسرعة النشر وحدها، وإنما بقدرة المؤسسة الإعلامية على تقديم رواية موثقة، تستند إلى الأدلة أكثر من استنادها إلى الانطباعات.

لماذا يراهن “لقطة AI” على الصحافة المدعومة بالبيانات؟

في ظل هذا المشهد شديد الاستقطاب، تزداد الحاجة إلى منصات إعلامية مستقلة تضع الحقيقة فوق الاصطفاف، وتُخضع كل معلومة لعمليات تحقق دقيقة قبل نشرها.

ومن هذا المنطلق، يسعى لقطة AI إلى تقديم نموذج صحفي يعتمد على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في خدمة العمل المهني، لا بديلاً عنه. فالذكاء الاصطناعي يساعد في تحليل البيانات، وتتبع الأنماط، ومراجعة المصادر، وكشف التناقضات، بينما يبقى القرار التحريري النهائي مسؤولية الصحفي، وفقاً للمعايير المهنية وأخلاقيات النشر.

ولا ينطلق هذا النهج من الانحياز لأي طرف، بل من الانحياز إلى الدليل والوثيقة والمعلومة القابلة للتحقق، لأن بناء الثقة مع القارئ يبدأ من احترام حقه في معرفة الحقيقة كاملة، بعيداً عن الدعاية أو التحريض أو إعادة إنتاج الشائعات.

ما بعد الحرب الرقمية

تشير التجارب الدولية إلى أن آثار الحروب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار، بل تستمر في الذاكرة الجماعية وفي الفضاء الرقمي لسنوات طويلة. لذلك، فإن مواجهة الغرف الرقمية لا تتحقق بإغلاق الحسابات أو حذف المنشورات فقط، وإنما ببناء إعلام مهني، وتعزيز ثقافة التحقق، ورفع الوعي الرقمي لدى المجتمع، حتى يصبح المواطن نفسه قادراً على التمييز بين الخبر والمعلومة المضللة.

فالمعركة الحقيقية ليست بين منصة وأخرى، ولا بين وسم وآخر، بل بين مجتمع يمتلك أدوات التفكير النقدي، وآخر يُدار وعيه عبر حملات منظمة لا ترى في الحقيقة سوى وسيلة لتحقيق أهدافها.

خاتمة

لقد أثبتت الحرب السودانية أن ميادين الصراع لم تعد تقتصر على المدن والقرى وخطوط القتال، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الرواية جزءاً من المعركة، وأصبحت المعلومة أداة من أدوات النفوذ.

وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قيمة الصحافة بعدد الأخبار التي تنشرها، بل بقدرتها على مقاومة الضجيج الرقمي وكشف الحقيقة. فحين تتحول منصات التواصل إلى ساحات لحرب المعلومات، يصبح الاستقصاء المبني على الوثائق والبيانات والتحقق الدقيق هو الفارق بين الإعلام المهني والدعاية.

وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجه الصحافة السودانية في المرحلة المقبلة؛ ليس فقط أن تواكب سرعة الأحداث، بل أن تحافظ على استقلالية الرواية، لأن الحقيقة تبقى السلاح الوحيد الذي لا ينبغي أن يخسره المجتمع، مهما اشتدت الحروب، ومهما تعددت الغرف التي تحاول إعادة تشكيل الوعي .

إرسال التعليق

You May Have Missed