الوقود والمحروقات في السودان.. من قبضة تجار الحرب إلى قبضة الدولة
إعداد: عبود النصيح
www.lagtaai.com
التاريخ: 26 يونيو 2026
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم تعد السيطرة على الأرض وحدها هي معيار القوة، بل أصبحت السيطرة على الموارد الاستراتيجية جزءاً أساسياً من معادلة الصراع. وبين هذه الموارد، برز الوقود والمحروقات بوصفهما أحد أهم مفاتيح الاقتصاد والحرب معاً، حيث تحولت هذه السلعة الحيوية إلى أداة نفوذ ومصدر تمويل، بعد أن خرج جزء كبير من قطاع التوزيع عن سيطرة الدولة.
واليوم، ومع إعلان الحكومة السودانية سلسلة من الإجراءات لإعادة تنظيم سوق المحروقات، يبرز سؤال جوهري: هل بدأت الدولة فعلاً معركة استعادة السيطرة على أحد أهم القطاعات الاقتصادية، أم أن اقتصاد الحرب أصبح أكثر تعقيداً من أن يُفكك بقرارات إدارية؟
الحرب تعيد رسم خريطة الوقود
قبل الحرب، كانت منظومة الوقود في السودان، رغم ما واجهته من أزمات، تعمل عبر سلسلة واضحة تبدأ بالاستيراد أو التكرير، ثم التخزين، فالنقل، وأخيراً التوزيع عبر المحطات المعتمدة.
لكن مع اتساع رقعة العمليات العسكرية، تعطلت أجزاء كبيرة من هذه المنظومة. خرجت مستودعات عن الخدمة، وتأثرت خطوط النقل، وأصبحت بعض المناطق معزولة عن الإمدادات المنتظمة، بينما ظهرت شبكات توزيع موازية فرضتها ظروف الحرب.
ومع غياب الرقابة في بعض المناطق، برزت أسواق غير رسمية لبيع الوقود، وتحولت المحروقات إلى سلعة نادرة تحددها معادلات العرض والطلب أكثر من السياسات الحكومية.
اقتصاد الحرب وصعود السوق الموازية
في البيئات التي تضعف فيها مؤسسات الدولة، تظهر عادة شبكات اقتصادية بديلة تستفيد من الفراغ الإداري والأمني.
ولم يكن قطاع المحروقات استثناءً.
فقد ساهمت الحرب في توسع عمليات التخزين غير المشروع، وازدهار تجارة الوقود خارج القنوات الرسمية، وارتفاع عمليات التهريب عبر الحدود، مدفوعة بفوارق الأسعار بين السودان ودول الجوار، إضافة إلى الطلب الكبير على الوقود في المناطق المتأثرة بالنزاع.
ومع مرور الوقت، لم يعد الوقود مجرد سلعة استهلاكية، بل أصبح مورداً اقتصادياً شديد الحساسية، ترتبط به حركة النقل، والزراعة، والتعدين، والصناعة، وحتى العمليات الإنسانية.
لماذا تتحرك الحكومة الآن؟
تدرك الحكومة أن استمرار السوق الموازية لا يعني فقط فقدان السيطرة على سلعة استراتيجية، بل يعني أيضاً خسارة موارد مالية كبيرة، واتساع دائرة الاقتصاد غير الرسمي.
ومن هذا المنطلق، بدأت السلطات في اتخاذ خطوات لإعادة تنظيم سوق المحروقات، من خلال إحكام الرقابة على الاستيراد والتوزيع، ومراجعة التراخيص، وتشديد الإجراءات على عمليات التهريب، مع السعي إلى إعادة بناء منظومة الإمداد الرسمية.
وتسعى هذه الإجراءات إلى تحقيق عدة أهداف في وقت واحد، أبرزها استقرار الإمدادات، والحد من المضاربات، وضمان وصول الوقود إلى القطاعات الإنتاجية والخدمية، إلى جانب استعادة الإيرادات العامة التي تضررت بفعل اتساع السوق غير النظامية.
التحديات أكبر من القرارات
ورغم أهمية هذه الخطوات، فإن نجاحها يظل مرتبطاً بجملة من التحديات.
فالحرب ما تزال مستمرة في أجزاء واسعة من البلاد، والبنية التحتية تعرضت لأضرار كبيرة، كما أن شبكات التهريب التي تشكلت خلال السنوات الماضية أصبحت أكثر تنظيماً، وتملك القدرة على التكيف مع أي إجراءات رقابية جديدة.
ويضاف إلى ذلك استمرار الضغوط على النقد الأجنبي، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهي عوامل تؤثر بصورة مباشرة على تكلفة توفير الوقود واستقراره في الأسواق.
بين الأمن والاقتصاد
تكشف تجربة السودان أن الوقود لم يعد ملفاً اقتصادياً صرفاً، بل أصبح قضية تتداخل فيها اعتبارات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي.
فكلما ضعفت قدرة الدولة على إدارة هذا القطاع، توسعت الأسواق الموازية، وازدادت فرص الاحتكار والتهريب، بينما يؤدي استقرار الإمدادات إلى تنشيط الإنتاج الزراعي والصناعي، وتحسين حركة التجارة، وتخفيف الأعباء عن المواطنين.
ولهذا فإن استعادة الدولة لدورها في إدارة سوق المحروقات لا تعني فقط تنظيم عمليات البيع والشراء، بل تمثل جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة سيادتها على مواردها.
رؤية استشرافية
إذا نجحت الحكومة في الجمع بين الرقابة الفاعلة، وتأمين خطوط الإمداد، وتحسين بيئة الاستثمار في قطاع الطاقة، فقد تتمكن من تقليص نفوذ السوق الموازية تدريجياً.
أما إذا استمرت الحرب وتعذر فرض الرقابة على كامل سلسلة الإمداد، فإن اقتصاد الوقود الموازي سيظل لاعباً مؤثراً في المشهد الاقتصادي، بما يحمله ذلك من آثار على الأسعار، والإنتاج، والاستقرار المالي.
خاتمة لقطة
تكشف معركة الوقود في السودان أن الحرب لا تُخاض في ساحات القتال وحدها، بل تمتد إلى الأسواق والموانئ وطرق الإمداد. فاستعادة الدولة لسيطرتها على سوق المحروقات ليست مجرد قضية اقتصادية، بل اختبار لقدرتها على استعادة مؤسساتها ومواردها السيادية، ووضع حد لاقتصاد الحرب الذي ازدهر على حساب معيشة المواطنين.
وفي نهاية المطاف، فإن نجاح هذه المعركة لن يُقاس بعدد القرارات الصادرة، بل بقدرة الدولة على إعادة الثقة إلى السوق، وضمان وصول الوقود للمواطن والمنتج بالسعر العادل، ليعود هذا المورد الحيوي أداةً للتنمية، لا وسيلةً للاحتكار أو النفوذ.
عبود النصيح
www.lagtaai.com



إرسال التعليق