محررو لقطة AI – 13
13 أكتوبر 2026
تواجه جنوب السودان اختبارًا أمنيًا وسياسيًا جديدًا، بعدما أسفرت مواجهات مسلحة بين مجموعات أهلية متنازعة في ولاية البحيرات عن مقتل نحو 70 شخصًا، بينهم أربعة جنود، وإصابة عشرات آخرين، في أحداث كشفت استمرار هشاشة الاستقرار المحلي، وأثارت مخاوف بشأن قدرة السلطات على تأمين الانتخابات الوطنية المقررة في ديسمبر المقبل.
وذكرت وكالة أسوشيتد برس، في تقرير نشرته الاثنين 12 أكتوبر 2026، أن الاشتباكات وقعت يوم الجمعة التاسع من أكتوبر في منطقة رومبيك بولاية البحيرات، بين مجموعات مسلحة من مجتمعي باكام ونيانغ، المنتميين إلى مجموعة الدينكا.
وأعلنت وزارة الإعلام في جنوب السودان أن عدد القتلى بلغ نحو 70 شخصًا، بينهم أربعة من أفراد القوات الحكومية، لكنها أوضحت أن الحصيلة النهائية لم تُتحقق منها بصورة كاملة.
ونقلت الوكالة عن تيران ماديت، المسؤول الطبي في مستشفى رومبيك الحكومي، أن المستشفى استقبل أكثر من 50 مصابًا بطلقات نارية، معظمهم يعانون إصابات في الصدر، مشيرًا إلى أن التدفق المفاجئ للجرحى تجاوز القدرة الاستيعابية للمرفق.
كما تحدث شهود ومسؤولون محليون عن فرار آلاف السكان من مناطق الاشتباكات، وسط مخاوف من تجدد الهجمات الانتقامية.
نزاعات الماشية تتحول إلى مواجهات دامية
ترتبط المواجهات في ولاية البحيرات بتاريخ طويل من النزاعات الأهلية حول ملكية الماشية وحقوق الرعي والوصول إلى مصادر المياه والأراضي الزراعية.
وتتفاقم هذه الخلافات عندما تتحول عمليات سرقة الماشية أو الاعتداءات الفردية إلى مواجهات جماعية، تتداخل فيها الثارات القديمة مع انتشار الأسلحة النارية وضعف المؤسسات المحلية المكلفة بحل النزاعات.
لكن السبب المباشر للاشتباكات الأخيرة لم يتضح بصورة نهائية.
ونقلت أسوشيتد برس عن المحلل الجنوب سوداني ماشوت أموم أن التوترات بين المجتمعات المتنازعة ظلت قائمة دون معالجة جذورها، الأمر الذي جعل المنطقة معرضة لانفجار العنف مجددًا.
وتكشف هذه الإفادات أن المشكلة تتجاوز الحادثة الأخيرة، إذ إن استمرار النزاعات المحلية دون آليات فعالة للمصالحة والتعويض والمساءلة يجعل أي خلاف جديد قابلًا للتحول إلى مواجهة واسعة.
كما أن امتلاك مجموعات من الشباب أسلحة نارية يزيد احتمالات سقوط أعداد كبيرة من الضحايا خلال فترة قصيرة.
المستشفى يتحول إلى ملاذ غير آمن
من أكثر الجوانب إثارة للقلق في الأحداث الأخيرة ما كشفه العاملون في مستشفى رومبيك بشأن الظروف التي أحاطت بوصول المصابين.
فإلى جانب الضغط الكبير على الخدمات الطبية، تحدث المسؤول الطبي عن مغادرة بعض الجرحى المستشفى بسبب شائعات تفيد بإمكان تعرضهم للقتل داخله.
وتعكس هذه المخاوف امتداد العنف إلى المجال الإنساني، حيث قد يشعر المصاب بأن الحصول على العلاج يعرضه لخطر جديد.
كما أن الخوف من الهجمات الانتقامية قد يدفع أسرًا إلى إخفاء المصابين أو تأخير نقلهم إلى المرافق الصحية، ما يزيد احتمال حدوث مضاعفات أو وفيات يمكن تجنبها.
ولهذا فإن حماية المستشفيات والطرق المؤدية إليها تصبح جزءًا أساسيًا من الاستجابة الأمنية، ولا تقل أهمية عن وقف الاشتباكات في مواقع المواجهة.
تدخل حكومي وأممي لاحتواء العنف
أعلنت الحكومة أن القوات المسلحة والشرطة تمكنتا من استعادة السيطرة على منطقة رومبيك بعد الاشتباكات.
وذكرت السلطات أنها ألقت القبض على أربعة مدنيين مسلحين وصادرت أربع قطع سلاح، مع توجيه دعوات إلى المجتمعات المحلية لوقف الهجمات الانتقامية.
كما تدخلت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان، المعروفة باسم «يونميس»، ونشرت قوة استجابة سريعة من قوات حفظ السلام النيبالية للمساعدة في حماية المستشفى والمنشآت الإنسانية.
لكن استعادة الهدوء بعد المواجهات لا تعني بالضرورة انتهاء أسباب النزاع.
فاستمرار انتشار السلاح وغياب التسويات المحلية قد يسمحان بعودة الاشتباكات، خصوصًا إذا لم تُتخذ إجراءات تمنع الاعتداءات الانتقامية وتضمن محاسبة المسؤولين عن الجرائم.
الانتخابات أمام اختبار الأمن
تكتسب الأحداث أهمية سياسية استثنائية لأنها تأتي قبل الانتخابات الوطنية المقررة في 22 ديسمبر 2026.
وكان الرئيس سلفا كير ميارديت قد أصدر في 22 سبتمبر قرارًا بحل الحكومة الانتقالية والبرلمان والحكومات الولائية، وتشكيل ترتيبات إدارية مؤقتة استعدادًا للانتخابات.
لكن هذه الخطوة أثارت تساؤلات بشأن الفراغ الإداري الذي قد ينشأ خلال مرحلة الانتقال بين المؤسسات.
ونقلت أسوشيتد برس عن محللين محليين أن تأخر تعيين بعض المسؤولين الإداريين في المقاطعات قد يكون ساهم في إضعاف الاستجابة المبكرة للتوترات الأهلية.
ولا يمكن الجزم بأن حل الحكومة تسبب مباشرة في المواجهات، لأن النزاع بين المجتمعات المحلية أقدم من القرارات السياسية الأخيرة.
لكن تزامن الفراغ الإداري مع انتشار السلاح يثير مخاوف بشأن قدرة السلطات على فرض الأمن في المناطق الريفية خلال مرحلة حساسة.
هل يستطيع جنوب السودان إجراء انتخابات آمنة؟
لم يشهد جنوب السودان انتخابات وطنية منذ استقلاله عن السودان عام 2011.
وقد أدت الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2013، ثم الخلافات بشأن تنفيذ اتفاق السلام الموقع عام 2018، إلى تأجيل الاستحقاق الانتخابي مرات متعددة.
وتتطلب الانتخابات المقبلة وجود مؤسسات إدارية وأمنية قادرة على تسجيل الناخبين وحماية مراكز الاقتراع وضمان حرية الحركة والتجمع.
لكن استمرار المواجهات الأهلية قد يعوق هذه العمليات في بعض المناطق، خصوصًا إذا اضطرت المجتمعات المحلية إلى النزوح أو امتنعت عن المشاركة خوفًا من العنف.
كما أن إجراء الانتخابات دون معالجة النزاعات المسلحة قد يضعف الثقة في نتائجها، أو يحول المنافسة السياسية إلى عامل إضافي في التوترات القائمة.
ومن هنا فإن حماية المدنيين والمصالحة المحلية ونزع السلاح غير القانوني تمثل عناصر مهمة في تهيئة المناخ الانتخابي.
ما الذي تغيّر وما الذي ينبغي متابعته؟
يتمثل التطور الجديد في ارتفاع حصيلة المواجهات إلى نحو 70 قتيلًا، مع تسجيل عشرات الإصابات ونزوح سكان، رغم تدخل القوات الحكومية وقوات حفظ السلام.
لكن الحصيلة النهائية لا تزال بحاجة إلى تأكيد رسمي، كما لم تُعلن نتائج تحقيق يحدد المسؤوليات الفردية عن اندلاع المواجهات.
وسيكون من المهم متابعة الوضع الأمني في رومبيك، وعودة النازحين إلى منازلهم، والإجراءات المتعلقة بنزع السلاح، ومدى قدرة الحكومة على استكمال ترتيبات الانتخابات.
إن مقتل عشرات الأشخاص في مواجهات أهلية بجنوب السودان قبل أسابيع من الانتخابات يكشف أن بناء الاستقرار لا يتحقق بمجرد إعلان مواعيد الاقتراع أو تشكيل المؤسسات السياسية. فالدولة التي تستعد لأول انتخابات وطنية منذ استقلالها تحتاج إلى ضمان أمن المجتمعات المحلية وحماية المدنيين وإنهاء دوائر الانتقام التي ظلت تهدد مناطق واسعة من البلاد. وبين تطلعات المواطنين إلى الانتقال السياسي واستمرار النزاعات المسلحة، سيكون الاختبار الحقيقي لقدرة الحكومة هو منع تكرار هذه المجازر وتهيئة ظروف تسمح للمواطنين بالمشاركة في تقرير مستقبلهم دون خوف.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات