لماذا لم يتمرد أهل الشمال؟.. قراءة في مفهوم التهميش وأزمة الدولة السودانية
عبود النصيح
يُعد سؤال “لماذا لم يتمرد أهل الشمال؟” واحداً من أكثر الأسئلة حساسية وإثارة للجدل في النقاش السوداني المعاصر، لأنه لا يبحث فقط في أحوال شمال السودان، بل يعيد فتح ملف أكبر يتعلق بطبيعة الدولة السودانية نفسها وكيفية إدارتها منذ الاستقلال وحتى اليوم.
لكن قبل محاولة الإجابة، ربما يكون من الضروري إعادة صياغة السؤال من أساسه.
فهل المشكلة تكمن في أن أهل الشمال لم يتمردوا؟ أم أن السودانيين لم يتفقوا أصلاً على تعريف واضح لمعنى التهميش؟
منذ استقلال السودان عام 1956، لم تنجح الدولة الوطنية في بناء مشروع تنموي متوازن يصل إلى جميع المواطنين بالقدر نفسه. وظلت السلطة والقرار والخدمات العامة تتجمع بدرجات متفاوتة داخل العاصمة ومراكز حضرية محدودة، بينما ظلت مناطق واسعة من البلاد تعاني من ضعف التنمية وعدم الاستقرار.
ولسنوات طويلة، استقر في الوعي السياسي السوداني مفهوم يقوم على وجود مركز قوي يحتكر السلطة والثروة في الخرطوم، يقابله هامش واسع يمتد إلى دارفور وكردفان والنيل الأزرق وشرق السودان.
غير أن هذا التصور، رغم احتوائه على جزء كبير من الحقيقة، لم يكن كاملاً بالضرورة.
فالحديث عن المركز والهامش تحول مع مرور الزمن إلى تصنيف جغرافي أكثر من كونه تشخيصاً لبنية الدولة نفسها.
وهنا ظهرت إحدى أكبر المفارقات السودانية.
إذ جرى الخلط بين النخب التي حكمت السودان وبين ملايين المواطنين الذين ينتمون إلى المناطق نفسها التي خرج منها بعض الحكام
فليس كل من ينتمي إلى شمال السودان كان شريكاً في السلطة، كما أن كثيراً من سكان الشمال لم يكونوا جزءاً من دوائر النفوذ السياسي أو الاقتصادي التي سيطرت على الدولة لعقود طويلة.
بل إن مناطق واسعة في الولاية الشمالية ونهر النيل عاشت، ولا تزال تعيش، أزمات متشابهة مع بقية أنحاء البلاد، من تراجع الخدمات الصحية والتعليمية إلى ضعف الاستثمار وغياب فرص العمل واتساع دائرة الهجرة الداخلية والخارجية.
وأصبحت الهجرة بالنسبة لكثير من الأسر استراتيجية اقتصادية للبقاء أكثر من كونها خياراً فردياً لتحسين مستوى المعيشة.
ولعل السؤال الأهم هنا هو: لماذا لم يتحول هذا الشعور إلى تمرد مسلح كما حدث في مناطق أخرى؟
الإجابة المختصرة هي أن التهميش وحده لا يصنع الحروب.
فلو كان الأمر كذلك، لتحولت عشرات المناطق الفقيرة في العالم إلى ساحات صراع دائم.
الحركات المسلحة لا تنشأ بسبب الفقر فقط، بل تحتاج إلى مجموعة معقدة من العوامل السياسية والاجتماعية والجغرافية.
فهي تحتاج إلى قيادة قادرة على التعبئة، وحاضنة اجتماعية واسعة، ومصادر تمويل، وبيئة جغرافية تساعد على الاستمرار، إضافة إلى وجود شعور جماعي بأن العمل المسلح أصبح الخيار الوحيد المتبقي بعد انسداد بقية المسارات.
وفي السودان، توافرت هذه العوامل بدرجات متفاوتة في بعض المناطق أكثر من غيرها.
لكن ذلك لا يعني أن بقية المناطق كانت تعيش حالة من الرضا تجاه الدولة
.
فبدلاً من حمل السلاح، برزت أشكال أخرى من المقاومة مثل النشاط النقابي والعمل السياسي والحراك المدني ومقاومة بعض المشروعات التنموية المثيرة للجدل، إضافة إلى الهجرة الجماعية التي تحولت مع مرور الوقت إلى نوع من الاحتجاج الصامت على فشل الدولة في توفير حياة كريمة لمواطنيها.
ولعل أكبر خطأ وقع فيه السودانيون خلال العقود الماضية هو اختزال أزمة البلاد في معادلة بسيطة تقول إن هناك مناطق مستفيدة بالكامل وأخرى مهمشة بالكامل.
فالواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
السودان لم يعانِ فقط من أزمة توزيع للثروة، بل من أزمة بناء دولة من الأساس.
دولة تركزت فيها الخدمات والفرص والقرارات داخل نطاق ضيق، بينما ظلت الأطراف كافة، بدرجات متفاوتة، تنتظر نصيبها من التنمية والاستقرار.
ولذلك قد يشترك مزارع في أقصى شمال السودان في كثير من همومه اليومية مع مزارع في دارفور أو شرق السودان أو جنوب كردفان أكثر مما يشترك مع أي نخبة سياسية حكمت البلاد باسمه أو باسم منطقته.
واليوم تكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة، لأن السودان الذي سيخرج من هذه الحرب لن يستطيع إعادة إنتاج السرديات القديمة نفسها.
فإذا استمر النقاش في إطار تبادل الاتهامات الجغرافية، فإن الأزمة ستعيد إنتاج نفسها بأسماء جديدة.
أما إذا انتقل السودانيون إلى سؤال أكثر عمقاً، فقد تبدأ مرحلة جديدة من التفكير الجماعي:
كيف يمكن بناء دولة لا يشعر فيها أي سوداني بأنه خارج المعادلة الوطنية؟
وفي نهاية المطاف، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو: لماذا لم يتمرد أهل الشمال؟
بل السؤال الأكثر إلحاحاً هو:
كيف نجحت الدولة السودانية طوال سبعين عاماً في جعل غالبية السودانيين يشعرون، بدرجات متفاوتة، أنهم مهمشون داخل دولة يفترض أنها دولتهم جميعاً؟
وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة الأولى نحو بناء سودان مختلف في المستقبل.
وفي الجزء الثاني، سنحاول الإجابة عن سؤال أكثر حساسية: لماذا أخذ الغضب في بعض أقاليم السودان شكل التمرد المسلح، بينما أخذ في شمال السودان أشكالاً أخرى من المقاومة والاحتجاج والهجرة



إرسال التعليق