×

البرهان والإسلاميون.. كيف أعادت الحرب تشكيل موازين القوة في السودان (2)

البرهان والإسلاميون.. كيف أعادت الحرب تشكيل موازين القوة في السودان (2)

من يقود من؟ البرهان أم الإسلاميون؟

عبود النصيح

ربما لم تعد القضية الأساسية في السودان اليوم تتمثل في السؤال التقليدي حول عودة الإسلاميين إلى المشهد العام، بقدر ما أصبحت تتمحور حول طبيعة العلاقة الجديدة التي فرضتها الحرب بينهم وبين المؤسسة العسكرية.

فلسنوات طويلة انشغل السودانيون بسؤال واحد: إلى أي مدى يمتلك الإسلاميون نفوذاً داخل المؤسسة العسكرية؟ لكن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أعادت صياغة المشهد بالكامل، وولّدت سؤالاً أكثر تعقيداً.

من يحتاج إلى الآخر أكثر؟

في الواقع، يبدو أن الطرفين التقيا عند نقطة مشتركة صنعتها الحرب والطموحات السياسية المتبادلة.

فالإسلاميون يرون في الحرب فرصة لإعادة بناء حضورهم داخل المجال العام بعد سنوات من التراجع والعزلة التي أعقبت سقوط نظام الرئيس السابق عمر البشير، بينما يسعى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى تثبيت موقعه السياسي وتأمين مستقبله في مرحلة ما بعد الحرب وسط ملفات سياسية وقانونية معقدة تحيط بمسيرته منذ أحداث فض اعتصام القيادة العامة، مروراً بإجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، وصولاً إلى الحرب الحالية.

وهنا تتشكل معادلة جديدة لم تكن مطروحة بهذه الصورة من قبل.

فهل يقود البرهان الإسلاميين نحو مشروع جديد لإدارة الدولة؟ أم أن الإسلاميين أنفسهم أصبحوا يقودون البرهان نحو معادلة سياسية مختلفة تماماً عما بدأ به الصراع؟

الإجابة ليست سهلة، لأن الواقع الذي فرضته الحرب تجاوز في كثير من الأحيان الحسابات التي امتلكها الطرفان في بدايتها.

هل يحتاج البرهان إلى الإسلاميين أكثر مما يحتاج الإسلاميون إليه؟

منذ اندلاع الحرب لم يكن الجيش يخوض مواجهة عسكرية فقط، بل كان يواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتعلق بإدارة دولة تتآكل مؤسساتها تدريجياً تحت ضغط الحرب والانهيار الاقتصادي والفراغ الإداري الذي أصاب أجزاء واسعة من البلاد.

ومع امتداد الصراع، برزت الحاجة إلى قوى تمتلك القدرة على التنظيم والتعبئة وإدارة شبكات الدعم المجتمعي.

وهنا ظهر الإسلاميون باعتبارهم القوة الأكثر جاهزية.

فهم يمتلكون خبرة طويلة في إدارة مؤسسات الدولة، وشبكات اجتماعية ممتدة، وقدرات تنظيمية راكموها خلال ثلاثة عقود من الحكم.

لكن المعادلة لا تسير في اتجاه واحد.

فالإسلاميون أنفسهم يحتاجون إلى البرهان أيضاً.

فالجيش يمثل اليوم بوابة العبور الرئيسية نحو المجال العام، كما يمثل مصدر الشرعية الفعلية داخل الدولة التي أعادت الحرب تشكيل موازين القوة فيها.

وبذلك لا يبدو أن أحد الطرفين يهيمن بصورة كاملة على الآخر، بل إن العلاقة بينهما تقوم على تبادل المصالح والاحتياجات في مرحلة انتقالية شديدة التعقيد.

أين يتموضع الإسلاميون داخل مؤسسات الدولة اليوم؟

قد يكون من الخطأ البحث عن عودة الإسلاميين بالشكل الذي عرفه السودانيون قبل عام 2019.

فالمشهد تغيّر بصورة كبيرة.

العودة الحالية تبدو أكثر هدوءاً وأقل صخباً وأكثر اعتماداً على النفوذ غير المباشر.

أولاً: الإعلام

شهدت الحرب صعود منصات إعلامية وشخصيات مؤثرة تتبنى بصورة واضحة خطاباً داعماً للمؤسسة العسكرية، وأصبحت جزءاً أساسياً من معركة تشكيل الرأي العام.

ثانياً: التعبئة الشعبية

شاركت مجموعات مرتبطة بالتيار الإسلامي في حملات الإسناد المجتمعي، وتنظيم المبادرات، وجمع التبرعات، والمساهمة في دعم المجهود الحربي.

ثالثاً: بعض المؤسسات المدنية

شهدت بعض المؤسسات عودة تدريجية لكوادر إدارية وتنفيذية سبق أن عملت خلال سنوات النظام السابق أو احتفظت بعلاقات تاريخية معه.

رابعاً: الدوائر الاستشارية غير الرسمية

وربما تكمن هنا المساحة الأكثر تأثيراً.

فالحروب الطويلة لا تُدار فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل عبر شبكات واسعة من المستشارين والخبراء والفاعلين الذين يعملون بعيداً عن الأضواء.

هل عاد الإسلاميون كتنظيم أم كشبكات نفوذ؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في المشهد السوداني اليوم.

فالكثيرون ما زالوا ينظرون إلى الإسلاميين باعتبارهم تنظيماً واحداً متماسكاً، بينما تشير الوقائع إلى صورة أكثر تعقيداً.

فبعد سقوط نظام البشير تعرضت الحركة الإسلامية إلى حالة من التفكك وإعادة التموضع.

غادرت بعض القيادات المشهد.

وتراجعت مراكز نفوذ.

وظهرت ترتيبات جديدة.

لكن الشبكات التي بُنيت خلال ثلاثين عاماً لم تختفِ بالكامل.

واليوم لا تبدو العودة عبر حزب واحد أو تنظيم واحد، بل عبر نموذج أكثر مرونة يقوم على العلاقات والخبرات المتراكمة والشخصيات المؤثرة.

وهو نموذج أقل ظهوراً وأكثر قدرة على التكيف مع المتغيرات.

لماذا تثير هذه العودة مخاوف داخلية وخارجية؟

لأن السودان لم يعد ملفاً محلياً خالصاً.

داخلياً، تخشى القوى المدنية أن تتحول الحرب إلى جسر يعيد إنتاج موازين القوى التي أطاحت بها ثورة ديسمبر.

إقليمياً، تنظر بعض الدول بحذر إلى أي تمدد جديد للإسلاميين داخل مؤسسات الدولة بسبب تأثيراته المحتملة على توازنات المنطقة.

دولياً، أصبح السودان مرتبطاً بملفات تتجاوز حدوده، مثل أمن البحر الأحمر والهجرة غير النظامية والاستقرار الإقليمي ومكافحة الإرهاب.

ولهذا لم تعد هوية السلطة التي ستخرج من هذه الحرب شأناً سودانياً داخلياً فقط، بل قضية ذات امتدادات إقليمية ودولية.

المعضلة الحقيقية

كلما طالت الحرب، ازداد عدد اللاعبين الذين أصبح البرهان مضطراً لإدارة علاقاته معهم.

المؤسسة العسكرية.

الإسلاميون.

الحركات المسلحة.

القوى المدنية.

القوى الإقليمية.

والمجتمع الدولي.

ولذلك لم يعد الرجل يدير حرباً فحسب، بل يدير شبكة معقدة من التوازنات المتقاطعة.

وكل توازن جديد يمنحه مساحة إضافية للمناورة، لكنه يضيف إليه في الوقت نفسه قيداً جديداً قد يحد من خياراته المستقبلية.

ويبقى السؤال مفتوحاً:

هل أصبح البرهان مديراً لتوازنات متعددة، أم أن هذه التوازنات نفسها بدأت تتحول تدريجياً إلى قيود سترسم شكل السودان الذي سيخرج من هذه الحرب؟

إرسال التعليق

You May Have Missed