الاقتصاد الخفي للحرب.. من يربح بينما يخسر الجميع؟
المحرر | www.lagtaai.com
حين تندلع الحروب، ينشغل الناس بعدد الضحايا ومساحات السيطرة العسكرية وتحركات الجيوش، لكن هناك حرباً أخرى أقل ظهوراً وأكثر استمرارية تبدأ في التكوّن بالتزامن مع كل صراع طويل الأمد.
إنها حرب الاقتصاد الخفي.
وفي السودان، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت تدريجياً إلى منظومة اقتصادية موازية خلقت رابحين جدداً، وغيرت مسارات الأموال، وأعادت تعريف مفهوم السلطة والنفوذ.
فبينما يخسر المواطن العادي دخله ومدخراته واستقراره، تنمو في الظل شبكات اقتصادية جديدة تستفيد من استمرار الأزمة.
كيف ولدت هذه المنظومة الجديدة؟
كلما ضعفت الدولة، ظهرت قوى بديلة تسد الفراغ الذي تتركه المؤسسات الرسمية.
البنوك تتعطل.
الخدمات تتراجع.
طرق التجارة التقليدية تتأثر.
فتنشأ تلقائياً أسواق موازية وقنوات جديدة لتحريك الأموال والبضائع.
وفي السودان، تسارعت هذه العملية بصورة غير مسبوقة.
ولم يعد الاقتصاد يدور بالكامل داخل المؤسسات الرسمية، بل أصبح جزء كبير منه يتحرك خارجها.
الذهب.. المورد الذي تضاعفت أهميته
لم يكن الذهب بعيداً عن الصراع.
ففي ظل تراجع الإيرادات الحكومية، أصبح واحداً من أهم الموارد الاقتصادية التي تتنافس عليها شبكات النفوذ المختلفة.
وباتت مناطق التعدين تتحول تدريجياً إلى مراكز اقتصادية مستقلة نسبياً، ترتبط بحركة الأسواق الإقليمية أكثر من ارتباطها بالمركز.
وهنا لا تقتصر المسألة على استخراج الذهب فقط، بل تشمل النقل والحماية والتصدير وسلاسل التمويل المرتبطة به.
اقتصاد التحويلات المالية
مع تعطل أجزاء واسعة من القطاع المصرفي، برز اقتصاد جديد يعتمد على التحويلات الفردية والشبكات غير الرسمية.
وأصبحت ملايين الأسر تعتمد بصورة شبه كاملة على الأموال القادمة من السودانيين المقيمين في الخارج.
وفي كثير من الأحيان، باتت هذه التحويلات تلعب دوراً أكبر من المؤسسات الاقتصادية التقليدية.
سوق الوقود والنقل
الحرب أعادت رسم خريطة الوقود داخل البلاد.
ظهرت مسارات جديدة للتوزيع.
وتغيرت مراكز النشاط التجاري.
وأصبحت تكلفة النقل جزءاً أساسياً من معادلة الأسعار اليومية التي يتحملها المواطن.
وكلما طال أمد الحرب، أصبحت هذه الشبكات أكثر رسوخاً.
المستفيدون الجدد
في كل حرب تظهر طبقة اقتصادية جديدة.
ليست بالضرورة طبقة تقليدية من رجال الأعمال، بل شبكة متنوعة من الوسطاء والتجار والفاعلين الذين يملكون القدرة على التحرك داخل بيئة غير مستقرة.
وهؤلاء لا يستفيدون من انتهاء الحرب بالقدر نفسه الذي يستفيدون فيه من استمرارها.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الصراعات الطويلة.
فبمرور الوقت، يتحول استمرار الأزمة إلى مصلحة اقتصادية لبعض الأطراف.
الخاسر الأكبر
رغم تعدد اللاعبين، يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر.
فقد تآكلت القوة الشرائية.
وارتفعت الأسعار بصورة غير مسبوقة.
وتراجعت فرص العمل.
وأصبحت الحياة اليومية أكثر تكلفة وتعقيداً.
وفي الوقت نفسه، يزداد اعتماد المواطنين على حلول مؤقتة للبقاء، بدلاً من وجود اقتصاد مستقر ومنظم.
السودان بعد الحرب.. التحدي الأصعب
لن يكون التحدي الحقيقي هو وقف إطلاق النار فقط.
بل سيكون تفكيك الاقتصاد الموازي الذي ولدته الحرب.
لأن الاقتصادات التي تنشأ أثناء الصراعات لا تختفي تلقائياً بمجرد انتهاء المعارك.
بل تحتاج إلى سنوات من الإصلاح وإعادة بناء المؤسسات واستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.
ويبقى السؤال قائماً:
كيف يمكن للسودان أن يعيد بناء اقتصاد الدولة، بعدما نجحت الحرب في بناء اقتصادها الخاص؟



إرسال التعليق