الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من نار المعارك إلى مياه الأمطار.. مأساة النازحين في السودان تتسع

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من نار المعارك إلى مياه الأمطار.. مأساة النازحين في السودان تتسع
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19
13 أغسطس 2026

لم تنتهِ رحلة الخطر بالنسبة إلى آلاف السودانيين عندما تمكنوا من الفرار من القصف والمعارك. فبعد أيام أو أسابيع من السير والتنقل بين القرى والمدن، وجد كثير منهم أنفسهم داخل مخيمات ومراكز إيواء مؤقتة لا تحميهم من الأمطار، ولا توفر لهم ما يكفي من الغذاء والمياه النظيفة والعلاج.

ومع اشتداد موسم الخريف، تحولت مياه الأمطار من مصدر ينتظره السودانيون للزراعة والحياة إلى تهديد جديد للأسر النازحة، بعدما غمرت الخيام والمساكن المؤقتة، وأفسدت المواد الغذائية، وخلقت بيئة مواتية لانتشار الكوليرا والملاريا والحصبة وأمراض الإسهال.

وتبدو المأساة أكثر وضوحاً في ولايتي شمال كردفان والنيل الأزرق، حيث تستقبل المدن والمخيمات موجات متواصلة من الفارين من القتال، بينما تعاني المجتمعات المضيفة نفسها من نقص الموارد وانهيار الخدمات الأساسية.

وهكذا انتقل النازحون من خطر الرصاص والطائرات المسيّرة إلى خطر المياه الراكدة والجوع والمرض، في واحدة من أكثر صور الأزمة الإنسانية السودانية قسوة.

شمال كردفان.. الحرب تطارد الأطفال

تكشف أرقام متداولة عن حجم الخطر الذي يواجه الأطفال في شمال كردفان، حيث أفادت تقارير بمقتل 54 طفلاً وإصابة 574 آخرين خلال موجات العنف الأخيرة، وسط تعرض المدنيين للقصف والمسيّرات والألغام ومخلفات الحرب.

ولا تتوقف معاناة الأطفال عند الإصابات المباشرة. فالذين نجوا من القتال وصلوا إلى مراكز الإيواء وهم يعانون الجوع والإرهاق والصدمات النفسية، ليواجهوا بعدها انتشار الأمراض ونقص الدواء والمياه الصالحة للشرب.

وتحدثت جهات طبية عن عشرات الإصابات بالكوليرا والحصبة بين الأطفال داخل مخيمات النازحين، محذرة من أن الأعداد المعلنة قد لا تعكس الحجم الحقيقي للتفشي بسبب ضعف الرصد وصعوبة وصول المرضى إلى المرافق الصحية.

وتشير تقديرات شبكة أطباء السودان إلى أن نحو 200 ألف شخص، بينهم قرابة 20 ألف طفل، يواجهون أوضاعاً صحية ومعيشية شديدة الخطورة في مناطق النزوح، مع انتشار الكوليرا والحصبة ونقص الأدوية والمواد الغذائية.

ويزيد ضعف التحصين وانقطاع برامج الرعاية الصحية الأولية من احتمالات انتشار الحصبة بين الأطفال، خصوصاً في المواقع المكتظة التي تتشارك فيها عشرات الأسر مساحات ضيقة ومصادر مياه محدودة.

الأبيض تحت ضغط النزوح والمرض

أصبحت مدينة الأبيض إحدى أبرز نقاط تجمع النازحين في كردفان، بعدما استقبلت عشرات الآلاف من الفارين من القرى والمناطق التي شهدت معارك وهجمات متكررة.

وتضم المدينة أكثر من 105 آلاف نازح ضمن عدد سكان يتجاوز نصف مليون شخص، في وقت تتعرض فيه الطرق التجارية والإنسانية المحيطة بها للاضطراب، ما أثر في وصول الغذاء والوقود والأدوية.

وتعيش الأسر داخل مخيمات تفتقر إلى شبكات الصرف الصحي والمراحيض الكافية ومصادر المياه الآمنة. ومع هطول الأمطار، تتجمع المياه حول الخيام وتختلط بالنفايات ومياه الصرف، ما يرفع احتمالات انتقال العدوى بسرعة.

كما أدت الأمطار إلى إتلاف بعض المساكن المؤقتة المصنوعة من المشمع والقش والمواد البسيطة، واضطرت أسر إلى قضاء ساعات في العراء أو الانتقال مجدداً إلى مواقع أكثر ارتفاعاً.

ولا تملك معظم الأسر النازحة المال اللازم لشراء الأغطية أو إصلاح الخيام أو الحصول على الغذاء، بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية وتراجعت حركة الإمداد نتيجة انعدام الأمن على الطرق.

ويأتي ذلك في ظل تصاعد عسكري حول الأبيض، واستمرار الهجمات بالطائرات المسيّرة، ما يجعل عمليات الإغاثة أكثر صعوبة ويهدد بموجة نزوح جديدة من داخل المدينة ومحيطها.

الأمطار تضاعف خطر الكوليرا

حذرت منظمة الصحة العالمية من أن تفشي الكوليرا في السودان قد يزداد سوءاً بفعل استمرار القتال وحركة النزوح وبداية موسم الأمطار.

وكانت السلطات الصحية قد أعلنت موجة جديدة من الوباء في يونيو 2026، فيما سجلت خلال المراحل الأولى أكثر من 1,300 إصابة وما لا يقل عن 114 وفاة، مع ارتفاع مقلق في معدل الوفيات بين الحالات المصابة، وفق منظمة الصحة العالميةAttachment.png.

وتُعد مخيمات النزوح أكثر البيئات عرضة لانتشار المرض، بسبب الاكتظاظ وشح المياه النظيفة وغياب أنظمة الصرف الصحي وعدم توفر الصابون وأدوات النظافة الشخصية.

ويجد النازحون أنفسهم في كثير من المواقع مضطرين إلى استخدام مياه الآبار أو الحفائر ومصادر مكشوفة قد تتلوث بمياه الأمطار والنفايات.

كما أن صعوبة الوصول إلى المستشفيات ومراكز العزل تؤدي إلى تأخر علاج المرضى، رغم أن إنقاذ المصاب بالكوليرا يعتمد بدرجة كبيرة على سرعة تعويض السوائل والأملاح.

وفي بعض المناطق، تواجه المرافق الصحية نقصاً في المحاليل الوريدية والمضادات الحيوية وأسرّة العلاج، بينما يعمل الأطباء والمتطوعون بأعداد محدودة وسط تدفق مستمر للمرضى.

النيل الأزرق.. مراكز إيواء لا ترد المطر

لا تختلف الصورة كثيراً في ولاية النيل الأزرق، التي استقبلت موجات نزوح جديدة نتيجة تجدد القتال في مناطق قيسان والمناطق القريبة من الحدود الإثيوبية.

وأعلنت المنظمة الدولية للهجرة نزوح نحو 2,500 شخص من مدينة قيسان وحدها، بينما فضلت أسر البقاء في مواقع أخرى داخل المنطقة، وعبرت أخرى الحدود باتجاه إثيوبيا.

ووصل عدد من النازحين إلى مراكز إيواء تعاني نقص الخيام والغذاء والمياه، فيما لجأت أسر إلى المدارس والمباني العامة أو شيدت مأوى مؤقتاً من قطع القماش والأخشاب.

ومع هطول الأمطار، تسربت المياه إلى أماكن النوم، وفقدت أسر ما تبقى لديها من ملابس ومواد غذائية، بينما أصبحت الأرض الموحلة عائقاً أمام حركة الأطفال وكبار السن والمرضى.

وتزيد المياه الراكدة من تكاثر البعوض وانتشار الملاريا وحمى الضنك، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية نقص أدوات الفحص والأدوية والعاملين.

كما يؤدي استخدام المدارس مراكزَ إيواء إلى تعطيل العملية التعليمية، ليجد الأطفال النازحون أنفسهم محرومين من الدراسة إلى جانب فقدان الاستقرار والأمان.

نزوح يتكرر أكثر من مرة

لا تمثل الأمطار بالنسبة إلى النازحين مجرد ظرف موسمي عابر، بل قد تجبرهم على النزوح مرة أخرى بعد أن دمرت الحرب منازلهم وأخرجتهم من مناطقهم الأصلية.

فالأسر التي أقامت خيامها في الأراضي المنخفضة أو قرب مجاري المياه تضطر إلى تركها عند ارتفاع منسوب المياه، والبحث عن مكان جديد قد لا تتوفر فيه أي خدمات.

وتتكرر الرحلة من قرية إلى مدينة، ثم من مركز إيواء إلى مخيم، ومن مخيم غمرته المياه إلى مساحة أخرى مجهولة.

ويؤدي تكرار النزوح إلى تفكك الأسر وفقدان الممتلكات والوثائق الشخصية، ويجعل من الصعب على المنظمات الإنسانية تسجيل المتضررين وتقديم المساعدات بانتظام.

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر إضافية أثناء التنقل والإقامة في المواقع المفتوحة، في ظل ضعف الإنارة وغياب الخصوصية ونقص المرافق الصحية الآمنة.

أما كبار السن وذوو الإعاقة، فكثيراً ما يعجزون عن الحركة السريعة عند تدفق المياه، بينما لا تملك الأسر وسائل لنقلهم أو تأمين احتياجاتهم الطبية.

مجتمعات مضيفة استنفدت مواردها

تعتمد أعداد كبيرة من النازحين على مساعدات السكان المحليين، بعدما تأخرت الاستجابة الإنسانية أو لم تصل بالكميات المطلوبة.

لكن المجتمعات المضيفة تواجه هي الأخرى أوضاعاً اقتصادية قاسية، بفعل ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة الجنيه وتراجع الإنتاج وتعطل طرق التجارة.

وفي بعض أحياء أم درمان، يعتمد نازحون وصلوا من كردفان على الطعام والمياه التي يوفرها الجيران، رغم محدودية إمكاناتهم. وقد استقبلت ولاية الخرطوم نحو 75 ألف نازح من موجات الفرار الأخيرة من الإقليم.

ويؤدي تقاسم الموارد المحدودة إلى ضغط متزايد على المياه والمخابز والمراكز الصحية والمدارس، ما يجعل المجتمعات المضيفة عاجزة تدريجياً عن الاستمرار في سد الفجوة التي تركتها مؤسسات الدولة ومنظمات الإغاثة.

المساعدات محاصرة بين الطرق والتمويل

تعاني العمليات الإنسانية في السودان نقصاً حاداً في التمويل، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مناطق واسعة بسبب القتال والقيود الأمنية وتضرر الطرق والجسور خلال موسم الأمطار.

وتتعطل الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء عند انقطاع الطرق الترابية أو تحولها إلى مساحات موحلة، بينما تشكل الهجمات والنهب ونقاط التفتيش خطراً إضافياً على القوافل.

كما أدى إغلاق الأسواق والمخازن الإنسانية في بعض المناطق إلى قطع الإمدادات عن الأسر التي تعتمد بالكامل على المساعدات.

وتعمل المنظمات على تخزين الغذاء والأدوية ومستلزمات مكافحة الكوليرا مسبقاً، لكن حجم الاحتياجات واتساع رقعة النزوح يفوقان القدرة المتاحة.

وتحتاج المخيمات بصورة عاجلة إلى خيام مقاومة للأمطار، ومضخات لتصريف المياه، ومراحيض آمنة، وخزانات مياه، ومواد لتنقيتها، إضافة إلى الغذاء والأدوية ومراكز العزل والتحصين.

حرب لا تنتهي عند مغادرة الجبهة

تكشف أوضاع النازحين أن الابتعاد عن مناطق القتال لا يعني الوصول إلى الأمان. فالحرب تلاحق الفارين في صورة الجوع وانهيار الخدمات وفقدان الدخل وانتشار الأوبئة.

ومع استمرار الأمطار، قد تتسع الكارثة إذا لم تُفتح طرق آمنة للمساعدات، وتُعزَّز الاستجابة الصحية، وتُنقل الأسر المقيمة في المناطق المنخفضة إلى مواقع أكثر أمناً.

ويظل وقف الحرب شرطاً أساسياً لإنهاء المأساة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى تحرك عاجل لحماية من نزحوا بالفعل، قبل أن تتحول المخيمات إلى بؤر للأوبئة والجوع.

لقد نجا هؤلاء من القصف والرصاص، لكنهم ما زالوا يخوضون معركة يومية من أجل وجبة ومياه نظيفة وخيمة لا يجرفها المطر ودواء ينقذ طفلاً من مرض يمكن علاجه.

وبين نار المعارك ومياه الأمطار، تتسع مأساة النزوح في السودان، بينما يدفع المدنيون مرة أخرى ثمن حرب لم يختاروها، وكارثة إنسانية لا تزال أكبر من حجم الاستجابة المقدمة لها.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً