الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

بطالة الشباب في عصر الذكاء الاصطناعي.. حين تختفي الوظائف قبل أن تبدأ المسيرة

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

بطالة الشباب في عصر الذكاء الاصطناعي.. حين تختفي الوظائف قبل أن تبدأ المسيرة
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19
13 أغسطس 2026

لم يعد السؤال المطروح أمام ملايين الشباب حول العالم هو: كيف يمكن العثور على وظيفة جيدة؟ بل أصبح أكثر قسوة: هل ستبقى الوظائف التي تؤهلهم لدخول سوق العمل موجودة أصلاً؟

تكشف أحدث بيانات منظمة العمل الدولية عن عودة بطالة الشباب إلى الارتفاع، في وقت تتزامن فيه الضغوط الاقتصادية وتباطؤ خلق الوظائف مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأتمتة داخل المؤسسات.

وارتفع معدل البطالة العالمي بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 12.4% خلال عام 2025، بما يعادل نحو 67 مليون شاب عاطل عن العمل.

وفي موازاة ذلك، يوجد نحو 260 مليون شاب خارج دائرة العمل والتعليم والتدريب، أي قرابة 20% من إجمالي الشباب حول العالم، بحسب أحدث تقديرات منظمة العمل الدوليةAttachment.png.

لكن الصورة العالمية تخفي تفاوتاً إقليمياً حاداً. فبينما تستطيع بعض الاقتصادات المتقدمة توفير التدريب وشبكات الحماية ومسارات الانتقال المهني، يدخل ملايين الشباب في الدول العربية وأفريقيا إلى سوق عمل يعاني أصلاً ضعف الاستثمار وندرة الوظائف النظامية واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

وفي هذه البيئة المضطربة، لا يظهر الذكاء الاصطناعي باعتباره السبب الوحيد للبطالة، لكنه يتحول إلى قوة تسرّع اختفاء بعض الوظائف وتعيد تشكيل شروط الحصول على وظائف أخرى، قبل أن تتمكن أنظمة التعليم والتدريب من مواكبة التحول.

الدول العربية في صدارة بطالة الشباب

تواصل الدول العربية تسجيل أعلى معدل لبطالة الشباب في العالم، بنحو 26.2%، تليها دول شمال أفريقيا بمعدل يبلغ 22.6%.

وتعني هذه الأرقام أن فرصة الشاب العربي في مواجهة البطالة تزيد على ضعف المتوسط العالمي، رغم أن المنطقة تضم واحدة من أعلى نسب السكان الشباب.

ولا تقتصر الأزمة على الباحثين المسجلين رسمياً عن وظائف. فهناك أعداد واسعة توقفت عن البحث بعد سنوات من المحاولات، أو لم تدخل سوق العمل من الأساس، أو انقطعت عن التعليم والتدريب من دون امتلاك مصدر دخل مستقر.

ويعاني شاب واحد على الأقل من كل ثلاثة شبان في المنطقة العربية من عدم العمل أو عدم الالتحاق بالتعليم أو التدريب، ما يخلق جيلاً معلقاً بين أنظمة تعليم لا تضمن له التوظيف وأسواق عمل لا توفر له فرصة البداية.

وتتعرض الشابات لضرر أكبر نتيجة القيود الاجتماعية وضعف خدمات النقل والرعاية وندرة الوظائف الملائمة، إلى جانب التمييز المباشر وغير المباشر في التوظيف.

وتكشف الأزمة عن مفارقة واضحة: فالمنطقة تستثمر سنوات طويلة في تعليم الشباب، ثم تعجز اقتصاداتها عن استيعابهم، ما يدفع كثيرين إلى الهجرة أو قبول وظائف أدنى من مؤهلاتهم أو الانسحاب الكامل من سوق العمل.

المشكلة ليست في البطالة وحدها

لا يكفي معدل البطالة لفهم عمق الأزمة، لأن هذا المؤشر لا يشمل جميع الشباب الموجودين خارج سوق العمل.

فالشخص الذي توقف عن البحث عن وظيفة بسبب اليأس قد لا يُصنف عاطلاً وفق التعريف الإحصائي التقليدي. وينطبق الأمر نفسه على من لا يعمل ولا يدرس ولا يتلقى تدريباً، لكنه لا يجري بحثاً نشطاً عن عمل.

ولهذا يُعد مؤشر الشباب غير المنخرطين في العمل أو التعليم أو التدريب أكثر قدرة على إظهار حجم الخسارة الاقتصادية والاجتماعية.

وجود نحو 260 مليون شاب في هذه الفئة يعني أن العالم لا يخسر ساعات عمل وإنتاجاً فقط، بل يخسر سنوات حاسمة من اكتساب الخبرة وبناء المهارات والاستقلال المالي.

وكلما طالت فترة بقاء الشاب خارج العمل والتعليم، أصبحت عودته أصعب، لأن أصحاب الأعمال يفضلون غالباً المتقدمين الذين يمتلكون خبرة حديثة أو مهارات محدثة.

وهكذا تتحول البطالة المؤقتة إلى استبعاد طويل الأمد، وتتراجع ثقة الشباب بأنفسهم وبالمؤسسات الاقتصادية والتعليمية والسياسية المحيطة بهم.

الذكاء الاصطناعي يضيّق بوابات الدخول

تاريخياً، بدأ ملايين الخريجين حياتهم المهنية من وظائف إدارية ومكتبية بسيطة، أو من مراكز خدمة العملاء والمبيعات وإدخال البيانات وإعداد التقارير الأولية.

لم تكن هذه الوظائف دائماً الأعلى أجراً أو المكانة، لكنها وفرت نقطة الدخول الأولى إلى المؤسسات، ومنحت الشباب فرصة تعلم قواعد العمل واكتساب الخبرة وبناء العلاقات المهنية.

اليوم، يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ جانب متزايد من المهام المرتبطة بهذه الوظائف، مثل تصنيف المستندات وتلخيصها، والرد على استفسارات العملاء، وإعداد الجداول والتقارير، وترجمة النصوص، وكتابة المراسلات، وتحليل البيانات الأولية.

ولا يعني ذلك بالضرورة اختفاء كل وظيفة مكتبية أو إدارية، لكنه يسمح للمؤسسة بإنجاز الحجم نفسه من العمل بعدد أقل من الموظفين المبتدئين.

وقد تختار شركة كانت توظف عشرة خريجين جدد الاكتفاء بثلاثة أو أربعة يجيدون استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مع إسناد بقية المهام إلى الأنظمة الآلية.

وهنا تظهر المعضلة: إذا اختفت وظائف البداية، فمن أين سيحصل الشاب على الخبرة التي تشترطها الشركات للتوظيف في المناصب الأعلى؟

الحلقة المفقودة بين الدراسة والخبرة

يطلب كثير من أصحاب الأعمال من الخريجين امتلاك خبرة عملية، لكن اكتساب هذه الخبرة كان يعتمد تقليدياً على الوظائف المبتدئة التي تتعرض الآن لأكبر قدر من التحول.

ويؤدي ذلك إلى نشوء حلقة مغلقة: لا يحصل الشاب على الوظيفة لأنه لا يمتلك الخبرة، ولا يستطيع اكتساب الخبرة لأن وظائف البداية تتقلص.

ويزداد الوضع تعقيداً مع استخدام الشركات أنظمة الذكاء الاصطناعي في فرز طلبات التوظيف، ما قد يؤدي إلى استبعاد متقدمين جيدين بسبب عدم توافق سيرهم الذاتية مع الكلمات أو المعايير المحددة آلياً.

كما أصبح المتقدم مطالباً بمنافسة أعداد أكبر من الأشخاص، بعدما جعلت منصات التوظيف الرقمية إرسال مئات الطلبات أمراً سهلاً، بينما تستخدم المؤسسات أدوات آلية لتقليص القوائم بسرعة.

وتبدو النتيجة مفارقة: الذكاء الاصطناعي سهّل التقدم إلى الوظائف، لكنه جعل الوصول إلى المقابلة الفعلية أكثر صعوبة بالنسبة إلى كثير من الشباب.

من الأكثر عرضة للتحول؟

تشير تقديرات منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 6.1% من الوظائف التي يشغلها الشباب تتركز في المهن الأكثر عرضة للتحولات العميقة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ولا يعني التعرض للتقنية أن هذه الوظائف ستختفي بالضرورة، لأن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تغيير مهام العامل وزيادة إنتاجيته بدلاً من استبداله بالكامل.

فالوظيفة تتكون من مجموعة مهام، وقد يستطيع النظام تنفيذ بعضها بينما تظل مهام أخرى بحاجة إلى الحكم البشري والتواصل والمسؤولية المهنية.

وتظهر بحوث المنظمة أن المهن المكتبية هي الأكثر تعرضاً للذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ تقع نسبة كبيرة من مهامها ضمن درجات التعرض المرتفعة.

أما الوظائف التي تعتمد على التفاعل الإنساني المعقد أو العمل الميداني أو المهارات اليدوية، فتبدو أقل قابلية للاستبدال الكامل، وإن كانت التقنية ستغير طريقة تنفيذها.

والخطر الحقيقي ليس في اختفاء جميع الوظائف دفعة واحدة، بل في أن تتم عملية التحول بوتيرة أسرع من قدرة الشباب على اكتساب المهارات الجديدة.

النساء أمام خطر مضاعف

تتعرض النساء بصورة أكبر لتداعيات الأتمتة، بسبب ارتفاع تمثيلهن في الوظائف المكتبية والإدارية التي يستطيع الذكاء الاصطناعي أداء جانب واسع من مهامها.

وفي الدول مرتفعة الدخل، تقع 9.6% من وظائف النساء ضمن أعلى درجات التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، مقارنة بـ3.5% من وظائف الرجال.

ولا يعني ذلك أن النساء أقل قدرة على التكيف، بل يعكس توزيعاً غير متوازن للوظائف بين الجنسين. فالرجال أكثر وجوداً في مجالات العمل اليدوي والبناء والنقل وبعض المهن التقنية الميدانية، بينما تتركز أعداد أكبر من النساء في الدعم الإداري ومعالجة المعلومات وخدمة العملاء.

وفي الدول العربية، قد يجتمع خطر الأتمتة مع ضعف مشاركة النساء في سوق العمل أصلاً، ما يجعل خسارة الوظائف المكتبية القليلة المتاحة لهن ضربة مزدوجة.

ومن دون سياسات تدريب وحماية اجتماعية تراعي الفوارق بين الجنسين، قد تؤدي الثورة التقنية إلى توسيع فجوة المشاركة الاقتصادية بدلاً من تقليصها.

تسعة من كل عشرة في وظائف غير رسمية

في الاقتصادات الفقيرة والنامية، لا يستطيع غالبية الشباب الانتظار طويلاً حتى يعثروا على وظيفة تناسب مؤهلاتهم، لأنهم يحتاجون إلى دخل لإعالة أنفسهم وأسرهم.

لذلك يتجه نحو تسعة من كل عشرة شبان عاملين في الدول منخفضة الدخل إلى وظائف غير رسمية تفتقر إلى العقود والتأمين الصحي والمعاشات والحماية من الفصل والتعويض عن إصابات العمل.

ويعمل هؤلاء في التجارة الصغيرة والنقل والتوصيل والخدمات اليومية والزراعة والورش والمنصات الرقمية، غالباً بأجور منخفضة وساعات طويلة.

وقد يدفع تراجع الوظائف الرسمية مزيداً من الخريجين إلى هذا الاقتصاد الهش، ما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين التعليم والعمل الفعلي.

فقد يجد خريج الجامعة نفسه في وظيفة لا تحتاج إلى مؤهله، ولا تمنحه فرصة لتطوير تخصصه، ولا توفر له دخلاً مستقراً أو مستقبلاً مهنياً واضحاً.

وفي هذه الحالة، لا يكون المجتمع قد حل مشكلة البطالة، بل نقلها إلى صورة أخرى هي العمالة الناقصة والهشة وغير المحمية.

الذكاء الاصطناعي ليس المتهم الوحيد

من الخطأ تحميل الذكاء الاصطناعي وحده مسؤولية أزمة بطالة الشباب، لأن جذور المشكلة أقدم وأعمق من الطفرة التقنية الحالية.

فأسواق العمل تعاني تباطؤ النمو وضعف الاستثمار المنتج، وعدم توافق التعليم مع احتياجات الاقتصاد، والحروب وعدم الاستقرار، والتمييز، واتساع الاقتصاد غير الرسمي.

وفي بعض الدول، يتخرج آلاف الشباب سنوياً في تخصصات لا يستطيع القطاعان العام والخاص استيعابها، بينما تعاني قطاعات أخرى نقص المهارات التقنية والمهنية.

كما أن بعض المؤسسات قد تستخدم الذكاء الاصطناعي ذريعة لخفض الوظائف والتكاليف، حتى عندما يكون الهدف الحقيقي إعادة الهيكلة أو تعظيم الأرباح.

وفي المقابل، تستطيع التقنية خلق وظائف وفرص جديدة في تطوير البرمجيات وتحليل البيانات والأمن السيبراني والتسويق الرقمي والصناعات الإبداعية والتعليم والرعاية الصحية.

لكن المشكلة تكمن في أن الوظائف الجديدة لا تظهر دائماً في الأماكن نفسها التي تختفي منها الوظائف القديمة، ولا تتطلب المهارات ذاتها، ولا تصبح متاحة تلقائياً لمن فقدوا أعمالهم.

التعليم وحده لا يكفي

يُطرح تحديث التعليم غالباً بوصفه الحل الأساسي، لكنه لن يكون كافياً إذا لم تقترن المهارات الجديدة بوجود وظائف حقيقية.

فلا يمكن مطالبة كل شاب بأن يصبح مبرمجاً أو متخصصاً في الذكاء الاصطناعي، كما أن سوق العمل لن يحتاج إلى ملايين المهندسين في المجال نفسه.

المطلوب هو بناء مجموعة متوازنة من المهارات، تجمع بين المعرفة الرقمية والقدرة على التفكير النقدي وحل المشكلات والتواصل والعمل الجماعي والإبداع.

وتظل المهارات الإنسانية أكثر أهمية كلما أصبحت الأدوات الآلية أقدر على إنتاج النصوص والصور والتحليلات الأولية.

لكن تطوير المهارات يجب ألا يتحول إلى وسيلة لإلقاء المسؤولية كاملة على الشاب، وكأن البطالة ناتجة دائماً عن نقص كفاءته، لا عن نقص الوظائف والسياسات الاقتصادية العاجزة عن خلقها.

ما المطلوب؟

تحتاج مواجهة الأزمة إلى سياسات تتجاوز الدورات التدريبية القصيرة والشعارات المتعلقة بريادة الأعمال.

أولاً، ينبغي تحديث المناهج بالتعاون مع أصحاب الأعمال والنقابات ومؤسسات التدريب، مع ربط الدراسة بتجارب عملية وتدريب مدفوع الأجر.

ثانياً، يجب حماية وظائف البداية وإعادة تصميمها، بحيث يستخدم الموظف الشاب الذكاء الاصطناعي تحت إشراف بشري ويتعلم من خلاله، بدلاً من إلغاء الوظيفة بالكامل.

ثالثاً، تحتاج الحكومات إلى دعم القطاعات القادرة على خلق أعداد كبيرة من الوظائف، مثل الرعاية الصحية والتعليم والطاقة المتجددة والزراعة الحديثة والصناعات المحلية والبنية التحتية.

رابعاً، يجب توفير شبكات حماية اجتماعية وتأمين ضد البطالة وبرامج انتقال مهني للعاملين الذين تتغير وظائفهم أو تختفي.

خامساً، يتطلب تقليص الاقتصاد غير الرسمي تبسيط تسجيل المشروعات، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين التمويل، وضمان الحد الأدنى من الحقوق للعاملين عبر المنصات الرقمية.

وأخيراً، لا بد من إشراك الشباب والعمال في القرارات المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، بدلاً من ترك التحول التقني خاضعاً لحسابات خفض التكاليف وحدها.

معركة على فرصة البداية

لا تكمن أخطر تداعيات الذكاء الاصطناعي في احتمال أن يحل محل جميع البشر، بل في قدرته على إزالة الدرجات الأولى من السلم الوظيفي، بينما يبقى الوصول إلى الدرجات الأعلى مشروطاً بخبرة لم يعد من السهل اكتسابها.

وإذا لم تُعد الحكومات والمؤسسات تصميم الانتقال من التعليم إلى العمل، فقد يجد العالم نفسه أمام جيل يحمل الشهادات والمهارات الرقمية، لكنه لا يمتلك فرصة الدخول الأولى.

فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع الإنتاجية ويخلق مجالات اقتصادية جديدة، لكنه لن يضمن تلقائياً توزيع فوائد هذه الزيادة أو توفير العمل اللائق.

المسألة في جوهرها ليست صراعاً بين الإنسان والآلة، بل اختبار للسياسات التي ستحدد من يستفيد من التقنية ومن يتحمل تكلفة التحول.

وبالنسبة إلى 67 مليون شاب عاطل ومئات الملايين الموجودين خارج العمل والتعليم والتدريب، فإن هذا الاختبار ليس نقاشاً نظرياً حول المستقبل، بل معركة يومية على فرصة البداية.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً