الإثنين، 31 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من يسرق قوت الجائعين؟.. رحلة المساعدات الإنسانية من المخازن إلى المستفيد

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من يسرق قوت الجائعين؟.. رحلة المساعدات الإنسانية من المخازن إلى المستفيد
💬 تعليق 0

تقرير استقصائي – 1

محررو لقطة AI – 13
لقطة AI
٣١ أغسطس 2026

في بلد يواجه واحدة من أخطر أزمات الجوع في العالم، لا يبدو السؤال الأكثر إلحاحًا هو فقط: كم طنًا من الغذاء دخل السودان؟ بل: كم وصل فعلًا إلى من يحتاجه؟

بين مخازن الإغاثة وشاحنات النقل ونقاط العبور ومراكز التوزيع، تمر المساعدات الإنسانية بسلسلة طويلة ومعقدة. وفي كل حلقة منها تظهر مخاطر مختلفة: الحرب، إغلاق الطرق، القيود الإدارية، نقص التمويل، ضعف الرقابة، أو احتمالات التلاعب والاختلاس وتحويل الموارد بعيدًا عن وجهتها الأصلية.

لكن التحقيق في هذه القضية يتطلب منذ البداية التمييز بين ما هو موثق وما يزال في دائرة الشبهات. فليس كل نقص في حصة المستفيد دليلًا على السرقة، وليس كل شحنة لم تصل قد اختفت في السوق. أحيانًا تكون المشكلة أن الغذاء لم يغادر المخزن أصلًا، وأحيانًا تمنع المعارك وصوله، وأحيانًا تُخفض الحصص بسبب نقص التمويل. وفي حالات أخرى تظهر مؤشرات تستوجب التحقيق في مصير الأموال والمواد نفسها.

الجوع يتسع.. والمساعدات لا تكفي

بحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، واجه نحو 19.5 مليون سوداني مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة من فبراير إلى مايو 2026، بينهم نحو 135 ألف شخص في مرحلة «الكارثة»، فيما حدد التحليل 14 منطقة في دارفور وكردفان تواجه خطر المجاعة إذا تحققت أسوأ السيناريوهات المرتبطة بتصاعد القتال وتقييد وصول الغذاء والمساعدات.

هذه الأرقام تضع عملية إيصال الغذاء تحت ضغط هائل. ففي بعض المناطق لا تستطيع المنظمات الإنسانية الوصول إلى جميع المحتاجين أصلًا، بينما تعرقل الحرب وانعدام الأمن والقيود على الحركة عمليات نقل الإمدادات وتوزيعها.

وهنا تبدأ الرحلة.

المحطة الأولى: المخزن

قبل أن يصل كيس الذرة أو عبوة الزيت إلى الأسرة، تكون المساعدة قد مرت بمراحل الشراء والشحن والتخزين والتسجيل. والمخزن هو أول نقطة تحتاج إلى نظام رقابي يستطيع الإجابة عن ثلاثة أسئلة بسيطة:

ماذا دخل؟ ماذا خرج؟ وإلى أين ذهب؟

لكن تقريرًا صدر في يونيو 2026 عن مكتب المفتش العام للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية كشف عن ثغرات مهمة في مراقبة المساعدات الإنسانية الأمريكية المقدمة للسودان.

ووجد التقرير أن الوكالة لم تنفذ بصورة مستمرة جميع أنشطة الرقابة المخطط لها؛ فمن أصل 21 زيارة ميدانية كان مقررًا تنفيذها بين يناير ويونيو 2025 لمراقبة برامج مساعدات بقيمة تقارب 1.04 مليار دولار، نُفذت 11 زيارة فقط، بينما أُلغيت أربع وظلت ست زيارات معلقة حتى نهاية الفترة.

وكشف التقرير كذلك عن وجود أكثر من 45 حالة خلل أو مخالفة برنامجية مفتوحة وغير محسومة في برامج السودان حتى يونيو 2025، ولم يُنقل سجلها إلى وزارة الخارجية الأمريكية عند انتقال مسؤولية إدارة البرامج إليها.

وتلقى مكتب المفتش العام أيضًا شكاوى تتعلق بالاحتيال والهدر وإساءة الاستخدام، بما في ذلك ادعاءات بسرقة مساعدات وتحويلها عن وجهتها.

هذه النتائج لا تثبت أن تلك الادعاءات صحيحة، ولا أن المساعدات المعنية سُرقت بالفعل، لكنها تكشف فجوات رقابية حقيقية وتطرح سؤالًا استقصائيًا أساسيًا:

إذا كانت بعض حلقات الرقابة نفسها غير مكتملة، فكيف يمكن التأكد من المسار الكامل للشحنة؟

المحطة الثانية: الطريق

بعد المخزن تبدأ واحدة من أخطر مراحل الرحلة.

السودان اليوم ليس فضاءً تتحرك فيه شاحنات الإغاثة بحرية. بعض طرق الإمداد تمر بالقرب من مناطق قتال، وبعضها يتأثر بتحولات عسكرية متسارعة، بينما تعرضت الأسواق والمخازن وشبكات النقل والبنية الإنتاجية للضرر في مناطق واسعة.

وفي الأبيض، التي أصبحت واحدة من أبرز بؤر النزوح والجوع في كردفان، حذر برنامج الأغذية العالمي في 17 يوليو من تدهور الوضع الإنساني مع تزايد أعداد النازحين، في وقت أصبحت فيه إمدادات الغذاء والوقود والمياه شحيحة.

وهذا يعني أن عدم وصول الشحنة لا يحدث بالضرورة بسبب السرقة المباشرة؛ فقد تتغير طرق النقل، أو يتأخر التوزيع، أو تتوقف عملية التسليم بسبب القتال أو صعوبة الوصول.

عندما يصل الغذاء.. كم يصل إلى الأسرة؟

وهذه ربما تكون أهم حلقة في التحقيق.

تُظهر بيانات الأمن الغذائي أن وصول المساعدات لا يعني بالضرورة حصول كل أسرة على كامل احتياجاتها.

ففي مايو 2026، وصلت المساعدات الغذائية والنقدية إلى نحو 3.2 مليون شخص، وهو عدد يقل عن 20 في المئة من السكان الذين قدّرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة أنهم بحاجة إلى المساعدة.

وكانت التغطية متفاوتة بصورة كبيرة بين المناطق. ففي أجزاء من دارفور حصل معظم المستفيدين من المساعدات العينية على حصص تغطي نحو 50 في المئة من الاحتياجات اليومية المقدرة من السعرات الحرارية، وارتفعت إلى نحو 70 في المئة في بعض المناطق المعرضة لخطر المجاعة.

وهنا قد يرى المواطن حصة أصغر من احتياجات أسرته ويعتقد أن جزءًا منها اختفى، بينما تكون الحصة المقررة أصلًا أقل من الاحتياج الكامل.

لكن هذه الحقيقة لا تلغي الحاجة إلى الرقابة.

فكلما زادت المسافة بين المانح والمستفيد، وكلما تعددت الجهات التي تمر عبرها المساعدة، أصبحت معرفة الكمية التي وصلت بالفعل أكثر أهمية.

ثلاث فجوات يمكن أن يضيع داخلها الغذاء

يكشف تتبع مسار المساعدات عن ثلاثة أبواب رئيسية للخسارة.

الأول هو منع الوصول: عندما تحتجز الحرب الغذاء خارج المنطقة المحتاجة.

والثاني هو نقص الموارد: عندما لا تتوافر الأموال الكافية لشراء ونقل وتوزيع حصص تلبي الاحتياجات.

أما الثالث فهو الأخطر: فجوة الرقابة والمساءلة، حيث يصبح من الصعب التأكد من تطابق الكمية التي خرجت من المخزن مع الكمية التي وصلت إلى المستفيد النهائي.

وهذه النقطة الأخيرة تحديدًا ينبغي ألا تُترك للشائعات.

الأسواق.. الحلقة التي تحتاج إلى التتبع

من المؤشرات التي عادة ما تثير الأسئلة في الأزمات الإنسانية ظهور مواد تحمل علامات المنظمات الإغاثية في الأسواق التجارية.

لكن مجرد العثور على مادة إغاثية داخل متجر لا يحدد بالضرورة من قام ببيعها أو كيف وصلت إليه. فقد يبيع مستفيد جزءًا من حصته للحصول على دواء أو سلعة أخرى يحتاجها، وقد يحدث تحويل غير مشروع للمساعدة قبل أن تصل إليه.

لذلك فإن إثبات السرقة يحتاج إلى أكثر من صورة لكيس غذاء داخل متجر.

يحتاج إلى مقارنة رقم الشحنة، وسجل المخزون، وكشوف المستفيدين، وكميات التوزيع، وتاريخ وصول المواد إلى المنطقة.

هنا يتحول الاتهام إلى تحقيق.

ومن يراقب المراقبين؟

أزمة السودان الإنسانية لا تقتصر على نقص الغذاء، وإنما تمتد إلى القدرة على مراقبة عملية توزيعه في بيئة حرب شديدة التعقيد.

والمراجعة الأمريكية الأخيرة تقدم مثالًا واضحًا على ذلك: عندما لا تُنفذ جميع الزيارات الرقابية المخططة، وعندما تبقى عشرات الحالات غير المحسومة دون انتقال كامل لمعلوماتها بين الجهات المسؤولة عن الإشراف، فإن القدرة على اكتشاف الهدر أو الاحتيال أو تحويل المساعدات تصبح أضعف.

وهذا يجعل الشفافية مسألة حياة، لا مجرد إجراء إداري.

على المنظمات الإنسانية والجهات المحلية إتاحة معلومات أوضح، كلما سمحت اعتبارات الأمن وحماية المستفيدين، عن الكميات التي تدخل المناطق المختلفة، وعدد المستفيدين، والحصة المقررة، ومواقع التوزيع، وأسباب أي نقص أو تأخير.

فكل فجوة معلومات تفتح الباب أمام الشائعة، وكل شحنة لا يمكن تتبع مسارها تفتح الباب أمام السؤال.

إذن.. من يسرق قوت الجائعين؟

الإجابة التي تكشفها الأدلة المتاحة حتى الآن أكثر تعقيدًا من اسم شخص أو جهة واحدة.

الحرب تقطع الطريق إلى الغذاء.

نقص التمويل يقلص الحصة.

ضعف الرقابة يفتح الباب أمام الهدر والاحتيال والتحويل.

والقيود الأمنية والإدارية قد تمنع الغذاء من الوصول أصلًا.

أما إثبات أن جهة بعينها استولت على شحنة محددة، فإنه يحتاج إلى دليل، لا اتهام.

وهنا بالضبط تبدأ مهمة هذا التحقيق الاستقصائي.

ليس السؤال: من نتهم؟

بل:

أين كانت الشحنة؟
من استلمها؟
كم كانت كميتها؟
كم خرج منها؟
وكم وصل إلى المستفيد؟
ومن وقّع على استلامها في النهاية؟

إذا أمكن الإجابة عن هذه الأسئلة بالأرقام والسجلات، يمكن معرفة النقطة التي ينقطع عندها الطريق بين المخزن والجائع.

أما إذا ظلت الإجابات حبيسة الملفات المغلقة، فسوف يبقى السؤال الذي يطرحه ملايين السودانيين مفتوحًا:

من يسرق قوت الجائعين؟

يتبع في الجزء الثاني من التحقيق: من يملك مفاتيح المخازن؟ وكيف يمكن تتبع الشحنة من سجل الاستلام إلى نقطة التوزيع؟

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً