محررو لقطة AI – 13
لقطة AI
٢سبتمبر 2026
في الجزء الأول من هذا التحقيق، بدأنا من سؤال بدا بسيطًا:
ما الذي يفصل بين مخازن ممتلئة بالغذاء، وأناس ينتظرون وجبة قد تبقيهم أحياء؟
وفي الجزء الثاني، دخلنا خطوة أعمق إلى داخل السلسلة نفسها:
من يستلم الشحنة عندما تصل إلى السودان؟
من يفتح لها أبواب المخازن؟
من يحدد إلى أين تذهب؟
من يحملها على الشاحنات؟
ومن يوقّع في النهاية على أن الغذاء وصل؟
لكن الرحلة لم تنته هناك.
لأننا، كلما اقتربنا من يد الجائع، اقتربنا أيضًا من المنطقة التي يصبح فيها السؤال أكثر حساسية.
وأكثر خطورة.
وأقل راحة.
فماذا يحدث إذا خرج الغذاء من المخزن، وتحركت به الشاحنة، واستلمته جهة يفترض أنها ستوصله إلى المحتاجين، ثم ظهر بعد ذلك في مكان آخر؟
في السوق.
كيس دقيق يحمل علامة إغاثية.
أرز.
سكر.
حبوب.
مواد صنعت أو اشتريت أو شُحنت من أجل أناس لا يملكون ثمن وجبتهم التالية، لكنها تقف الآن على رف متجر، ولها سعر.
عندها لا يعود السؤال:
هل وصلت المساعدات إلى السودان؟
ولا:
من تسلمها؟
بل يقترب التحقيق من السؤال الذي حمل عنوان هذه السلسلة منذ بدايتها:
من يسرق قوت الجائعين؟
الحرب لا تقتل بالرصاص وحده
قبل أن ندخل السوق، يجب أن نتذكر شيئًا أساسيًا.
الحرب لا تقتل الإنسان بالرصاص وحده.
لها ذخائر أخرى قد تصل إلى الضحية قبل الرصاصة:
التهجير.
التشريد.
النهب.
الجوع.
وسرقة المساعدات الإنسانية.
قد ينجو رجل من القصف ثم يموت لأن الدواء لم يصل.
وقد تهرب أم بأطفالها من قرية مشتعلة، ثم تقف في مخيم تنتظر كيس حبوب لا يأتي.
وقد تقطع شحنة غذاء آلاف الكيلومترات، وتعبر البحر والميناء والمخزن والطرق والحواجز، ثم تختفي على بعد المرحلة الأخيرة من الإنسان الذي أُرسلت لإنقاذه.
وهنا تصبح الجريمة، إن وقعت، أكثر قسوة.
لأن الطعام كان موجودًا.
والجائع كان موجودًا.
لكن شخصًا ما، أو حلقة ما، وقفت بين الاثنين.
عندما يصبح كيس الإغاثة سلعة
ظهور مواد مخصصة للإغاثة في الأسواق السودانية ليس مجرد حكاية يتداولها الناس.
في تحقيق سابق نشرته شبكة «عاين» من بورتسودان، تحدث سكان ومتطوعون عن ظهور مواد غذائية، من بينها الأرز والسكر ودقيق القمح، في متاجر، بعضها في عبوات تحمل علامات مرتبطة بالمساعدات الإنسانية.
وتضمنت الشهادات اتهامات بتحويل بعض المساعدات عن المستفيدين المفترضين واستخدامها في مسارات أخرى.
هذه شهادات واتهامات وليست أحكامًا قضائية.
لكنها لا تفقد أهميتها بسبب ذلك.
لأن التحقيق الاستقصائي يبدأ أحيانًا من المشهد الذي لا تبدو له إجابة منطقية:
كيف وصل كيس أُرسل مجانًا إلى جائع، إلى متجر يبيعه بالمال؟
(المصدر: Ayin Network)
لكن علينا هنا أن نكون منصفين.
ليس كل كيس إغاثة في السوق مسروقًا.
وهذه النقطة مهمة حتى لا يتحول التحقيق نفسه إلى ظلم آخر.
لا تجعلوا الجائع هو المتهم
في دارفور، أظهرت دراسة استندت إلى مسح أُجري عام 2007 أن نحو 17 في المئة من الأسر التي شملها المسح قالت إنها باعت أو بادلت بعض مواد المساعدات الغذائية.
لماذا؟
لأن الإنسان لا يعيش بالدقيق وحده.
المرأة التي تتلقى حبوبًا قد يكون طفلها مصابًا بالحمى.
والرجل الذي يحصل على حصة غذائية قد يحتاج إلى دفع تكلفة طحنها.
والأسرة التي تعيش في مخيم قد تحتاج إلى صابون أو ماء أو وقود أو ملابس أو أجرة وسيلة تقلها إلى المستشفى.
فتبيع جزءًا مما تسلمته.
ليس لأنها شبعت.
بل لأنها محتاجة إلى أشياء أخرى كي تبقى حية.
(المصدر: World Bank)
وهذا التفريق مهم جدًا.
فالأسرة التي استلمت حصتها ثم باعت جزءًا منها لم تسرق غذاء الجائعين.
الغذاء وصل إلى صاحبه.
وصاحبه تصرف فيه تحت ضغط الحاجة.
أما التحقيق الذي نبحث عنه هنا فيبدأ في مكان آخر:
الغذاء الذي لم يصل إلى صاحبه أصلًا.
من أخذه قبل أن يصل؟
هنا تضيق الدائرة
من هذه النقطة تحديدًا، لا يمكن إبقاء المسؤولية معلقة في الهواء.
إذا دخلت الشحنة المخزن، ثم خرجت منه رسميًا، ثم تسلمها ناقل أو شريك منفذ أو جهة توزيع، فإن الغذاء أصبح في حيازة أشخاص وجهات محددة.
هناك من استلم.
وهناك من وقّع.
وهناك من حمل.
وهناك من فتح المخزن.
وهناك من أغلقه.
وهناك من حدد أسماء المستفيدين.
وهناك من كان يعرف عدد الأكياس الخارجة وعدد الأكياس المفترض تسليمها.
فإذا لم يصل الغذاء إلى الناس، ثم ظهر جزء منه في السوق، فإن السؤال لا ينبغي أن يضيع في عبارة عامة مثل «ظروف الحرب».
الحرب عامل حاسم.
لكن الحرب لا تحمل الكيس من المخزن إلى المتجر بيديها.
هناك بشر يفعلون ذلك.
خمسة ناقلين.. وشحنة كانت متجهة إلى زمزم
من بين الوثائق التي راجعها التحقيق، تبرز واقعة يصعب المرور عليها سريعًا.
يسجل تقرير برنامج الأغذية العالمي عن خسائر عام 2025 شحنة من دقيق القمح تبلغ نحو 1,668 طنًا متريًا، كانت مخصصة لمخيم زمزم.
خمسة ناقلين كانوا مسؤولين عن إيصالها.
لكن، بحسب التقرير، لم تُسلّم الشحنة وفقًا لما نصت عليه العقود.
وظل الناقلون، لنحو ثلاثة أشهر، يبلغون بأن الشحنات ما تزال في الطريق.
ثلاثة أشهر.
في بلد لا يستطيع فيه طفل جائع أن ينتظر يومًا إضافيًا.
ثم جاءت عملية التحقق.
وتبين، بحسب التقرير، أن أجزاء من الشحنة أُفرغت وخُزنت في الدبة من دون إخطار برنامج الأغذية العالمي.
استُعيدت المواد لاحقًا، لكن دقيق القمح كان قد تعرض لإصابة شديدة وتدهورت جودته، إلى درجة اعتبرته السلطات غير صالح للاستهلاك البشري.
وحُمّل الناقلون، بحسب التقرير نفسه، المسؤولية عن الخسارة واتخذت بحقهم إجراءات مرتبطة بالتحقيق واسترداد القيمة.
(المصدر: WFP Executive Board)
هذه الواقعة مهمة لسبب يتجاوز كمية الدقيق.
إنها تفتح نافذة نرى عبرها كيف يمكن أن تتحول رحلة المساعدة نفسها إلى منطقة رمادية.
شحنة لها وجهة.
لها ناقلون.
لها عقود.
لها أشخاص يعرفون أين يفترض أن تكون.
ثم توجد في مكان آخر.
ولا نقول إن الناقلين كانوا ينوون سرقتها؛ الوثيقة التي بين أيدينا لا تمنحنا هذا الحق.
لكنها تثبت شيئًا بالغ الأهمية:
الغذاء يمكن أن يخرج عن مساره وهو ما يزال في أيدي الحلقة المسؤولة عن نقله إلى الجائعين.
وهذه ليست نظرية.
إنها واقعة موثقة.
آلاف الأطنان ضاعت.. لكن ليس كلها سُرقت
يسجل التقرير الرسمي لبرنامج الأغذية العالمي في السودان خلال 2025 نحو 3,941 طنًا متريًا من الخسائر التي تجاوزت حدود الإبلاغ المعتمدة.
لكن الدقة واجبة.
ليست كل هذه الكمية مسروقة.
بعض الخسائر نتج عن تلف وجودة وانتهاء صلاحية وحوادث في النقل والتخزين.
لكن التقرير يسجل أيضًا 763.9 طنًا من الذرة الرفيعة ضمن خسائر مرتبطة بالسرقة وحوادث النقل.
ثم يظهر رقم آخر يستحق السؤال:
713.8 طنًا.
وهو فارق ظهر خلال جرد فعلي لمستودع الشعبية في كسلا في يوليو 2025.
كما يوثق التقرير واقعة سرقة في المستودع نفسه أُبلغت بها السلطات المحلية ومكتب التفتيش والتحقيقات في البرنامج.
(المصدر: WFP Executive Board)
سبعمئة وثلاثة عشر طنًا ليست حفنة حبوب سقطت من شاحنة.
وليست كيسًا باعته امرأة لتشتري دواء لطفلها.
إنها كمية كبيرة بما يكفي لكي تفرض سؤالًا صعبًا:
من كان مسؤولًا عن الغذاء عندما ظهر هذا الفارق؟
الحرب.. الغطاء المثالي
وهنا نصل إلى العامل الذي يجعل السودان مختلفًا عن بيئة توزيع طبيعية.
الحرب.
فالحرب لم تصنع فقط ملايين الجائعين الذين يحتاجون إلى الإغاثة.
لقد صنعت أيضًا البيئة التي يصبح فيها الاستيلاء على الإغاثة أسهل، وتتبع المسؤول أصعب.
طرق غير آمنة.
حواجز مسلحة.
مناطق تتغير السيطرة عليها.
مخازن يصعب الوصول إليها.
شاحنات تتحرك عبر أراضٍ تسيطر عليها جهات مختلفة.
مراقبون لا يستطيعون الوصول إلى بعض نقاط التوزيع.
سلطات رسمية ومحلية وموازية.
شركاء يعملون أحيانًا في مناطق لا تستطيع المنظمة الدولية دخولها بنفسها.
ومجتمعات محاصرة قد لا تملك حتى وسيلة اتصال لتقول:
لم نستلم شيئًا.
في الظروف العادية، يستطيع المراقب أن يصل إلى القرية ويسأل الأسر.
كم كيسًا استلمتم؟
متى؟
ممن؟
وفي السودان الذي مزقته الحرب، قد تكون المسافة بين مكتب المنظمة والمستفيد مئات الكيلومترات من الخوف والحواجز والسلاح.
وهذه الفجوة هي الجنة التي يبحث عنها كل من يريد أن يسرق من دون أن يُرى.
الحرب هنا ليست السارق.
لكنها تطفئ الضوء الذي كان يمكن أن يكشفه.
عندما تختفي عيون الرقابة
في أكتوبر 2025، نشرت جهة التدقيق الداخلي في برنامج الأغذية العالمي مراجعة لعمليات البرنامج في السودان.
شملت المراجعة إدارة المخاطر والرقابة، واختيار المستفيدين وإدارة هوياتهم، والشركاء المنفذين، واللوجستيات وسلسلة الإمداد، والمراقبة، وآليات تلقي ملاحظات المجتمعات.
وكان تقييمها العام:
«تحتاج إلى تحسين كبير».
(المصدر: World Food Programme)
هذه العبارة لا تعني أن برنامج الأغذية العالمي يسرق الغذاء.
ولا تعني أن جميع شركائه يفعلون ذلك.
لكنها تعني أن البيئة التي تتحرك خلالها كميات هائلة من الغذاء كانت تعاني نقاط ضعف رقابية وتشغيلية.
وفي التحقيق في الفساد أو السرقة، نقطة الضعف ليست تفصيلًا إداريًا.
إنها فرصة.
لأن السؤال ليس فقط:
من يريد السرقة؟
بل:
من يستطيع أن يسرق ولا يُكتشف سريعًا؟
السارق المحتمل لا يقف خارج السلسلة
وهنا يستطيع التحقيق أن يكون أكثر جرأة.
ليس بتسمية شخص بلا دليل.
بل باستبعاد المستحيل.
فإذا جرى تحويل كميات كبيرة ومنظمة من المساعدات قبل تسليمها للمستفيدين، فإن من يفعل ذلك لا يمكن أن يكون شخصًا عابرًا لا علاقة له بالشحنة.
إنه يحتاج إلى شيء من أربعة:
الوصول.
أو السلطة.
أو المعلومة.
أو السلاح.
يحتاج إلى الوصول إلى المخزن.
أو القدرة على التحكم في الشاحنة.
أو معرفة توقيت الحركة والطريق والوجهة.
أو السيطرة على نقطة توزيع.
أو القدرة على تغيير كشوف أو أرقام.
أو نفوذ يسمح له بتمرير الغذاء إلى طريق آخر.
أو قوة مسلحة تستطيع أن تأخذه بالقوة.
وهكذا تضيق الدائرة.
لسنا أمام «لص مجهول» هبط من السماء.
نحن، في حالات التحويل المنظم، أمام طرف يوجد داخل مجال السيطرة على الغذاء أو حوله مباشرة.
قد يكون في النقل.
قد يكون في التخزين.
قد يكون في التوزيع.
قد يكون صاحب نفوذ محلي.
وقد يكون رجلًا يحمل السلاح ويقرر أن الشاحنة لن تعبر إلا بشروطه.
ولا نستطيع أن نقول أكثر مما تسمح به الأدلة.
لكننا نستطيع أن نقول أقل مما نعرف أيضًا، وسيكون ذلك هروبًا من وظيفة التحقيق.
من يملك الطريق يملك جزءًا من القصة
هناك جانب آخر لا يمكن تجاهله في حرب السودان.
المساعدة لا تتحرك في فراغ.
تمر عبر أرض.
والأرض في الحرب لها مسيطر.
كل حاجز على الطريق يستطيع أن يؤخر الشاحنة.
وكل قوة تسيطر على منطقة تستطيع أن تسهل مرورها أو تعرقله.
وكل مخزن داخل منطقة حرب يعمل داخل ميزان قوة سياسي وعسكري واجتماعي.
ولهذا لا يمكن التحقيق في سرقة المساعدات بمعزل عن خريطة السيطرة.
فالفاعل ليس بالضرورة موظفًا خلف مكتب.
وقد لا يكون عاملًا في منظمة إنسانية أصلًا.
يمكن أن تكون السيطرة المسلحة على الطريق نفسها إحدى حلقات الاستيلاء.
وهنا يجب التفريق مرة أخرى.
فالنهب المسلح لشاحنة واضح.
لكن الأخطر هو ما يحدث عندما يتحول النفوذ إلى نظام غير مرئي:
من يأخذ جزءًا؟
من يفرض أن يحصل أشخاص بعينهم على الحصص؟
من يملك القدرة على التدخل في قوائم المستفيدين؟
من يستطيع أن يقرر أن قرية تحصل، وأخرى تنتظر؟
ومن يستطيع أن يجعل السؤال عن شحنة مفقودة سؤالًا خطيرًا في حد ذاته؟
هذه هي المناطق التي يجب أن يصل إليها التحقيق.
السوق ليس نهاية الطريق.. بل مسرح الجريمة المحتمل
يمكن التعامل مع ظهور مواد الإغاثة في الأسواق بطريقة مختلفة.
ليس بالصراخ:
«هذه مساعدات مسروقة».
بل بالتوثيق.
خذ الكيس.
صوّر العلامة.
سجل بلد المنشأ.
اسم الجهة المانحة.
رقم التشغيلة إن وجد.
تاريخ الإنتاج.
اسم السلعة.
السوق.
اسم المتجر.
ثم ابحث عن الشحنة التي دخلت المنطقة بهذه المواصفات.
بعدها ابدأ السير إلى الخلف.
السوق ← المورد ← الناقل ← نقطة التوزيع ← الشريك ← المخزن.
في اللحظة التي تنقطع فيها الأوراق، أو تتناقض فيها الروايات، أو تظهر فيها كمية لا تستطيع جهة ما تفسير مصيرها، يصبح التحقيق أقرب إلى من فعلها.
وهكذا يمكن لكيس واحد أن يتكلم.
وهناك سرقة أبشع من سرقة الكيس
لكن الحرب تقدم نوعًا آخر من القتل.
في يونيو 2025، تعرضت قافلة لبرنامج الأغذية العالمي كانت متجهة نحو الفاشر لهجوم بطائرة مسيرة.
يسجل تقرير الخسائر الرسمي فقدان 126 طنًا من الذرة الرفيعة نتيجة الهجوم.
هذه ليست مساعدات حولها موظف إلى متجر.
إنها مساعدات منعها السلاح من الوصول.
وفي يونيو 2026، قال برنامج الأغذية العالمي إن القتال منعه من إيصال مساعدات منقذة للحياة إلى نحو 200 ألف شخص في السودان خلال ذلك الشهر.
(المصدر: World Food Programme)
وفي يوليو 2026، أفادت رويترز بأن نقص التمويل دفع البرنامج إلى خفض عدد المستهدفين بالمساعدات الغذائية من خمسة ملايين إلى نحو 3.5 ملايين شخص، إلى جانب خفض الحصص في مناطق مختلفة.
(المصدر: Reuters)
وهذا يعني أن الأسرة التي لم تحصل على الغذاء ليست بالضرورة ضحية لص.
قد تكون ضحية هجوم.
أو حصار.
أو إغلاق طريق.
أو نقص تمويل.
لكن وجود هذه الأسباب الحقيقية لا يجوز أن يصبح ستارًا تختبئ خلفه حالات السرقة والتحويل.
فالحرب تفسر الكثير.
لكنها لا تبرر كل شيء.
السؤال الذي لا ينبغي أن يُسمح له بالضياع
هناك ملايين السودانيين لا يملكون ترف قراءة تقارير الجرد أو التدقيق.
الأم في المخيم لا تعرف معنى «فارق مخزون».
والطفل الذي ينتظر وجبته لا يعرف الفرق بين شريك منفذ وناقل ومتعاقد.
بالنسبة إليهما، القضية أبسط وأقسى:
قيل إن الطعام قادم.
ثم لم يأتِ.
وإذا كان الطعام قد وصل إلى السودان، ودخل المخزن، وخرج منه باتجاههم، ثم لم يصل إليهم، فمن حقهم أن يسألوا:
من أخذه؟
هذا السؤال لا ينبغي إغراقه بالمصطلحات.
ولا ينبغي دفنه تحت عبارة «الظروف الأمنية».
ولا ينبغي أن يصبح الجائع نفسه متهمًا لأنه باع كيسًا وصل إليه.
الحلقة التي يبحث عنها هذا التحقيق هي الطعام الذي لم يصل.
إذن.. من يسرق قوت الجائعين؟
بعد ثلاثة أجزاء، نستطيع الاقتراب أكثر من الإجابة.
ليس لدينا حتى الآن دليل يسمح بوضع اسم شخص بعينه أمام كلمة «سارق».
لكننا لم نعد في بداية الطريق.
الأدلة تضيق المسافة.
نعرف الآن أن هناك سرقات موثقة.
ونعرف أن هناك فوارق كبيرة ظهرت في بعض المخازن.
ونعرف أن شحنات لم تُسلّم وفق مسارها المفترض.
ونعرف أن مواد إغاثية ظهرت في الأسواق.
ونعرف أن أنظمة الرقابة نفسها واجهت نقاط ضعف كبيرة.
ونعرف، فوق كل ذلك، أن الحرب صنعت بيئة تمنح من يملك السلطة والوصول والسلاح مساحة واسعة للعمل بعيدًا عن العين.
إذن المتهم الذي نبحث عنه ليس شبحًا.
إنه موجود في المساحة التي تستطيع فيها اليد الوصول إلى الغذاء قبل يد الجائع.
قد تحمل مفتاح مخزن.
قد توقع ورقة استلام.
قد تقود شاحنة.
قد تتحكم في قائمة.
قد تقف خلف حاجز.
وقد تحمل بندقية.
هذه ليست إدانة لأحد بعينه.
لكنها خريطة للمكان الذي يوجد فيه الفاعل.
ومع كل وثيقة جديدة، تضيق الخريطة.
الحرب لها ذخائر كثيرة
في النهاية، ربما تكون أكثر صور الحرب وحشية هي تلك التي لا نسمع صوتها.
لا انفجار عندما يُحوّل كيس غذاء عن وجهته.
لا دخان يتصاعد عندما تختفي حصة أسرة.
ولا رصاصة يسمعها أحد عندما يموت طفل لأن الوجبة التي كان ينتظرها لم تصل.
لكن النتيجة قد تكون واحدة.
فالحرب تقتل بالتهجير.
وتقتل بالتشريد.
وتقتل بالنهب.
وتقتل بالجوع.
وتقتل عندما تُسرق المساعدة التي كان يفترض أن تمنع الموت.
ثم يأتي الرصاص.
ولذلك سيظل السؤال الذي بدأ به هذا التحقيق قائمًا، من دون تغيير أو تخفيف:
من يسرق قوت الجائعين؟
في الأجزاء الأولى اقتربنا من الطريق.
وفي هذا الجزء اقتربنا من الحلقة التي تملك القدرة.
أما الخطوة التالية، فهي الأصعب:
أن نقترب أكثر ممن يملكون تلك القدرة، ونبحث عما إذا كانوا استخدموها.
لأن بين الجائع وكيس الطعام سلسلة من الأيدي.
ولا يختفي الطعام وحده.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات