لقطة AI – السودان
التاريخ: 9 سبتمبر 2026
لم تعد حرب السودان صراعاً تتحرك خطوطه داخل حدود البلاد وحدها. تقرير جديد للبعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة يضع خلف الطائرات المسيّرة والذخائر والمقاتلين شبكات إمداد وتمويل وتدريب تمتد عبر أكثر من دولة، ويطرح سؤالاً أكبر من هوية من يضغط على الزناد: من يزوّد الحرب بما يجعل استمرارها ممكناً؟
التقرير، الذي عُرضت خلاصاته أمام مجلس حقوق الإنسان، يقول إن التطور السريع في استخدام المسيّرات بعيدة المدى غيّر طبيعة المعركة، وأتاح لطرفي الحرب الوصول إلى مناطق تبعد كثيراً عن خطوط المواجهة التقليدية، بينما أصبحت المستشفيات والأسواق والمدارس ومواقع النزوح والبنية التحتية الأساسية في مرمى الضربات.
وبحسب البعثة، قُتل أكثر من ألف مدني بضربات الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 وحدها، في مؤشر على أن التكنولوجيا التي وسّعت مدى الحرب لم توسع معها هامش حماية المدنيين.
من حرب داخلية إلى شبكة عابرة للحدود
أخطر ما جاء في التقرير لا يتعلق بالمسيّرات وحدها.
فالبعثة قالت إن لديها «أسباباً معقولة للاعتقاد» بوجود شبكة عابرة للحدود ساعدت قوات الدعم السريع في الحصول على أسلحة ومعدات عسكرية ودعم لوجستي وتدريب وأفراد أجانب.
وتشير نتائج التحقيق إلى مسارات مرتبطة بأفراد وكيانات تعمل في أو عبر الإمارات وتشاد وجنوب شرق ليبيا وإقليم بونتلاند في الصومال، مع استخدام طرق جوية وبرية وبحرية لإيصال الإمدادات إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وفي مقدمتها نيالا.
وتنفي الإمارات باستمرار تقديم دعم عسكري لأي من طرفي الحرب، كما رفضت تشاد الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضيها في شبكات نقل السلاح، مؤكدة حيادها وسعيها إلى ضبط حدودها.
وهذه نقطة ضرورية في قراءة التقرير: ما ورد هو نتيجة تحقيق أممي وفق معيار «الأسباب المعقولة للاعتقاد»، وليس حكماً قضائياً نهائياً.
الكولومبيون.. خبرة عسكرية مستوردة
التقرير يفتح أيضاً ملف المقاتلين والمتعاقدين الأجانب.
وتشير الأدلة التي جمعتها البعثة إلى تجنيد عسكريين كولومبيين سابقين للعمل إلى جانب قوات الدعم السريع، خصوصاً في تشغيل وصيانة الطائرات المسيّرة والأنظمة العسكرية المتطورة وتدريب المقاتلين عليها. وقدرت تقارير استندت إلى التحقيقات الأممية عدد المتعاقدين الكولومبيين بما قد يصل إلى نحو ألفي شخص.
ولا تبدو أهمية هؤلاء في أعدادهم فقط، وإنما في نوع الخبرة التي يحملونها.
فالحرب الحديثة لا تحتاج دائماً إلى عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب؛ أحياناً يكفي عدد محدود من المتخصصين لتشغيل منظومات استطلاع وضرب واتصالات ومدفعية ودفاع جوي حتى تتغير قدرة قوة محلية على إصابة أهداف تبعد مئات الكيلومترات.
وهنا يصبح «المقاتل الأجنبي» جزءاً من منظومة تقنية، لا مجرد بندقية إضافية في ساحة القتال.
والجيش أيضاً تحت التحقيق
لكن التقرير لا يعفي الجيش السوداني من التدقيق.
فالبعثة قالت إن تحقيقها في مصادر الدعم الخارجي المقدم للجيش لا يزال في مرحلة مبكرة، لكنها توصلت إلى أدلة أولية على أن مسيّرات قتالية وذخائر جوالة موردة من الخارج عززت قدرة الجيش على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
وخلص المحققون إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن كلاً من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ارتكبا انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان أثناء عمليات المسيّرات، وأن بعض الوقائع قد ترقى إلى جرائم حرب.
هذه الخلاصة مهمة لأنها تنقل النقاش من سؤال: «من يمتلك المسيّرة؟» إلى سؤال مختلف: كيف استُخدمت، وضد أي هدف، وبأي احتياطات لحماية المدنيين؟
الأبيض.. حين تصبح الكهرباء والمياه جزءاً من المعركة
في الأبيض، عاصمة شمال كردفان، تكشف الوقائع كيف يمكن لضربة عسكرية أن تضرب حياة مدينة كاملة حتى عندما لا يكون المدني المستهدف المباشر.
وثقت الأمم المتحدة هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة ألحقت أضراراً بمنشآت الكهرباء والوقود، وانعكس ذلك على إمدادات المياه والرعاية الصحية والنقل والخدمات الأساسية في مدينة تعيش أصلاً تحت ضغوط الحصار والنزوح. وكان مكتب حقوق الإنسان الأممي قد وثق في يونيو وحده سلسلة ضربات في الأبيض ومحيطها أوقعت قتلى وجرحى مدنيين.
وهنا يصبح تحديد الخسائر بعدد القتلى فقط قراءة ناقصة.
فعندما تضرب محطة كهرباء، قد يتوقف مستشفى. وعندما يتعطل الوقود، تتوقف مضخات المياه وسيارات الإسعاف. وعندما يُقصف السوق، لا يسقط من بداخله فقط؛ تتعطل سلسلة الغذاء التي يعتمد عليها آلاف آخرون.
المسيّرة تضرب نقطة على الخريطة، لكن أثرها الاجتماعي والإنساني يمتد إلى مدينة كاملة.
من المسؤول عن استمرار الحرب؟
التقرير الأممي يوسع دائرة المسؤولية إلى ما وراء المقاتلين والقادة الموجودين في الميدان.
فالبعثة تشدد على أن المساءلة يجب ألا تتوقف عند من ارتكب الجريمة أو أصدر الأمر، وإنما قد تمتد إلى الممولين والمزودين والميسرين عندما يكون الدعم المقدم مرتبطاً بانتهاكات خطيرة ومعلومة أو متوقعة.
وتدعو البعثة إلى وقف أشكال الدعم العسكري التي تغذي الانتهاكات، والتحقيق مع الأفراد والكيانات التي تقدم دعماً غير مشروع، وحفظ الأدلة، وحماية الشهود والضحايا، إضافة إلى إنفاذ حظر السلاح المفروض على دارفور وتوسيعه ليشمل السودان بأكمله.
وهذه ربما أخطر زاوية سياسية في التقرير.
فإذا انتقلت المساءلة من المقاتل الذي يستخدم السلاح إلى الشبكة التي تموله وتنقله وتوفر مشغليه، فإن ملف الحرب السودانية لن يبقى محصوراً داخل الخرطوم ودارفور وكردفان.
سيصبح ملفاً يمتد إلى الشركات والوسطاء والمطارات والموانئ والحسابات المالية ومسارات الشحن في عدة دول.
من يملك مفتاح إطالة الحرب؟
بعد أكثر من ثلاث سنوات، أثبتت الحرب السودانية أن السلاح الذي يدخل إليها لا يبقى مجرد شحنة.
إنه يتحول إلى أيام إضافية من القتال، وإلى مدن أخرى تصلها المسيّرات، وإلى مستشفى آخر يخرج من الخدمة، وأسرة أخرى تغادر منزلها.
ولهذا فإن أهم ما يقوله التقرير الأممي ربما لا يوجد في أسماء الدول ولا في أنواع الطائرات.
الحرب التي تستطيع باستمرار الحصول على المال والسلاح والخبراء والممرات اللوجستية تستطيع أيضاً الاستمرار، حتى عندما يعجز طرفاها سياسياً عن تحقيق نصر حاسم.
ومن هنا يصبح وقف تدفقات الحرب جزءاً من وقف الحرب نفسها.
فالسودان اليوم لا يواجه طرفين مسلحين فقط، بل اقتصاداً وشبكات ومسارات إمداد اكتسبت مصلحة وقدرة على إبقاء النار مشتعلة.
والسؤال الذي يبقى بعد التقرير ليس فقط: من يقاتل في السودان؟
بل: من يجعل استمرار القتال ممكناً؟
محررو لقطة AI
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات