محررو لقطة AI – 13
9 سبتمبر 2026
قبل أن يصل الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان إلى ألمانيا في زيارة دولة تبدأ الأربعاء، دخل السودان بقوة على جدول الزيارة من بوابة مختلفة عن البيانات الدبلوماسية المعتادة.
طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس فرانك فالتر شتاينماير وكبار المسؤولين الألمان بأن يضعوا أمام الرئيس الإماراتي بصورة علنية ملف دور بلاده في الحرب السودانية، وألا تسمح المصالح الاقتصادية والأمنية المتنامية بين برلين وأبوظبي بأن تدفع قضية السودان إلى الهامش.
الطلب يأتي قبل زيارة رسمية أعلنت عنها الإمارات، تبدأ في 9 سبتمبر، ويلتقي خلالها محمد بن زايد الرئيس الألماني والمستشار، فيما تقول أبوظبي إن المباحثات ستتناول تعميق الشراكة الاستراتيجية، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والتنموية، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية.
لكن هيومن رايتس ووتش تريد من برلين أن تضيف إلى جدول الأعمال سؤالًا أكثر إحراجًا:
ماذا ستفعل ألمانيا إزاء الاتهامات المتعلقة بوصول دعم عسكري إلى قوات الدعم السريع عبر شبكات مرتبطة بالإمارات؟
تقرير أممي غيّر مستوى الاتهام
المطالبة لا تستند فقط إلى مواقف سياسية سودانية أو اتهامات متبادلة بين أطراف الحرب.
هيومن رايتس ووتش أحالت بصورة مباشرة إلى التقرير الذي أصدرته بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان في الأول من سبتمبر.
وبحسب المنظمة، خلص المحققون الأمميون إلى أن أفرادًا وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدت دورًا مهمًا في شبكات شاركت في تجنيد وتمويل ونقل ونشر متعاقدين عسكريين أجانب، وتقديم دعم عسكري استفادت منه قوات الدعم السريع.
وفي المقابل، تنفي الإمارات الاتهامات المتعلقة بتقديم الدعم لقوات الدعم السريع. وهذا النفي يجب أن يبقى حاضرًا في أي معالجة مهنية للملف، لأن التقرير الأممي وما تطالب به المنظمات الحقوقية لا يلغي حق أبوظبي في الرد على الاتهامات الموجهة إليها.
لكن الجديد هو أن القضية انتقلت إلى مستوى يصعب معه على العواصم الأوروبية التعامل معها باعتبارها مجرد سجال سياسي بين الخرطوم وأبوظبي.
هناك الآن تقرير أممي، ومطالبات حقوقية بإجراءات محددة.
ألمانيا في موقع حساس
اختيار برلين تحديدًا للضغط ليس عشوائيًا.
ألمانيا ساهمت في إنشاء بعثة تقصي الحقائق الأممية بشأن السودان في 2023، كما استضافت في وقت سابق من هذا العام مؤتمرًا دوليًا كبيرًا بشأن الأزمة السودانية.
ولهذا تقول هيومن رايتس ووتش إن صمت الحكومة الألمانية علنًا تجاه ما تصفه بالدور الإماراتي في السودان يتناقض مع الموقف الألماني نفسه الداعم للتحقيق الدولي في الانتهاكات.
مدير المنظمة في ألمانيا، فيليب فريش، وصف غياب الإرادة الألمانية لمناقشة القضية علنًا بأنه «مقلق للغاية».
المغزى السياسي واضح:
إذا ساعدت برلين في إنشاء آلية تحقق دولية، فماذا تفعل عندما تقود نتائج هذه الآلية إلى أحد شركائها الاقتصاديين والأمنيين المهمين؟
هنا يصبح السودان اختبارًا للسياسة الخارجية الألمانية نفسها.
الاقتصاد يدخل الغرفة
تزداد حساسية المسألة بسبب طبيعة الزيارة.
تقول هيومن رايتس ووتش، استنادًا إلى تقارير إعلامية، إن ألمانيا والإمارات تتجهان نحو الإعلان عن شراكة استثمارية كبيرة خلال الزيارة، وإن البرنامج يتضمن كذلك لقاءات مع شركات ألمانية لصناعة الأسلحة، إلى جانب مأدبة دولة.
وهذا يضع أمام برلين معادلة ليست سهلة.
الإمارات شريك اقتصادي واستثماري مهم لألمانيا، ولها ثقل كبير في الطاقة والاستثمارات والأمن الإقليمي.
لكن ألمانيا في الوقت نفسه قدمت نفسها بوصفها واحدة من الدول الداعمة للمساءلة عن الفظائع في السودان.
كلما ازدادت قيمة المصالح بين البلدين، أصبح اختبار الفصل بين المصالح الاقتصادية وموقف حقوق الإنسان أكثر صعوبة.
من المطالبة بالكلام إلى الدعوة للعقوبات
هيومن رايتس ووتش لم تطالب ألمانيا فقط بأن تثير الملف في الاجتماع.
ذهبت أبعد من ذلك.
المنظمة دعت ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي إلى التحقيق في دور شركة Global Security Services Group ومقرها أبوظبي ورئيسها التنفيذي محمد حمدان الزعابي، تمهيدًا للنظر في فرض عقوبات مستهدفة. وقالت إن تحقيقًا أصدرته في مايو خلص إلى أن الشركة جندت منذ 2024 مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين نُشروا في السودان للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
كما طالبت المنظمة دول الاتحاد الأوروبي بالنظر في حظر أوروبي شامل للأسلحة على الإمارات وإدانة أي مساعدة عسكرية لقوات الدعم السريع.
وهنا تنتقل القضية من المجال الأخلاقي إلى مجال السياسة الفعلية.
فالتعبير عن القلق شيء.
والعقوبات شيء آخر تمامًا.
الفاشر في خلفية الزيارة
لا يمكن فصل المطالبات الحالية عن الفظائع التي وثقتها جهات دولية في دارفور.
كانت دول رئيسية في مجلس حقوق الإنسان، بينها ألمانيا، قد قالت في فبراير إن أعمال العنف التي قادتها قوات الدعم السريع في الفاشر تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وتحمل «سمات الإبادة الجماعية»، وأعلنت نيتها تشكيل تحالف لمنع المزيد من الفظائع.
كما تقول هيومن رايتس ووتش إن متعاقدين عسكريين أجانب كانوا موجودين في الفاشر عندما سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر 2025 ووقعت انتهاكات واسعة.
وهذا هو الرابط الذي تريد المنظمة وضعه أمام المسؤولين الألمان:
إذا كانت برلين تقول إن ما حدث في الفاشر يستدعي المساءلة، فلا يمكن — وفق هذا المنطق — فصل التحقيق في مرتكبي الانتهاكات عن التحقيق في شبكات السلاح والتمويل والمقاتلين التي ساعدت أطراف الحرب.
أبوظبي لديها روايتها أيضًا
العدالة في عرض الملف تقتضي عدم تحويل الاتهامات إلى أحكام نهائية.
الإمارات نفت مرارًا دعمها العسكري لقوات الدعم السريع، وقدمت نفسها باعتبارها داعمًا للجهود الإنسانية ووقف الحرب في السودان.
كما أن الإعلان الرسمي الإماراتي عن زيارة ألمانيا لا يشير إلى السودان بصورة منفردة، بل يقول إن الرئيس الإماراتي سيبحث «التطورات الإقليمية والدولية والقضايا ذات الاهتمام المشترك».
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي سيكون ما إذا كانت برلين نفسها ستعلن إدراج السودان في المحادثات، وما إذا كانت ستكشف بعد اللقاء عن مضمون ما قيل بشأن الاتهامات.
لماذا توقيت الزيارة مهم؟
التوقيت يجعل القضية أكثر حساسية.
فالتقرير الأممي بشأن السودان حديث جدًا، والضغوط على الدول المتهمة بتغذية أطراف الحرب تتزايد، بينما تستمر المعارك وتتوسع حرب المسيّرات وتتفاقم الأزمة الإنسانية.
وفي الوقت نفسه، تحاول القوى الدولية إعادة بناء مسار سياسي لإنهاء الحرب.
لا يمكن لأي مسار سلام أن ينجح طويلًا إذا ظلت شبكات التسليح والتمويل الخارجية تعمل من دون ضغط.
لهذا لم يعد سؤال التدخل الخارجي قضية ثانوية في الحرب.
أصبح جزءًا من سؤال وقفها.
ما الذي ينبغي مراقبته في برلين؟
الأهم ليس مجرد انعقاد اللقاء بين ميرتس ومحمد بن زايد.
الأهم هو ما إذا كان السودان سيظهر في البيان الألماني بعد الاجتماع.
هل ستتحدث برلين عن تقرير بعثة تقصي الحقائق؟
هل ستطلب توضيحات من أبوظبي؟
هل ستعلن أي موقف بشأن العقوبات التي تطالب بها هيومن رايتس ووتش؟
أم ستهيمن ملفات الاستثمار والطاقة والأمن على الزيارة بينما يبقى السودان خارج البيان العلني؟
الإجابة ستحدد القيمة الحقيقية للتحرك الحقوقي الحالي.
السودان هذه المرة لا يطلب مقعدًا في مؤتمر جديد ولا تعهدًا إنسانيًا آخر. القضية التي تصل إلى برلين أكثر إحراجًا: ماذا تفعل دولة ساعدت في إنشاء لجنة للتحقيق في فظائع الحرب عندما تشير نتائج التحقيق إلى شبكات مرتبطة بشريك اقتصادي وأمني مهم؟ هنا لا يعود الاختبار فيما تعرفه ألمانيا عن السودان، بل فيما هي مستعدة لأن تقوله عندما يدخل صاحب المصلحة من باب القصر.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات