محررو لقطة AI – 13
لقطة AI | 9 سبتمبر 2026
من أين تأتي كل هذه الأسلحة؟
سؤال يبدو بسيطاً، لكنه بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب في السودان أصبح واحداً من أكثر أسئلتها تعقيداً وحساسية.
فالحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023 لم تعد تُخاض فقط بالأسلحة التي كانت موجودة داخل مخازن الجيش وقوات الدعم السريع عند اندلاعها. على امتداد الشهور والسنوات التالية ظهرت في ساحات القتال مسيّرات وذخائر ومعدات اتصالات وقطع غيار، واستمرت خطوط الوقود والإمداد والدعم اللوجستي رغم اتساع الحرب وانهيار أجزاء واسعة من الاقتصاد السوداني.
من أين يأتي كل ذلك؟
كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، قدّم خلال مقابلة مع برنامج «Focus on Africa» التابع لهيئة الإذاعة البريطانية BBC إجابة لافتة.
قال إن شبكات تجارية خاصة وتجاراً ربما يقفون وراء جزء من الإمدادات العسكرية التي تصل إلى طرفي الحرب في السودان.
وفي الوقت نفسه، نقل بولس تمسك الإمارات بنفي أي تدخل مباشر في النزاع، موضحاً أن المسؤولين الأميركيين يناقشون الملف بصورة منتظمة مع أبوظبي.
لكن تصريحاً آخر للرجل يجعل المسألة أكبر بكثير من مجرد حديث عن تجار.
بولس يقول إن ما لا يقل عن 12 دولة تقدم أشكالاً مختلفة من المساعدة العسكرية لطرفي الحرب، تشمل المسيّرات والذخائر والوقود وقطع الغيار والمساعدة اللوجستية والتدريب.
وهنا تصبح كلمة «تجار» بحاجة إلى تفسير.
إذا كانوا تجاراً.. فمن أين يشترون؟
تاجر السلاح لا يصنع المسيّرات في مستودع خلفي.
ولا تظهر الذخائر الثقيلة وقطع الغيار وأنظمة الاتصالات ومعدات الحرب المتطورة فجأة على الحدود السودانية.
إذا كانت شبكات تجارية خاصة تقف بالفعل وراء جانب من تدفق السلاح إلى السودان، فإن ذلك لا يغلق ملف التدخل الخارجي.
بل يفتحه على مصراعيه.
من أين تشتري هذه الشبكات السلاح؟
من يموّل الصفقات؟
من يوفر الطائرات والشاحنات والسفن؟
أي مطارات وموانئ تستخدم؟
عبر أي حدود تمر الشحنات؟
ومن يصدر شهادات المستخدم النهائي والتراخيص المطلوبة لنقل بعض أنواع المعدات العسكرية؟
والسؤال الأهم:
من هم المشترون الحقيقيون خلف أسماء التجار والشركات؟
هذه الأسئلة لا تتعلق بالتفاصيل الفنية فقط. إنها الطريق الذي يمكن أن يقود إلى معرفة البنية الحقيقية لاقتصاد الحرب السودانية.
أكثر من 12 دولة
أخطر ما في حديث بولس ربما ليس الإشارة إلى التجار.
إنه الرقم.
إذا كانت الإدارة الأميركية تعتقد أن أكثر من 12 دولة تقدم أشكالاً من الدعم العسكري لأطراف الحرب، فإن السودان لم يعد أمام مجرد صراع داخلي يحصل على مساعدات خارجية متفرقة.
نحن أمام حرب أصبحت مرتبطة بشبكة مصالح إقليمية ودولية واسعة.
والمفارقة أن أسماء هذه الدول لا تزال، في معظمها، خارج الخطاب الأميركي العلني.
واشنطن تقول إن هناك أكثر من 12 دولة.
لكنها لا تقول للسودانيين بوضوح:
من هي؟
وإذا كانت لديها معلومات كافية لتحديد عددها، فما الذي يمنع الكشف عن الجهات التي ثبت تورطها؟
هذه ليست مسألة فضول سياسي.
كل شحنة سلاح تدخل السودان تعني، في النهاية، قدرة إضافية على استمرار الحرب.
وكل قدرة جديدة على استمرار الحرب يدفع المدنيون ثمنها.
لماذا ظهرت رواية «التجار» الآن؟
توقيت تصريحات بولس مهم.
واشنطن تدفع باتجاه فرض حظر أسلحة شامل على السودان بدلاً من نظام الحظر المرتبط بدارفور.
وكان بولس والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز قد دعوا إلى توسيع الحظر ليشمل كامل الأراضي السودانية وشبكات الإمداد التي تساعد الأطراف المتحاربة.
ويأتي ذلك بينما يتزايد القلق الدولي من دخول المسيّرات والأسلحة الأكثر تطوراً إلى ساحات القتال.
لكن الحديث عن «تجار» يفتح احتمالين.
الأول أن المعلومات الأميركية تشير بالفعل إلى وجود شبكات خاصة تعمل بين الدول ومناطق النزاع، وتشتري وتنقل الأسلحة بعيداً عن القرارات الحكومية الرسمية.
وهذا أمر معروف في كثير من الحروب.
أما الاحتمال الثاني فهو أكثر حساسية: أن التركيز على الوسطاء والتجار يوفر مساحة دبلوماسية تسمح لواشنطن بمناقشة تدفق السلاح من دون الدخول في مواجهة علنية مع دول إقليمية تحتاج إلى تعاونها في مساعي وقف الحرب.
لا توجد في التصريحات المنشورة حتى الآن أدلة تسمح بالجزم بالاحتمال الثاني.
ولهذا ينبغي ألا يتحول الاحتمال السياسي إلى حقيقة صحفية.
لكن السؤال نفسه مشروع.
خصوصاً عندما تكون واشنطن قادرة على تحديد عدد الدول المتورطة تقريباً، لكنها تتجنب تسمية معظمها.
الإمارات في قلب العاصفة
لا يمكن فصل حديث بولس عن الجدل المتصاعد بشأن الإمارات.
الخرطوم تتهم أبوظبي منذ فترة بدعم قوات الدعم السريع، والإمارات تنفي ذلك بصورة قاطعة، وتؤكد أنها ليست طرفاً في الحرب وأن موقفها يقوم على دعم وقف إطلاق النار والحل السياسي.
وخلال الأيام الأخيرة، نقل السودان المواجهة مجدداً إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف، حيث طالبت النائب العام السودانية انتصار أحمد عبد العال بتحرك دولي ضد ما وصفته بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع، ووجهت الاتهام إلى الإمارات.
وفي المقابل، جددت أبوظبي رفض الاتهامات.
هنا تصبح صياغة بولس دقيقة للغاية.
هو لا يقول إن السلاح لا يصل.
ولا يقول إن الحديث عن الإمدادات الخارجية غير صحيح.
بل يطرح احتمال أن يكون بعض هذا السلاح قد وصل عبر تجار وشبكات تجارية خاصة، في مقابل النفي الإماراتي للتدخل الحكومي المباشر.
الفارق كبير قانونياً وسياسياً.
لكنه لا يمكن أن يكون نهاية التحقيق.
من يملك التاجر؟
هناك سؤال أكثر صعوبة من سؤال: من هو التاجر؟
لمن يعمل؟
في تجارة السلاح الدولية، يمكن لشركة خاصة أن تكون مسجلة في دولة، وأن تشتري من دولة ثانية، وتنقل عبر دولة ثالثة، مستخدمة شركة طيران أو شحن مسجلة في دولة رابعة، قبل أن تصل الشحنة إلى منطقة حرب.
ولهذا فإن مجرد اكتشاف اسم شركة أو وسيط لا يكشف بالضرورة صاحب القرار الحقيقي.
التحقيق الجاد يحتاج إلى تتبع الأموال.
سجلات الشركات.
ملكية الطائرات.
خطوط الرحلات.
وثائق الشحن.
الحسابات المصرفية.
الموانئ والمطارات.
وشهادات المستخدم النهائي.
عندها فقط يمكن الانتقال من عبارة فضفاضة مثل «تجار السلاح» إلى أسماء ومسؤوليات قابلة للإثبات.
حرب لا تستطيع تمويل نفسها
ثمة حقيقة يصعب تجاهلها بعد كل هذه السنوات.
السودان يعيش انهياراً اقتصادياً واسعاً، ومع ذلك لم تتوقف الحرب بسبب نفاد الذخيرة.
لم تتوقف المسيّرات.
ولم تتوقف الإمدادات.
ولم تختفِ القدرة على شراء الوقود وتحريك المركبات وتشغيل شبكات الاتصالات وإصلاح المعدات.
هذه الحرب، ببساطة، لا تعيش على مواردها الداخلية وحدها.
ولهذا يصبح التمويل والإمداد الخارجيان جزءاً من بنية الحرب، لا مجرد عامل مساعد لها.
وإذا كان المجتمع الدولي يريد فعلاً وقف القتال، فإن إصدار قرارات جديدة لن يكون كافياً.
الحظر الذي لا يعرف من أين تأتي الشحنة، ومن دفع ثمنها، ومن نقلها، وأين هبطت، ومن تسلمها، يمكن أن يصبح مجرد ورقة أخرى في أرشيف مجلس الأمن.
سمّوا من يسلّح الحرب
تصريحات مسعد بولس مهمة لأنها تعترف، من موقع أميركي رفيع، بأن الحرب السودانية تتغذى من شبكة دعم خارجية واسعة.
لكن الاعتراف وحده لا يكفي.
قول إن أكثر من 12 دولة تساعد أطراف الحرب ثم ترك أسمائها مجهولة يضع نصف الحقيقة أمام السودانيين ويحجب نصفها الآخر.
والحديث عن «تجار» من دون معرفة الشركات والممولين ومسارات الشحن والدول التي انطلقت منها الأسلحة لا يحل اللغز.
بل يعيد صياغته.
بعد أكثر من ثلاث سنوات من الدم، لم يعد السودانيون بحاجة إلى سماع أن السلاح يأتي من الخارج.
هم يرون أثره كل يوم.
ما يحتاجون إلى معرفته هو:
من يشتري؟
من يدفع؟
من ينقل؟
من يسمح بالعبور؟
ومن يتسلم؟
لأن تاجر السلاح ليس شبحاً.
والطائرة لا تقلع من المجهول.
والشحنة لا تعبر الحدود وحدها.
إذا كانت هناك أكثر من 12 دولة تساعد في إبقاء هذه الحرب مشتعلة، فقد حان الوقت لأن تخرج الأسماء من الغرف المغلقة.
فالسودانيون الذين يدفعون ثمن السلاح، من دمائهم وبيوتهم ومدنهم، يستحقون على الأقل أن يعرفوا من يرسله.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات