محررو لقطة AI – 7
18 سبتمبر 2026
لم تعد مأساة منجم «الزرع» في غرب كردفان مجرد حادث انهيار أودى بحياة عشرات المعدنين.
التطور الجديد أكثر قسوة: محاولات الوصول إلى الضحايا وانتشال جثامينهم توقفت، وأصبحت الآبار المنهارة تُوصف محليًا بأنها «مقبرة جماعية» لمن بقي في أعماقها.
مصادر محلية تحدثت إلى «دارفور24» قالت إن جميع محاولات الإنقاذ وانتشال الجثامين من منجم الزرع، التابع لإدارية فوجا بمحلية النهود، توقفت، بينما لا تزال السلطات والمصادر المحلية عاجزة عن تحديد العدد النهائي للأشخاص الموجودين تحت الأرض.
وقالت المصادر إن روائح الجثامين بدأت تنبعث من داخل الآبار، في مؤشر قاتم إلى تقلص فرص الوصول إلى من بقي فيها، بعد أيام من الكارثة.
وهكذا أصبح السؤال الذي بدأ قبل أيام بـ«كم شخصًا يمكن إنقاذه؟» يتحول إلى سؤال آخر:
هل سيخرج جميع الموتى من المنجم أصلًا؟
ستة آبار.. وحصيلة لم تستقر
تختلف المصادر بشأن بعض تفاصيل الكارثة وحصيلتها، وهو ما يستوجب الحذر في تثبيت رقم نهائي.
«دارفور24» تقول إن ستة آبار انهارت وإن الإفادات المحلية الأولية تحدثت عن أكثر من 60 قتيلًا، مؤكدة عدم وجود إحصائية رسمية نهائية حتى الآن.
لكن مصادر أحدث رفعت العدد.
راديو دبنقا نقل عن مسؤول في الإدارة المحلية أن 80 شخصًا على الأقل قتلوا وأصيب نحو 50 آخرين، بينما أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الحصيلة وصلت إلى 82 قتيلًا على الأقل مع استمرار وجود مفقودين.
أما شبكة أطباء السودان فكانت قد أعلنت في مرحلة سابقة انتشال 67 جثمانًا، وحذرت منذ البداية من أن العدد مرشح للارتفاع.
التفاوت لا يعني بالضرورة تناقض الروايات.
في كارثة تقع داخل منطقة حرب، وفي منجم غير منظم يعمل فيه أشخاص بصورة فردية ومن دون سجلات دقيقة، يصبح مجرد معرفة من كان تحت الأرض لحظة الانهيار عملية معقدة.
المشكلة تبدأ من غياب الأسماء
بحسب المصادر المحلية، لا توجد قوائم متكاملة بأسماء جميع الأشخاص الذين كانوا يعملون داخل الآبار أو بالمناطق التي قدموا منها.
وكان المنجم مهجورًا قبل أن يعود إليه معدنون للعمل بصورة فردية فيما يعرف محليًا بـ«الكوماجي». كما ازداد الإقبال على الموقع بعد تراجع الإنتاج في منجم «عنقريب» القريب، ما أدى إلى تكدس أعداد أكبر من الباحثين عن الذهب داخل الآبار.
وهنا يظهر وجه آخر من المأساة.
في المنجم المنظم، يدخل العامل باسمه.
هناك وردية.
وسجل.
وعدد معروف من الأشخاص تحت الأرض.
أما في التعدين الأهلي غير المنظم، فقد تقع الكارثة قبل أن يعرف أحد بدقة كم شخصًا كان موجودًا داخل الحفرة.
لذلك يمكن أن يستمر العدد في التغير حتى بعد توقف الإنقاذ.
رواية عن منع المواطنين من الاقتراب
هناك تطور أمني يحتاج إلى صياغة دقيقة.
مصادر «دارفور24» قالت إن قوة تابعة لقوات الدعم السريع العاملة في منجم الرقيق وصلت إلى الموقع على متن عربة دفع رباعي ومنعت المواطنين من الاقتراب من الآبار.
ولم أعثر حتى إعداد هذه المادة على رد منشور من قوات الدعم السريع على هذه الرواية تحديدًا.
لذلك لا يمكن تقديمها باعتبارها حقيقة مثبتة بصورة مستقلة، وإنما رواية مصادر محلية تحتاج إلى مزيد من التحقق.
لكن الثابت أن المنطقة التي يقع فيها المنجم تخضع لسيطرة قوات الدعم السريع، وهو ما أكدته تقارير متعددة عن الحادث.
وهذه الحقيقة تجعل مسألة الوصول إلى الموقع جزءًا من القضية الإنسانية نفسها.
فالإنقاذ في كارثة تعدين يحتاج عادة إلى فرق دفاع مدني، وحفارات، ومعدات رفع، ومهندسين، ومسعفين، وممر آمن يسمح بوصولهم.
الحرب جعلت كل واحدة من هذه العناصر أكثر صعوبة.
رجل خرج بعد ثلاثة أيام
وراء الأرقام قصة تكشف كم كانت فرص الإنقاذ حساسة للوقت.
تقارير محلية أفادت بأن أحد المعدنين تمكن من الخروج بعد بقائه ثلاثة أيام داخل الآبار، وأخبر الموجودين بأن أشخاصًا آخرين ما زالوا أحياء تحت الأنقاض قبل أن يفقد وعيه وينقل إلى المستشفى.
لا توجد معلومات مستقلة تسمح بتحديد ما حدث للأشخاص الذين تحدث عنهم لاحقًا.
لكن الشهادة تجعل نقص المعدات أكثر إيلامًا.
لأن المسألة لم تكن منذ اللحظة الأولى انتشال موتى فقط.
كانت هناك احتمالات بوجود ناجين.
وكل ساعة مرت من دون معدات ثقيلة قللت فرص الوصول إليهم.
حفرة بعمق قد يصل إلى 200 متر
المشكلة ليست فقط غياب الجرافة.
تقرير ميداني للجزيرة نقل عن مسؤول في غرفة طوارئ النهود أن بعض الآبار المنهارة يصل عمقها إلى نحو 200 متر، وأن محاولة الوصول إليها بالأدوات التقليدية تكاد تكون مستحيلة.
والأرض نفسها غير مستقرة.
عمال تحدثوا عن آبار متلاصقة؛ فإذا انهارت إحداها يمكن أن يؤدي تحرك الصخور والتربة إلى انهيار المجاور لها.
وهذا يعني أن المنقذ نفسه قد يصبح ضحية.
وهنا تصبح العبارة القاسية «تحويل المنجم إلى مقبرة» ليست قرارًا جنائزيًا طبيعيًا، بل نتيجة للعجز عن الوصول إلى الأعماق بأمان.
الذهب الذي يجذب الفقراء إلى تحت الأرض
لكن لماذا يعود الناس أصلًا إلى آبار مهجورة وخطرة؟
الإجابة لا توجد في المنجم وحده.
توجد فوقه.
في الاقتصاد.
الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 دمرت مصادر دخل وأغلقت أعمالًا وأفقدت ملايين السودانيين وسائل كسبهم، بينما أصبح التعدين الأهلي واحدًا من المسارات القليلة المتاحة للحصول على المال في مناطق واسعة من البلاد.
السودان أحد منتجي الذهب الرئيسيين في أفريقيا، لكن جزءًا كبيرًا من الإنتاج يأتي من التعدين الأهلي بوسائل بدائية وفي مواقع تفتقر إلى شروط السلامة.
المفارقة قاسية:
معدن تبلغ قيمته في الأسواق العالمية آلاف الدولارات للأوقية قد يبدأ رحلته من رجل ينزل إلى حفرة بلا خوذة مناسبة، ولا نظام تهوية، ولا جهاز اتصال، ولا فريق إنقاذ ينتظره إذا انهار السقف.
ليست «الزرع» وحدها
كارثة غرب كردفان ليست حادثًا معزولًا.
في يناير الماضي، قتل 13 معدّنًا وأصيب ستة في انهيار خمس آبار مهجورة بمنجم أم فكرون في جنوب كردفان.
وفي أبريل، قتل ستة معدنين في انهيار بمنطقة كليتي بولاية البحر الأحمر.
وفي يوليو، قتل 15 شخصًا في انهيار منجم محمد توفيق بمنطقة سمنة في الولاية الشمالية، رغم أن تقارير سابقة كانت قد أشارت إلى قرار بإغلاقه بسبب خطورته.
تغيرت الولايات.
وتغيرت أسماء المناجم.
لكن القاسم المشترك بقي متشابهًا:
حفر عميقة، تعدين تقليدي، وسائل حماية محدودة، ثم معدات إنقاذ تصل متأخرة أو لا تصل أصلًا.
من المسؤول؟
شبكة أطباء السودان وصفت ما حدث بأنه نتيجة للإهمال وغياب شروط السلامة، وطالبت الجهات المسيطرة على المنطقة بتحمل مسؤوليتها في حماية المدنيين والعاملين ووقف التعدين العشوائي الخطر.
وفي المقابل، سبق لمسؤولين في الشركة السودانية للموارد المعدنية أن أرجعوا تكرار حوادث الانهيار في التعدين التقليدي إلى تجاوز الأعماق الآمنة، والعمل في آبار متهالكة، وعدم الالتزام بإرشادات السلامة والرقابة.
لكن الحرب أضافت مشكلة جديدة إلى مشكلات القطاع القديمة.
الدولة لم تعد قادرة على ممارسة الرقابة بالطريقة نفسها في أجزاء واسعة من البلاد.
والسلطة على الأرض موزعة بين أطراف مسلحة.
والعامل الفقير لا ينتظر عودة المؤسسات حتى يبحث عن مصدر دخل.
فتصبح النتيجة سوقًا للذهب يعمل، بينما منظومة السلامة والإنقاذ لا تعمل بالمستوى نفسه.
القبر الذي لا يحمل أسماء
المأساة الأخيرة في منجم الزرع ليست فقط أن عشرات الأشخاص ماتوا.
إنها أن بعضهم قد يبقى في المكان الذي كان يعمل فيه.
من دون انتشال.
وربما، بالنسبة لبعض الأسر، من دون جثمان تودعه.
ولا تزال الحصيلة النهائية نفسها غير معروفة، ولا توجد حتى الآن قائمة مكتملة وموثقة بأسماء جميع الضحايا.
لهذا فإن إعلان انتهاء عمليات البحث — إذا تأكد نهائيًا — لا يعني بالضرورة انتهاء الكارثة.
قد يعني فقط أن القدرة على الوصول إلى من بقي تحت الأرض انتهت قبل الوصول إليهم.
قبل أيام، كان «الزرع» منجمًا يدخل إليه رجال يبحثون عن الذهب.
اليوم، وفق وصف المصادر المحلية، أصبحت الآبار التي كانوا يحفرون فيها بحثًا عن الحياة قبورًا لهم تحت الأرض.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات