محررو لقطة AI – 7
18 سبتمبر 2026
كان «بيرام» في الثالثة من عمره بالشهور، لا السنوات، عندما وجد نفسه داخل السجن في موريتانيا.
لم يكن الطفل متهمًا، ولم يصدر بحقه أمر توقيف. دخل مع والدته، النائبة البرلمانية مريم الشيخ، التي رفضت الانفصال عن رضيعها أثناء احتجازها على خلفية مقاطع مصورة نشرتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
القضية بدأت من شاشة هاتف.
لكنها انتهت بأم ورضيع خلف أبواب السجن.
اتهمت السلطات مريم الشيخ والنائبة قامو عاشور، وهما ناشطتان في «مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية – إيرا»، بالمساس بـ«الرموز الوطنية» عبر الوسائط الرقمية وبنشر محتوى اعتبرته الجهات المختصة ماسًا بالوحدة الوطنية والسلم الأهلي. وصدر بحقهما حكم ابتدائي بالسجن أربع سنوات، خُفض استئنافيًا إلى سنتين، قبل صدور عفو رئاسي عنهما في يوليو 2026.
لكن قصة بيرام أكبر من واقعة موريتانية منفردة.
إنها مدخل إلى سؤال يزداد حضورًا في المنطقة العربية:
أين تنتهي مكافحة الجريمة الإلكترونية، وأين تبدأ السيطرة على ما يقوله المواطن عبر الإنترنت؟
عندما تغير معنى «الجريمة الإلكترونية»
في صورتها التقليدية، تبدو الجريمة الإلكترونية واضحة نسبيًا.
شخص يخترق حسابًا مصرفيًا.
آخر يسرق بيانات.
شبكة تحتال على المستخدمين.
مهاجم يعطل خادمًا أو يزرع برمجية خبيثة.
لكن التشريعات الرقمية في عدد من الدول العربية لم تعد تتعامل مع أجهزة الحاسوب والشبكات وحدها. توسعت بعض النصوص لتشمل المحتوى الذي ينتجه المستخدم نفسه: الأخبار والمعلومات والشائعات والتشهير والسمعة والقيم والنظام العام ورموز الدولة والوحدة الوطنية.
وهنا يتغير السؤال القانوني جذريًا.
بدلًا من:
ماذا فعلت بالحاسوب؟
يصبح:
ماذا قلت من خلاله؟
وهذا التحول هو جوهر المعركة القانونية والحقوقية الدائرة حول قوانين الجرائم الإلكترونية في المنطقة.
موريتانيا.. عندما أصبحت «الرموز الوطنية» جزءًا من العالم الرقمي
لدى موريتانيا قانون للجريمة السيبرانية يعود إلى عام 2016 ويتعامل مع أنظمة المعلومات والبيانات وإجراءات التحقيق الرقمي.
لكن البلاد أصدرت عام 2021 أيضًا قانونًا يتعلق بحماية الرموز الوطنية وتجريم المساس بهيبة الدولة وشرف المواطن، ويربط بعض الأفعال باستخدام وسائل الاتصال والمنصات الرقمية.
في قضية مريم الشيخ وقامو عاشور، لم يكن الخلاف حول المحتوى المنشور وحده.
ظهرت أيضًا مسألة الحصانة البرلمانية.
السلطات اعتبرت أن البث المباشر يمكن أن يندرج ضمن حالة التلبس التي تسمح باتخاذ إجراءات فورية، بينما طعن الدفاع في هذا التكييف القانوني.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في العصر الرقمي.
فالبث المباشر ليس مجرد وسيلة نشر.
قد يصبح أيضًا جزءًا من تعريف اللحظة التي تعتبر فيها الجريمة، وفق تكييف السلطات، مستمرة أمام أعين الجمهور.
وبذلك لا تغير التكنولوجيا سرعة انتشار الكلام فحسب؛ بل يمكن أن تغير الطريقة التي يكيف بها القانون الواقعة نفسها.
تونس.. الرقم 54 الذي أصبح قضية سياسية وحقوقية
النموذج الأكثر وضوحًا ربما يأتي من تونس.
في 13 سبتمبر 2022 صدر المرسوم بقانون رقم 54 المتعلق بمكافحة الجرائم المتصلة بأنظمة المعلومات والاتصال.
النص نفسه يتضمن أحكامًا تتعلق بالأنظمة والبيانات والأدلة الإلكترونية، ويقول إن تطبيقه يجب أن يراعي الضمانات الدستورية والاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات وحماية البيانات الشخصية.
لكن الجدل تركز بصورة خاصة على المواد المتعلقة بالمحتوى المنشور عبر الشبكات، ومنها تجريم إنتاج أو ترويج أو نشر أو إرسال أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة في الحالات التي يحددها المرسوم.
المشكلة التي يطرحها منتقدو القانون ليست في وجود عقوبة على الاحتيال أو الاختراق.
السؤال هو:
من يقرر أن المعلومة كاذبة؟
ومتى يصبح الخطأ في معلومة جريمة؟
وكيف يمكن التمييز بين الادعاء الكاذب عمدًا، والرأي السياسي، والتحليل، والمعلومة غير الدقيقة، والخطأ الصحفي؟
هذه المساحة الرمادية هي التي جعلت المرسوم 54 يتحول من رقم قانوني إلى عنوان لنقاش أوسع حول حرية التعبير في تونس.
الصحفيون يقولون إن المشكلة أصبحت في التطبيق
النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين تقول إن المرسوم استُخدم في ملاحقة صحفيين وإعلاميين ومدونين، وطالبت بوقف التتبعات بموجبه في قضايا العمل الصحفي.
وفي تقرير نشرته في يوليو 2026، قالت النقابة إن الفترة الممتدة من يناير 2025 إلى يوليو 2026 شهدت ضغوطًا متزايدة على الصحفيين، وربطت جانبًا منها باستمرار العمل بالمرسوم 54. كما جددت دعوتها إلى تعديله بما يتوافق، من وجهة نظرها، مع ضمانات حرية الصحافة والتعبير.
هذا موقف النقابة وليس حكمًا محايدًا على القانون.
وفي المقابل، دافعت السلطات التونسية عن الحاجة إلى مكافحة المعلومات الكاذبة والجرائم الإلكترونية، وسبق للرئيس قيس سعيد أن رفض اتهامات التضييق على حرية الصحافة، بينما تقول السلطات إن تطبيق القانون يجري في إطار مكافحة الجرائم وليس معاقبة الأشخاص لمجرد آرائهم.
وبين الروايتين تقع القضية الأساسية:
ما الضمانات التي تمنع قانونًا صُمم لمواجهة الضرر الرقمي من أن يصبح واسعًا إلى درجة تشمل النقد المشروع؟
الأردن.. الكلمة نفسها قد تصبح ملفًا إلكترونيًا
في الأردن، أثار قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 نقاشًا مشابهًا بسبب المواد التي تتعامل مع أنواع من المحتوى المنشور على الإنترنت، ومن بينها التشهير والذم وبعض أشكال خطاب الكراهية وما يسمى «اغتيال الشخصية».
المفارقة هنا أن كثيرًا من الأفعال مثل التهديد والابتزاز والاحتيال والتشهير كانت موجودة في القوانين قبل ظهور وسائل التواصل الاجتماعي.
ولهذا يطرح الحقوقيون سؤالًا مشروعًا:
إذا كان الفعل مجرمًا أصلًا، فلماذا يحتاج إلى قانون جديد لمجرد أنه ارتكب بواسطة هاتف؟
وهناك إجابة قانونية مقابلة أيضًا.
فالجرائم الرقمية تخلق مشكلات لم تكن موجودة بالصيغة نفسها في العالم المادي: تحديد صاحب الحساب، حفظ الأدلة الإلكترونية، الحصول على البيانات، التعامل مع المنصات الموجودة خارج الدولة، وسرعة انتشار الضرر.
إذن الحاجة إلى قانون رقمي ليست موضع الخلاف بالضرورة.
الخلاف الحقيقي هو: ماذا ينبغي أن يحتوي؟
المغرب.. عندما لا يكون «قانون الإنترنت» هو المشكلة
المغرب يقدم نموذجًا آخر.
قانون الصحافة والنشر الصادر عام 2016 لا يقرر عقوبات سالبة للحرية في الجرائم الصحفية التي ينظمها، لكن صحفيين يمكن أن يواجهوا قضايا بموجب القانون الجنائي عندما ترى جهات الاتهام أن الوقائع تتجاوز نطاق قانون الصحافة.
ومن أشهر الأمثلة التي يستشهد بها منتقدو هذا المسار قضية الصحفي حميد المهداوي، الذي حوكم جنائيًا بعد فيديو انتقد فيه وزير العدل عبد اللطيف وهبي ووجه إليه اتهامات. وقد اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود استخدام القانون الجنائي في القضية التفافًا على الضمانات التي يوفرها قانون الصحافة، وهو توصيف حقوقي تعترض عليه الجهات التي ترى أن بعض الأفعال يمكن أن تشكل جرائم مستقلة عن العمل الصحفي.
وهذا يكشف شيئًا مهمًا:
السيطرة على التعبير الرقمي، عندما تحدث، لا تحتاج دائمًا إلى قانون يحمل اسم «الجرائم الإلكترونية».
يمكن أن تأتي عبر القانون الجنائي العادي.
الإمارات وقطر والعراق.. طرق مختلفة للسؤال نفسه
في الإمارات يجمع التشريع بين مكافحة الاعتداءات التقنية والاحتيال والاختراق وبين مواد تتعلق بالشائعات والمحتوى.
وفي قطر يجمع قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية أيضًا بين الدخول غير المشروع إلى الأنظمة ومواد تتعلق بالمعلومات غير الصحيحة في ظروف مرتبطة بالنظام العام أو أمن الدولة.
أما العراق، فقدم مسارًا مختلفًا؛ إذ تعثرت مشروعات قوانين للمعلوماتية، بينما استُخدمت مواد موجودة في قانون العقوبات في قضايا مرتبطة بما ينشره صحفيون ونشطاء عبر الإنترنت.
ثلاث طرق تشريعية مختلفة.
لكنها تقود إلى السؤال ذاته:
هل ينبغي أن تكون الجريمة التقنية وجريمة المحتوى داخل السلة القانونية نفسها؟
الهاتف الذي تحول من أداة تحرير إلى دليل
هناك تحول آخر أكثر هدوءًا.
قبل عقدين، كان الهاتف أداة اتصال.
اليوم قد يكون في الوقت نفسه وسيلة النشر، ومكان تخزين المحتوى، ومصدر بيانات الموقع، وسجل الاتصالات، ومستودع الصور، وربما أهم قطعة أدلة في القضية.
وفي قضية النائبتين الموريتانيتين، لم تقتصر الأحكام الابتدائية على السجن؛ شملت أيضًا مصادرة الهواتف وإغلاق الحسابات وحذف المحتوى المنشور.
هنا تظهر طبيعة العقوبة الرقمية الجديدة.
لم تعد المسألة دائمًا أن يسجن الإنسان أو يدفع غرامة.
يمكن أيضًا أن يفقد منبره الرقمي نفسه.
الخطر الآخر: الرقابة التي يمارسها المستخدم على نفسه
ربما تكون النتيجة الأصعب في القياس هي التي لا تصل أصلًا إلى المحكمة.
صحفي لا ينشر تقريرًا.
مواطن يمحو تعليقًا قبل إرساله.
مدون يبتعد عن موضوع.
مستخدم يعيد صياغة نقده خمس مرات خوفًا من أن تدخل كلمة ما تحت تعريف قانوني واسع.
النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين قالت في تقريرها لعام 2026 إن الضغوط المتراكمة ساهمت في تنامي الرقابة الذاتية داخل الوسط الإعلامي.
وهنا تصبح السيطرة – إذا حدثت – أكثر تعقيدًا.
الدولة ليست مضطرة إلى حذف كل منشور.
يكفي أحيانًا أن يعتقد المستخدم أن منشوره قد يقوده إلى المحكمة.
الأمن الرقمي وحرية التعبير ليسا نقيضين
في المقابل، سيكون من الخطأ اختزال كل تشريع إلكتروني في الرغبة في إسكات المواطنين.
الدول تواجه جرائم حقيقية وخطيرة عبر الإنترنت: الاحتيال المالي، الابتزاز، سرقة الهوية، اختراق المؤسسات، الاعتداء على الأطفال، شبكات الجريمة المنظمة، وتسريب البيانات.
ومن حق المجتمعات أن تمتلك قوانين وأدوات للتحقيق في هذه الجرائم.
المعضلة تبدأ عندما تصبح الحدود بين حماية النظام المعلوماتي وحماية السلطة من الكلام غير واضحة.
ولهذا ربما يكون الاختبار الأفضل لأي تشريع رقمي بسيطًا في صياغته وصعبًا في تطبيقه:
هل يحدد الجريمة بدقة؟
هل يشترط إثبات الضرر والقصد عندما يكونان ضروريين؟
هل توجد رقابة قضائية مستقلة؟
هل العقوبة متناسبة؟
وهل يستطيع المواطن أن يعرف مسبقًا، بدرجة معقولة من الوضوح، ما الذي يمنعه القانون من فعله؟
من بيرام إلى الرقم 54
رضيع موريتاني.
مرسوم تونسي.
صحفي مغربي.
مستخدم أردني.
وقوانين مختلفة من الخليج إلى العراق.
لا تجمع هذه الحالات منظومة قانونية واحدة، ولا ينبغي مساواتها أو افتراض أن دوافع الحكومات متطابقة.
لكنها تكشف تحولًا عربيًا أوسع:
المجال الرقمي أصبح جزءًا من المجال الذي تمارس فيه الدولة سلطتها القانونية، بينما أصبح الهاتف جزءًا من العلاقة اليومية بين المواطن والقانون.
وهنا تكمن المعركة الحقيقية.
فالسؤال لم يعد ما إذا كان الإنترنت يحتاج إلى قانون.
بالتأكيد يحتاج إليه.
السؤال هو أي قانون نريد:
قانونًا يطارد من يسرق حساب المواطن؟
أم قانونًا يستطيع أيضًا الوصول إلى المواطن بسبب ما كتبه في حسابه؟
بين الاثنين مساحة قانونية هائلة.
وفي تلك المساحة يقف رضيع اسمه بيرام، لم يكتب منشورًا، ولم يفتح حسابًا، ولم يعرف معنى الجريمة الإلكترونية.
ومع ذلك وصل إليه أثرها وهو في شهره الثالث.
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات