محررو لقطة AI – 13
19 سبتمبر 2026
لم يعد السؤال في كثير من البيوت السودانية: ماذا نشتري اليوم؟ بل: ماذا نستطيع أن نستغني عنه؟
بين الأسواق التي تتبدل أسعارها بسرعة، والرواتب التي تتآكل قيمتها، يعيش ملايين السودانيين نسخة يومية قاسية من اقتصاد الحرب؛ اقتصاد تتراجع فيه قيمة الدخل قبل أن يصل إلى صاحبه، بينما تتحول عمليات كانت عادية، مثل شراء السكر أو ركوب المواصلات أو الحصول على الوقود، إلى حسابات معقدة.
خلال سبتمبر دخل الجنيه السوداني موجة شديدة من التقلب. ففي 17 سبتمبر تحدث متعاملون عن تداول الدولار بنحو 7,600 جنيه في السوق الموازية بعد أن وصل في اليوم السابق إلى مستويات تراوحت بين 8,800 و9,000 جنيه للدولار، في انعكاس لحالة اضطراب تجعل تثبيت أسعار السلع أمراً بالغ الصعوبة.
لكن انهيار العملة ليس سوى الواجهة الأكثر وضوحاً لأزمة أعمق.
حين يفقد الراتب معناه
في الاقتصاد الطبيعي يمكن للأسرة أن تضع ميزانية للشهر. في السودان الحالي، قد تصبح الميزانية قديمة بعد أيام قليلة.
دراسة نشرها المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين السودانيين في سبتمبر قدّرت الاحتياجات الأساسية لأسرة من خمسة أفراد بنحو 4.18 مليون جنيه شهرياً، بينما بلغ متوسط راتب المعلم نحو 128 ألف جنيه فقط، أي ما يعادل قرابة 3% من التكلفة المقدرة للمعيشة بحسب اللجنة.
الفجوة لا تُسد بزيادة الراتب، لأنها أكبر من ذلك بكثير. ولهذا ابتكر السودانيون اقتصاداً منزلياً موازياً يقوم على تقليل الكميات، وتقاسم المصروف بين أفراد الأسرة، والاعتماد على تحويلات الأقارب، وتأجيل شراء الملابس والأثاث، وإلغاء كثير من النفقات التي كانت تعد عادية قبل الحرب.
الشراء نفسه تغير.
بدلاً من جوال كامل، تُشترى كمية صغيرة. وبدلاً من مخزون الشهر، يصبح التسوق لليوم أو ليومين. وما يمكن الاستغناء عنه يُستبعد، وما لا يمكن الاستغناء عنه يُشترى بأقل كمية ممكنة.
إنها ليست ثقافة استهلاك جديدة بقدر ما هي آلية دفاع ضد انهيار القوة الشرائية.
عندما يصبح السعر صالحاً لساعات فقط
أخطر ما يواجه السوق ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل عدم القدرة على معرفة السعر المقبل.
في 17 سبتمبر تحدثت تقارير من أم درمان والدويم عن إغلاق أعداد كبيرة من المتاجر ومحال الجملة مع تسارع تغير الأسعار وصعوبة تحديد تكلفة إعادة شراء البضاعة بعد بيعها. وارتفع سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً في أم درمان، وفق تلك التقارير، من نحو 350 ألفاً إلى 420 ألف جنيه.
هذه الحالة تخلق دائرة مغلقة: التاجر يخشى بيع بضاعته بسعر لن يستطيع شراء البديل به، والمستهلك يخشى الاحتفاظ بالجنيه لأنه يفقد قيمته، فيزداد الطلب على الدولار والذهب والسلع، فتزداد الضغوط مرة أخرى على العملة.
وبذلك يتحول الدولار، حتى بالنسبة لمن لم يشترِ دولاراً في حياته، إلى رقم حاضر على مائدة الطعام.
«الكاش» و«بنكك».. قيمة لا تتساوى دائماً
الحرب لم تضرب الإنتاج والتجارة فقط، بل هزت النظام المصرفي نفسه.
ويقول برنامج الأغذية العالمي إن السودان يعاني أزمة مصرفية حادة ونقصاً واسعاً في السيولة النقدية، الأمر الذي دفع قطاعات كبيرة من السكان إلى الاعتماد على التحويلات الإلكترونية.
لكن الاعتماد الكبير على التطبيقات المصرفية أوجد مشكلة أخرى. فتعطل الخدمات الرقمية، ولو لساعات، يمكن أن يشل عمليات شراء الوقود والخبز والمواصلات.
وهنا ظهرت مفارقة قاسية: المال موجود في الحساب، لكن صاحبه قد يعجز عن تحويله إلى سلعة في اللحظة التي يحتاج إليها.
وفي بعض المناطق أصبح للكاش قيمة تختلف عملياً عن قيمة التحويل الإلكتروني، مع ظهور خصومات وعمولات وممارسات متفاوتة عند تحويل الرصيد الرقمي إلى سيولة أو سلع.
الوقود ينقل الأزمة إلى كل شيء
ارتفاع الوقود لا يبقى داخل محطة البنزين.
في منتصف سبتمبر رفعت بعض الولايات أسعار الوقود بعد زيادة سعر الدولار الجمركي المستخدم في حساب الواردات بنحو 9%. وفي كسلا، على سبيل المثال، أفادت تقارير بأن سعر لتر البنزين ارتفع بأكثر من 20%.
النتيجة تنتقل سريعاً إلى أجرة المواصلات، ثم تكلفة نقل الخضروات والحبوب، ثم أسعار المتاجر.
ويربط مسؤولون حكوميون جانباً من تراجع العملة باتساع الحاجة للنقد الأجنبي وارتفاع الواردات مقارنة بالصادرات وتكاليف النقل والتأمين والطاقة، بينما تشير تقديرات مؤسسات دولية إلى جذور أعمق ترتبط بتدمير الإنتاج والتجارة والبنية الأساسية نتيجة الحرب.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى انكماش اقتصادي حاد منذ اندلاع الحرب، وهو ما يعني عملياً مصانع أقل، ووظائف أقل، ودخولاً أضعف، وقدرة محدودة للدولة على توفير الخدمات واستعادة النشاط الاقتصادي.
من أزمة أسعار إلى أزمة غذاء
حين تفقد العملة قيمتها، لا يتأثر جميع الناس بالدرجة نفسها.
من يملك دخلاً بالدولار أو يتلقى تحويلات من الخارج يستطيع امتصاص جزء من الصدمة. أما الموظف والعامل وصاحب الدخل الثابت والنازح والأسرة التي فقدت مصدر رزقها، فيدفعون الثمن الأكبر.
وتتجاوز الأزمة اليوم مفهوم «الغلاء». فبرنامج الأغذية العالمي يقدر أن ملايين السودانيين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تستمر الحاجة إلى المساعدات وسط فجوات تمويلية كبيرة.
وهنا يتكشف وجه اقتصاد الحرب الحقيقي.
أسرة تقلص وجباتها، وأخرى تعتمد على قريب في الخارج، وموظف يعمل عملاً إضافياً، وتاجر يعيد التسعير أكثر من مرة، ومواطن يحتفظ بأمواله في تطبيق مصرفي لكنه يبحث في الوقت نفسه عن «كاش» ليكمل يومه.
السودانيون لا يهزمون التضخم بهذه الوسائل؛ إنهم فقط يحاولون ألا يهزمهم التضخم قبل نهاية اليوم.
والفارق كبير.
لأن صمود الأسرة يمكن أن يؤجل السقوط، لكنه لا يعيد إنتاجاً توقف، ولا يصلح نظاماً مصرفياً تضرر، ولا يعيد للجنيه قيمته، ولا يفتح الطرق والأسواق، ولا يعوض ملايين الأسر عن الوظائف والممتلكات التي فقدتها.
اقتصاد الحرب قد يستطيع العيش طويلاً على التأقلم الشعبي، لكن تكلفة هذا التأقلم تُدفع من الطعام والصحة والتعليم ومدخرات الأسر ومستقبل أبنائها.
محررو لقطة AI – 13
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات