محررو لقطة AI – 3
19 سبتمبر 2026
لم يعد خطاب الحرب في السودان محصورًا في كردفان ودارفور والنيل الأزرق.
في الخرطوم، الجمعة، نقل قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان الأزمة الاقتصادية نفسها إلى قاموس الحرب، واصفًا التدهور المعيشي والضغوط الاقتصادية التي تمر بها البلاد بأنها معركة أخرى يتعين الانتصار فيها.
وجاءت تصريحات البرهان بعد صلاة الجمعة، في وقت يواجه فيه السودانيون منذ نحو أسبوعين موجة حادة من الضغوط الاقتصادية ارتبطت بتراجع قيمة الجنيه وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.
لكن أهمية الخطاب لا تكمن في العبارة وحدها.
ففي اليوم نفسه، قدم وزير المالية جبريل إبراهيم تفسيرًا سياسيًا أكثر وضوحًا لاضطراب السوق، إذ أرجع التقلبات إلى المضاربة في العملات وما وصفه بـ«حملة اقتصادية منظمة» تستهدف زعزعة الدولة.
وهنا يصبح السؤال الاقتصادي أكثر حساسية:
هل ما يحدث للجنيه نتيجة حرب اقتصادية منظمة، أم نتيجة الاختلالات العميقة التي أحدثتها الحرب نفسها؟
اقتصاد يعيش تحت الحرب
المؤكد أن الاقتصاد السوداني لم يدخل أزمته الحالية من فراغ.
الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 أخرجت قطاعات إنتاجية من الخدمة، وألحقت أضرارًا بالبنية التحتية والمصانع والأسواق، وعطلت طرق التجارة، ووسعت الإنفاق العسكري في الوقت الذي تراجعت فيه الإيرادات العامة.
والنتيجة أن قيمة الجنيه أصبحت شديدة الحساسية لأي زيادة في الطلب على العملات الأجنبية.
قبل أيام، قال وزير المالية نفسه إن زيادة الواردات والطلب على النقد الأجنبي من الأسباب التي تقف وراء تراجع العملة السودانية.
أما الجمعة، فقد ركز خطابه بصورة أكبر على المضاربة وما وصفه بمحاولة اقتصادية منظمة لزعزعة الدولة.
والفارق بين التفسيرين مهم.
فإذا كان السبب الرئيسي اختلال الواردات والصادرات ونقص النقد الأجنبي، فإن العلاج اقتصادي في المقام الأول: زيادة الإنتاج والصادرات، وتوفير العملات الأجنبية، وتقليص فجوة الميزان التجاري.
أما إذا كانت الحكومة ترى أن المضاربة المنظمة هي المحرك الأساسي، فقد تتجه بدرجة أكبر نحو الإجراءات الأمنية والرقابية في سوق العملات.
وغالبًا ما تكون الأزمة أعقد من تفسير واحد.
الجنيه هو المكان الذي يشعر فيه المواطن بالحرب
يمكن للحكومة أن تعلن تقدمًا عسكريًا في منطقة ما.
لكن المواطن يقيس الأزمة بطريقة أخرى.
كم أصبح سعر الدقيق؟
كم يكلف الوقود؟
هل يستطيع شراء الدواء؟
وكم يحتاج من الجنيهات للحصول على الدولار الذي يمول جانبًا كبيرًا من الواردات؟
ولهذا فإن معركة الاقتصاد تختلف جذريًا عن المعركة العسكرية.
السيطرة على مدينة يمكن إعلانها في بيان.
أما استعادة الثقة في العملة فلا تتحقق ببيان.
تحتاج إلى زيادة الإنتاج، وتدفقات حقيقية من النقد الأجنبي، وانضباط مالي، ونظام مصرفي قادر على العمل، وأسواق تثق بأن الجنيه الذي تحتفظ به اليوم لن يفقد جزءًا جديدًا من قيمته غدًا.
البرهان يربط المعركتين
البرهان قال إن السودان سينتصر في المعركة الاقتصادية كما قال إن الجيش أخرج قوات الدعم السريع من الخرطوم ومدن أخرى، وجدد في الوقت نفسه تأكيد استمرار العمليات العسكرية ضد الدعم السريع. كما كرر رفضه للحلول السياسية التي قال إنها تُفرض من الخارج، ودعا إلى أن يأتي الحل من حوار سوداني داخلي.
وبذلك جمع في خطاب واحد ثلاثة ملفات:
الحرب العسكرية.
الأزمة الاقتصادية.
والتسوية السياسية.
هذا الربط يكشف الطريقة التي تنظر بها القيادة العسكرية إلى المرحلة الحالية: الضغط الاقتصادي ليس ملفًا منفصلًا عن الحرب، والتسوية السياسية لا ينبغي — وفق موقف البرهان — أن تأتي بشروط خارجية.
لكن بالنسبة للمواطن، تبقى النتيجة العملية أهم من توصيف مصدر الأزمة.
وزير المالية: الاقتصاد ما يزال قادرًا على الصمود
جبريل إبراهيم دافع الجمعة عن إدارة الحكومة للاقتصاد، وقال خلال لقاء مع قيادات أهلية إن الاقتصاد ما يزال صامدًا رغم المصاعب التي يواجهها المواطنون.
وهذه العبارة ستخضع لاختبار سريع في السوق.
فالاقتصاد قد يكون قادرًا على الاستمرار من منظور الدولة، بينما تكون قدرة الأسر على الصمود تتآكل.
وهناك فرق بين الاثنين.
يمكن للحكومة أن تستمر في تحصيل إيرادات وتمويل مؤسساتها.
لكن الأسرة التي أصبح دخلها يشتري نصف ما كان يشتريه قبل أشهر تعيش تعريفًا مختلفًا تمامًا لـ«الصمود».
ولهذا ينبغي أن تكون المؤشرات المقبلة ملموسة:
هل يستقر سعر الصرف؟
هل تنخفض أسعار السلع؟
هل تتوفر العملات الأجنبية للمستوردين عبر القنوات الرسمية؟
وهل تتحول الإجراءات الحكومية المرتقبة إلى نتائج يلمسها المستهلك؟
معركة لا تُحسم بالخطاب
وصف الأزمة الاقتصادية بأنها معركة قد يكون مفهومًا في بلد يخوض حربًا واسعة.
لكن الاقتصاد لا يعرف الانتصارات المعنوية.
السوق يسأل عن العرض والطلب.
والمستورد يسأل عن الدولار.
والعامل يسأل عن القوة الشرائية لراتبه.
والمزارع يسأل عن الوقود والمدخلات والطريق الذي ينقل إنتاجه إلى السوق.
لهذا فإن الاختبار الحقيقي لخطاب الجمعة يبدأ بعد انتهاء الخطبة.
إذا استطاعت الحكومة تثبيت العملة، وإعادة جزء من الإنتاج، وزيادة الصادرات، وتقليص فجوة النقد الأجنبي، سيكون الحديث عن «معركة الاقتصاد» مرتبطًا بنتيجة قابلة للقياس.
أما إذا استمر تآكل الجنيه وارتفاع الأسعار، فلن يكون توصيف الأزمة باعتبارها حربًا اقتصادية كافيًا لتفسير ما يحدث في جيب المواطن.
في ساحات القتال يمكن أن يتغير خط الجبهة خلال ساعات.
أما في الاقتصاد، فالجبهة موجودة داخل كل سوق وكل راتب وكل وجبة سودانية.
وهذه ربما تكون المعركة التي لا يستطيع أي طرف إعلان الانتصار فيها قبل أن يشعر به الناس.
محررو لقطة AI – 3
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات