محررو لقطة AI – 7
19 سبتمبر 2026
في مدينة أنهكتها الحرب وارتفعت فيها تكاليف المعيشة، تحول سوق شعبي صغير في أحد أحياء نيالا إلى قضية تتجاوز الأكشاك والرواكيب إلى سؤال أكبر عن الأرض العامة ومن يملك حق التصرف فيها.
سكان من حي الوحدة غرب مدينة نيالا، عاصمة جنوب دارفور، يعترضون على محاولات إزالة سوق التبلدية وتحويل الموقع إلى مشروع تعليمي خاص، مؤكدين أن السوق ظل مرفقًا عامًا يخدم المنطقة والأحياء المجاورة منذ عقود.
ووصل الاعتراض إلى الشارع؛ إذ نظم مواطنون وقفة احتجاجية أمام المحكمة في نيالا مطالبين السلطات القضائية والتنفيذية بالتدخل ووقف إزالة السوق.
لكن خلف الاحتجاج نزاع طويل ومعقد، وروايات متعارضة بشأن ملكية الأرض والقرارات التي صدرت حولها.
سوق يعود إلى مخطط 1976
بحسب أحمد إسماعيل، رئيس اللجنة المدنية للحارة السابعة، فإن سكان المنطقة يعرفون سوق التبلدية منذ طفولتهم، وإن المساحة المخصصة له أجيزت ضمن خطة إسكانية تعود إلى عام 1976.
ويقول إن السوق يقع جنوب الحارة الثالثة ويخدم حي الوحدة ومناطق مجاورة، وإن السكان يعتمدون عليه للحصول على احتياجاتهم اليومية.
وهذه النقطة تقع في قلب اعتراض الأهالي.
فهم لا يتعاملون مع الموقع باعتباره أرضًا خالية يجري التنافس عليها، وإنما باعتباره مرفقًا عامًا استقر استخدامه لعقود.
ويضم السوق أكشاكًا ورواكيب وباعة يعتمدون عليه في كسب أرزاقهم، إضافة إلى دوره في توفير السلع لسكان المنطقة.
نزاع أقدم من الحرب
القضية، بحسب الروايات المنشورة، لم تبدأ بعد اندلاع حرب أبريل 2023.
رئيس اللجنة المدنية يقول إن الشخص المطالب بالأرض كانت لديه طاحونة داخل السوق منذ ثمانينيات القرن الماضي، وإن الحكومة عوضته قبل أكثر من عشرين عامًا.
كما يقول إن النزاع ظل متداولًا سنوات طويلة وإن قرارات سابقة صدرت بشأن الموقع، لكن تنفيذها لم يكتمل.
مصدر محلي آخر أشار إلى أن إجراءات التقاضي بشأن القضية تعود إلى عام 2013 على الأقل.
هذه التفاصيل مهمة لأنها تمنع اختزال القضية في رواية بسيطة عن «سوق أزيل فجأة».
الأدق أن هناك نزاعًا قانونيًا وعقاريًا قديمًا عاد إلى الواجهة في ظرف سياسي وأمني استثنائي.
ماذا تقول المحكمة؟
هنا تظهر نقطة تحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
تقرير «متابعات دارفور» نقل عن رئيس اللجنة المدنية قوله إن القضاء في نيالا أصدر حكمًا بإزالة سوق التبلدية واستبداله بمدرسة خاصة تتبع لشخص، بينما يقول الأهالي إن هناك قرارات ولائية أقدم أعادت الموقع إلى السوق.
أما «راديو دبنقا» فنقل عن ممثل المواطنين أن قرارات سابقة قضت بنزع موقع المدرسة الخاصة وتعويض صاحب المطالبة، وأن النزاع استمر رغم تلك القرارات.
ولا تتوافر في المصادر التي راجعتها نسخة منشورة من الحكم القضائي الأخير كاملًا أو وثائق الملكية التي تسمح لـ«لقطة AI» بحسم الطرف صاحب الحق القانوني في الأرض.
ولذلك فإن القول إن هناك «تغولًا» على السوق يجب أن يبقى منسوبًا إلى المواطنين، لا أن يقدم كحقيقة قضائية محسومة.
مدرسة خاصة أم مجمع لتحفيظ القرآن؟
هناك كذلك اختلاف يستحق التنبيه إليه.
«راديو دبنقا» وصف المشروع محل النزاع بأنه مدرسة خاصة، بينما نقل تقرير «متابعات دارفور» اعتراض السكان على تحويل الموقع إلى مجمع خاص لتحفيظ القرآن الكريم.
هذا الاختلاف في توصيف المشروع يجعل الحصول على مستندات الأرض والحكم القضائي أكثر أهمية قبل الجزم بطبيعة المنشأة التي يراد إقامتها.
لكن الطرفين يتفقان على جوهر القضية: السكان يريدون استمرار الموقع سوقًا عامًا ويرفضون تحويله إلى منشأة خاصة.
«لدينا مدارس.. ونحتاج السوق»
الأهالي يطرحون أيضًا حجة مرتبطة بالخدمات.
أحمد إسماعيل يقول إن المنطقة لا تعاني نقصًا في المدارس أو دور العبادة، وإن الحارة السابعة تضم ثلاثة مساجد، أحدها يحتوي على خلوة، إلى جانب عدد من المدارس.
وبالتالي، فإن اعتراض السكان – وفق روايتهم – ليس رفضًا لبناء مدرسة من حيث المبدأ.
بل إنهم يسألون لماذا ينبغي إقامة المشروع فوق سوق قائم يوفر خدمة يومية وفرص دخل للمواطنين، بدل اختيار موقع آخر.
وهذا سؤال اقتصادي بقدر ما هو عقاري.
السوق في زمن الحرب ليس مجرد قطعة أرض
في الظروف الطبيعية يمكن النظر إلى السوق بوصفه مرفقًا تجاريًا.
لكن نيالا في 2026 ليست مدينة تعيش ظروفًا طبيعية.
الحرب أضرت بالنشاط التجاري والبنية التحتية، ودمرت أو عطلت أجزاء من الأسواق، بينما اتجه تجار وباعة إلى مساحات وشوارع بديلة للحفاظ على مصادر دخلهم.
وتظهر تقارير سابقة من نيالا كيف دفعت الحرب واضطراب الأسواق عددًا من السكان إلى البيع في الطرق والأماكن المفتوحة بعد فقدان أعمالهم الأصلية.
لهذا فإن إزالة سوق محلي الآن لا تعني نقل طاولات وبضائع فقط.
بالنسبة إلى بعض الأسر قد تعني إزالة مصدر الدخل نفسه.
والأرض في نيالا أصبحت قضية أكبر
نزاع سوق التبلدية يأتي أيضًا وسط نقاش أوسع بشأن الأراضي العامة والخاصة في نيالا خلال الحرب.
تقارير صحفية نشرت خلال الأشهر الماضية تحدثت عن شكاوى واتهامات بحدوث تغييرات في تخطيط أراضٍ ومواقع عامة بالمدينة منذ إنشاء الإدارة المدنية في جنوب دارفور عام 2024. بعض هذه التقارير تحدث عن مواقع في حي تكساس ومناطق أخرى من نيالا، ونقلت مطالبات بمراجعة التصرفات العقارية.
لكن لا ينبغي تلقائيًا اعتبار سوق التبلدية جزءًا مثبتًا من تلك الحالات.
فالنزاع حوله، كما تظهر إفادات السكان، أقدم بكثير من الحرب الحالية.
ما يجمع القضيتين هو أن ملف الأرض أصبح شديد الحساسية في مدينة تتغير فيها المؤسسات وموازين السلطة بينما تستمر الحرب.
مفارقة بعد يوم واحد
وتبرز مفارقة لافتة في التوقيت.
ففي 15 سبتمبر، أي بعد الاحتجاج بيوم تقريبًا، تفقد محمد حسن التعايشي السوق الكبير في نيالا، وتحدث خلال الجولة عن أهمية الأسواق في توفير احتياجات المواطنين ودعم أصحاب الأعمال والمشروعات الصغيرة وتنشيط الاقتصاد المحلي.
زيارة السوق الكبير ليست مرتبطة، بحسب المعلومات المنشورة، بنزاع سوق التبلدية.
لكنها تكشف التحدي الذي تواجهه السلطات في المدينة:
كيف يمكن الحديث عن حماية النشاط التجاري وتنظيم الأسواق، بينما يطالب سكان حي كامل في الوقت نفسه بالحفاظ على سوق يقولون إنه يخدمهم منذ عقود؟
ما الذي يجب كشفه الآن؟
الحسم الحقيقي لن يأتي من الاحتجاج ولا من التصريحات المضادة.
الوثائق هي التي تستطيع الإجابة.
هل موقع سوق التبلدية مثبت بالفعل في مخطط 1976 كسوق عام؟
من يملك شهادة البحث الحالية؟
ما طبيعة التعويض الذي يقول الأهالي إنه دُفع لصاحب المطالبة السابق؟
وما نص الحكم القضائي الأخير الذي يستند إليه قرار الإزالة؟
هذه المستندات، إذا نشرت، تستطيع تحويل القضية من تبادل للاتهامات إلى مسألة يمكن فحصها قانونيًا.
وإلى أن يحدث ذلك، يظل الثابت أن سوقًا يستخدمه السكان منذ عقود أصبح مهددًا بالإزالة، وأن مواطنين خرجوا إلى المحكمة دفاعًا عنه، بينما لا تزال الملكية القانونية ومسار القرارات السابقة بحاجة إلى كشف وثائقي كامل.
في ظاهرها، المعركة على مساحة من الأرض في أحد أحياء نيالا.
لكن بالنسبة للبائع الذي يعيش من كشك صغير، وللأسرة التي تشتري احتياجاتها اليومية من السوق، السؤال أكثر بساطة:
إذا أزيل سوق التبلدية، أين يذهب الناس في اليوم التالي؟
محررو لقطة AI – 7
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات