الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

مدارس بلا ماء ولا مقاعد.. الحرب تدفع ثمانية ملايين طفل سوداني خارج الفصول

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

مدارس بلا ماء ولا مقاعد.. الحرب تدفع ثمانية ملايين طفل سوداني خارج الفصول
💬 تعليق 0

محررو لقطة 19

27 أكتوبر 2026

لم تعد أزمة التعليم في السودان مرتبطة بإغلاق المدارس أو تدمير مبانيها خلال الحرب فحسب، إذ تكشف بيانات جديدة أن معظم المدارس القائمة تفتقر إلى أبسط مقومات البيئة التعليمية الآمنة، وفي مقدمتها مياه الشرب ودورات المياه ومرافق غسل اليدين، بينما يعيش ملايين الأطفال خارج الفصول الدراسية منذ اندلاع القتال في أبريل 2023.

ورسم تقييم أجرته منظمة «كير الدولية» صورة قاتمة لمستقبل التعليم في البلاد، إذ أشار إلى أن نحو ثمانية ملايين طفل لا يحصلون على أي شكل من أشكال التعليم داخل الفصول، بينما تأثر أو انقطع تعليم ما بين 19 و19.5 مليون طفل، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» وصندوق «التعليم لا ينتظر».

وتكشف الأرقام أن الأزمة لا تنتهي بمجرد إعلان إعادة فتح المدارس. فمن أصل 19 ألفاً و883 مدرسة في السودان، أعيد فتح 12 ألفاً و243 مدرسة فقط، لترتفع نسبة المدارس المفتوحة من 32% في أبريل 2025 إلى نحو 62% بحلول مايو 2026.

لكن إعادة فتح أبواب المدرسة لا تعني بالضرورة قدرتها على استقبال التلاميذ أو توفير بيئة مناسبة للتعليم. فكثير من المدارس تعاني الاكتظاظ ونقص المقاعد والكتب والمعلمين، إلى جانب غياب المياه وخدمات الصرف الصحي ومخاطر أمنية تهدد التلاميذ والعاملين.

وتبدو أزمة المياه داخل المدارس من أكثر جوانب التقرير إثارة للقلق؛ إذ توجد شبكات مسجلة لمياه الشرب في 202 مدرسة فقط من إجمالي 19 ألفاً و883 مدرسة. كما لا تتوافر مرافق غسل اليدين سوى في 55 مدرسة، بينما توجد دورات مياه في 22 مدرسة فقط، بحسب البيانات التي استند إليها التقييم.

ولا يمثل غياب هذه الخدمات مشكلة صحية فحسب، بل يتحول إلى سبب مباشر للتسرب من التعليم، خصوصاً بين الفتيات. وتشير البيانات الأساسية الواردة في التقرير إلى انخفاض معدلات إكمال الفتيات تعليمهن إلى النصف في المناطق التي تفتقر مدارسها إلى دورات المياه.

وتتفاوت حدة الأزمة من ولاية إلى أخرى، لكنها تبلغ مستويات كارثية في مناطق الحرب. ففي شمال دارفور لم تتجاوز نسبة المدارس المفتوحة 3%، إذ تعمل 33 مدرسة فقط من أصل 1118 مدرسة. ويحتاج نحو 1.13 مليون طفل في الولاية إلى خدمات التعليم، بينما يقترب عدد الموجودين خارج المدارس من 1.09 مليون طفل.

وفي جنوب دارفور، أعيد فتح 13% فقط من المدارس، ولا يزال نحو 1.09 مليون طفل خارج العملية التعليمية. أما شرق دارفور فسجلت وجود نحو 482 ألف طفل خارج المدارس، في وقت تفرض فيه 89% من المدارس رسوماً دراسية، ما يضع عبئاً إضافياً على الأسر التي فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب والنزوح.

ولم تتجاوز نسبة المدارس المفتوحة في غرب كردفان 15%، بينما ارتفعت معدلات التسرب من الدراسة إلى 88%، وهي النسبة الأعلى التي رصدها التقرير. وسجلت شمال كردفان أكبر عدد من الأطفال المحتاجين إلى التعليم على مستوى البلاد، بنحو 1.19 مليون طفل.

وفي الخرطوم، بلغ عدد الأطفال الموجودين خارج المدارس 833 ألفاً و18 طفلاً، بما يمثل 61.1% من الأطفال في سن الدراسة. وانخفض الالتحاق بالتعليم الثانوي إلى 13% فقط من مستواه قبل اندلاع الحرب، ما ينذر بفقدان جيل كامل فرصته في إكمال تعليمه والانتقال إلى الجامعات أو التدريب المهني.

كما أعاد النزوح رسم خريطة الطلب على التعليم. فقد استقبلت ولايات الوسط والشرق أعداداً كبيرة من النازحين والعائدين، من دون امتلاك المدارس القدرة على استيعابهم. وفي مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، ارتفع عدد التلاميذ داخل الفصل الواحد من نحو 70 أو 80 طالباً قبل الحرب إلى ما بين 150 و180 طالباً.

وتحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين، خصوصاً في ولاية البحر الأحمر، ما أدى إلى تعليق الدراسة فيها. ووفق تقييم «كير الدولية»، تُستخدم 18% من المدارس السودانية مراكز إيواء، وهو ما يحرم الأطفال من التعليم حتى في المناطق التي لم تتعرض فيها المباني المدرسية للتدمير المباشر.

ولا يمكن فصل انهيار التعليم عن أزمة حماية الأطفال. فالبقاء خارج المدرسة يزيد مخاطر تجنيد القاصرين في التشكيلات المسلحة، وعمالة الأطفال، والزواج المبكر والعنف القائم على النوع الاجتماعي. وأورد التقرير تقديرات أممية وثقت تجنيد 234 طفلاً بواسطة جماعات مسلحة، وتعرض 187 فتاة للعنف الجنسي خلال عامي 2023 و2024.

وتواجه العملية التعليمية كذلك أزمة حادة في المعلمين، بعدما ظلت رواتب كثير منهم غير مدفوعة أو تُصرف بصورة جزئية لفترات تراوحت بين ثلاث وأربع سنوات. ودفع ضعف الأجور والحوافز بعض المعلمين إلى مغادرة المهنة والبحث عن مصادر أخرى للعيش، بينما أدى توقف قدرات الطباعة الوطنية خلال الحرب إلى نقص الكتب والمناهج والوسائل التعليمية.

ويكشف التقرير أن الحديث عن استئناف الدراسة من دون توفير المياه ودورات المياه والمعلمين والكتب والمقاعد لا يعكس عودة حقيقية للتعليم. فالمدرسة التي تفتح أبوابها ولا تستطيع حماية الأطفال أو توفير مياه الشرب لهم تظل جزءاً من الأزمة، حتى وإن أُدرجت رسمياً ضمن المدارس العاملة.

ويتطلب إنقاذ التعليم تمويلاً عاجلاً لإعادة تأهيل المدارس ورفع أجور المعلمين وتوفير الكتب والمواد الدراسية، إلى جانب نقل النازحين المقيمين في المنشآت التعليمية إلى مراكز إيواء بديلة تحفظ كرامتهم وتتيح إعادة المدارس إلى وظيفتها الأساسية.

إن استمرار ثمانية ملايين طفل خارج الفصول لا يعني ضياع سنوات دراسية فقط، بل يهدد مستقبل السودان نفسه. فالحرب التي تهدم المدرسة وتقطع راتب المعلم وتحرم التلميذ من الماء، تفتح الطريق أمام الأمية والاستغلال والتجنيد والفقر، وتترك جيلاً كاملاً يدفع ثمن نزاع لم يكن طرفاً فيه.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

المصادر:

  • منظمة «كير الدولية»: التقييم السريع للاحتياجات والفجوات والخيارات البرامجية للتعليم في السودان. 
  • سودان تربيون، 26 أكتوبر 2026. 
  • رويترز: أكثر من ثمانية ملايين طفل سوداني خارج التعليم بسبب الحرب، 22 يناير 2026. 

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً