محررو لقطة AI
3 نوفمبر 2026
تكشف المؤشرات الإنسانية في السودان عن اتساع أزمة سوء التغذية، مع تجاوز نحو 49% من مسوحات التغذية المنفذة في البلاد عتبة الطوارئ المعتمدة دولياً. ولا تعني هذه النسبة أن 49% من الأطفال السودانيين يعانون سوء التغذية، بل تشير إلى أن هذه الحصة من المسوحات سجلت معدلات تتجاوز الحد الذي تعتبره منظمة الصحة العالمية مؤشراً على حالة طوارئ غذائية.
ويكتسب المؤشر خطورته من أنه يعكس انتشار مستويات مرتفعة من سوء التغذية الحاد في مناطق متعددة، في وقت تتراجع فيه قدرة النظام الصحي على تقديم العلاج، وتتسع فيه حركة النزوح، وتتزايد صعوبات وصول المساعدات الإنسانية إلى المجتمعات الأكثر تضرراً.
ماذا تعني عتبة الطوارئ؟
تعتمد الجهات الصحية والإنسانية، ومنها منظمة الصحة العالمية، مؤشرات موحدة لقياس سوء التغذية الحاد، أبرزها معدل سوء التغذية الحاد العام بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهراً. وعندما يتجاوز هذا المعدل 15% في منطقة معينة، فإنه يدخل نطاق الطوارئ، بينما يمثل بلوغ 30% أو أكثر مستوى بالغ الخطورة يرتبط بعتبة المجاعة في تصنيفات سوء التغذية.
وتشير بيانات اليونيسف المنشورة في تقرير الوضع الإنساني لشهر فبراير 2026 إلى أن نتائج 78 مسحاً تغذوياً موثقاً في محليات سودانية منذ يناير 2025 أظهرت تجاوز نحو نصف المناطق التي شملتها المسوحات عتبة الطوارئ البالغة 15%. وأُجريت ستة مسوحات إضافية خلال فبراير، لتحديث أولويات التدخل وتحديد المناطق الأكثر احتياجاً.
وهذا يعني أن الأزمة لا تقتصر على حالات فردية أو مناطق محدودة، بل تكشف عن انتشار جغرافي واسع لمستويات خطرة من سوء التغذية، مع ضرورة الانتباه إلى أن المسوحات لا تغطي جميع مناطق البلاد، خصوصاً المناطق التي يتعذر الوصول إليها بسبب القتال وانعدام الأمن.
دارفور وكردفان في قلب الأزمة
تظل ولايات دارفور من أكثر المناطق تضرراً، خاصة مع موجات النزوح التي أعقبت تصاعد المعارك وسقوط الفاشر في يد قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025. فقد وصلت عائلات كثيرة إلى مناطق تعاني أصلاً نقص الغذاء والمياه والخدمات الصحية، ما زاد الضغط على المجتمعات المضيفة ومراكز الإيواء.
وفي ديسمبر 2025، سجلت مسوحات التغذية في محليتي أم برو وكرنوي بشمال دارفور مستويات تجاوزت حتى عتبة المجاعة الخاصة بسوء التغذية الحاد؛ إذ بلغ المعدل نحو 52.9% في أم برو و34% في كرنوي بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهراً. وسجلت حالات سوء التغذية الحاد الوخيم نسباً بلغت 18.1% و7.8% على التوالي.
وفي أكتوبر 2026، حذرت مبادرة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) من تزايد خطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان الكبرى، مشيرة إلى أن النزاع والنزوح والجفاف ونقص التمويل الإنساني تتضافر لدفع الأوضاع نحو مزيد من التدهور.
الحرب والجفاف وانهيار الخدمات
لا تنفصل أزمة سوء التغذية عن التراجع الواسع في قدرة الأسر على الحصول على الغذاء. فقد أدت الحرب إلى تعطيل الأسواق والطرق التجارية، وتراجع الإنتاج الزراعي، وفقدان مصادر الدخل، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الأساسية. وأصبح ملايين السودانيين يعتمدون على المساعدات أو على تقليص عدد الوجبات وكمياتها لتدبير احتياجاتهم اليومية.
وتضيف الظروف المناخية عبئاً جديداً؛ إذ حذرت الجهات الإنسانية من جفاف مرتبط بظاهرة النينيو يؤثر على أكثر من نصف مساحة السودان، ويهدد المحاصيل والمياه ومصادر رزق المجتمعات الزراعية والرعوية. ويؤدي اجتماع الجفاف مع النزاع إلى إضعاف قدرة الأسر على التعافي حتى في المناطق التي تشهد تراجعاً نسبياً في القتال.
وتزداد المخاطر عندما يتزامن نقص الغذاء مع تراجع الخدمات الصحية والمياه النظيفة. فالأطفال الذين يعانون سوء التغذية يصبحون أكثر عرضة للمضاعفات الناتجة عن أمراض مثل الحصبة والكوليرا، كما أن الإسهال والالتهابات المتكررة قد تزيد سوء حالتهم الغذائية وتسرّع تدهور صحتهم.
ووفق منظمة الصحة العالمية، توقفت 37% من المنشآت الصحية في السودان عن العمل بحلول عام 2026، بينما دعمت المنظمة 161 مركزاً عاملاً لتثبيت حالات سوء التغذية، وساعدت في علاج أكثر من 26 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد المصحوب بمضاعفات طبية خلال الفترة من يناير إلى أغسطس.
نقص التمويل يهدد الاستجابة الإنسانية
على الرغم من اتساع الاحتياجات، تواجه المنظمات الإنسانية فجوة كبيرة في التمويل، تحد من قدرتها على توفير الأغذية العلاجية والأدوية وتشغيل المراكز الصحية والفرق المتنقلة. وأشارت منظمة الصحة العالمية في أكتوبر إلى أن التمويل المتاح لندائها الإنساني الخاص بالسودان لم يتجاوز 23% من إجمالي الاحتياجات المقدرة بنحو 97.7 مليون دولار.
وتحذر هذه الفجوة من أن استمرار تقديم الخدمات بالمستوى الحالي لن يكون كافياً لمواجهة التدهور، خاصة في المناطق التي يصعب الوصول إليها أو التي تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين.
وكانت اليونيسف قد قدرت في مايو 2026 أن نحو 825 ألف طفل دون الخامسة قد يواجهون سوء التغذية الحاد الوخيم خلال العام، فيما احتاج نحو 19.5 مليون شخص إلى مساعدات غذائية بسبب مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد. وهذه الأرقام توضح حجم الأزمة، لكنها تقيس جوانب مختلفة؛ فلا ينبغي الخلط بين عدد المحتاجين إلى الغذاء وعدد الأطفال المصابين بسوء التغذية.
ما المطلوب لمنع اتساع الكارثة؟
تتطلب مواجهة الأزمة تحركاً يتجاوز توزيع الغذاء بصورة طارئة، ويشمل ضمان وصول المساعدات دون عوائق إلى المناطق المتضررة، وتوفير الأغذية العلاجية للأطفال، وإعادة تشغيل المراكز الصحية، وتأمين المياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي، ودعم الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة.
كما أن استمرار القتال وعرقلة طرق الإمداد يهددان بتحويل حالات سوء التغذية القابلة للعلاج إلى وفيات يمكن تجنبها. ولذلك فإن حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني ووقف استهداف البنية التحتية ليست قضايا منفصلة عن الاستجابة الغذائية، بل شروط أساسية لنجاحها.
إن تجاوز قرابة نصف المسوحات عتبة الطوارئ يمثل إنذاراً يتطلب التعامل معه باعتباره أزمة وطنية واسعة، لا مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية. فكل تأخير في إيصال الغذاء والعلاج والمياه إلى الأطفال والأسر الأكثر ضعفاً يرفع كلفة الأزمة الإنسانية، ويجعل التعافي بعد الحرب أكثر صعوبة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات