×

الخرطوم بين العودة إلى الدولة وإنهاء إرث الحرب

الخرطوم بين العودة إلى الدولة وإنهاء إرث الحرب

المحرر | خاص لموقع lagtaai.com

ربما لم تعد المعركة الكبرى في الخرطوم تدور حول استعادة المباني أو عودة الوزارات، بل حول سؤال أكثر تعقيداً: كيف يمكن إنهاء إرث الحرب الذي استقر داخل المدينة طوال السنوات الماضية؟

فالخرطوم التي كانت تمثل قلب الدولة السودانية، تحولت خلال سنوات الحرب إلى مساحة مفتوحة للفوضى والدمار والنزوح الجماعي وانهيار الخدمات الأساسية، قبل أن تبدأ اليوم رحلة مختلفة عنوانها إعادة بناء العاصمة وإعادة تعريف علاقتها بالدولة نفسها. وتشير تقارير إلى أن عودة بعض المؤسسات الحكومية والأمنية تتم بصورة تدريجية بالتوازي مع جهود إعادة تأهيل الخدمات العامة والبنية التحتية.  

لكن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء آثارها.

فالمدن لا تُقاس بعدد المباني التي تقف على الأرض، بل بقدرتها على إنتاج الحياة من جديد.

لقد خلفت الحرب وراءها إرثاً ثقيلاً يتمثل في تدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية، وتعطيل المؤسسات، وهجرة الكفاءات، وتغيير أنماط حياة ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم موزعين بين ولايات السودان المختلفة ودول اللجوء. كما أن إعادة تشغيل المؤسسات الحكومية ترافقها تحديات تتعلق بتأمين الخدمات وإعادة ثقة المواطنين بالعاصمة.  

واليوم، تواجه الخرطوم ثلاثة تحديات كبرى.

أولاً: استعادة الدولة نفسها.

فعودة الوزارات إلى العاصمة ليست هدفاً بحد ذاته، بل بداية لاستعادة فكرة الدولة القادرة على إدارة شؤون المواطنين من مركزها الطبيعي، بعد سنوات من الإدارة الاستثنائية التي فرضتها ظروف الحرب. وتشير المعطيات إلى أن عودة المؤسسات تتم وفق خطط أمنية وإدارية متدرجة.  

ثانياً: إعادة بناء الإنسان قبل الحجر.

فالمواطن الذي عاش تجربة النزوح وفقدان الخدمات وفقدان مصادر الدخل لن يعود فقط بسبب فتح المؤسسات الرسمية، بل يحتاج إلى الشعور بأن المدينة أصبحت قابلة للحياة مرة أخرى.

المياه والكهرباء والمستشفيات والمدارس والأسواق والنقل العام أصبحت كلها جزءاً من معركة الاستقرار الجديدة.

ثالثاً: إنهاء اقتصاد الحرب.

فالحروب الطويلة لا تصنع فقط دماراً مادياً، بل تخلق شبكات مصالح جديدة تعتاد على الفوضى وتستفيد منها، وهو ما يجعل الانتقال إلى الحياة الطبيعية أكثر تعقيداً من مجرد إنهاء العمليات العسكرية.

وربما هنا تكمن المعضلة الحقيقية.

فالخرطوم اليوم تقف بين صورتين متناقضتين:

صورة العاصمة التي يريد السودانيون استعادتها كرمز للدولة والسيادة والحياة الطبيعية، وصورة المدينة التي لا تزال تحمل آثار سنوات ثقيلة من الحرب يصعب تجاوزها في وقت قصير.

ولذلك فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس بعدد المؤسسات التي تعود إلى الخرطوم، بل بعدد المواطنين الذين يقررون العودة إليها بثقة.

لأن المدن لا تنتصر عندما تنتهي المعارك، بل عندما يعود الناس إليها وهم يشعرون بالأمان والانتماء والأمل.

وفي النهاية، ربما يكون التحدي الأكبر أمام السودان ليس إعادة بناء الخرطوم، بل منع الحرب من البقاء داخل الخرطوم بعد أن تغادرها الجيوش

إرسال التعليق

You May Have Missed