محررو لقطة AI – 13
لقطة AI
8 نوفمبر 2026
تتسع دائرة الأزمة الاقتصادية والإنسانية في السودان مع تفاقم نقص الوقود وارتفاع أسعاره بصورة غير مسبوقة، في وقت تواجه فيه البلاد تراجعاً حاداً في النشاط التجاري والزراعي، وتعطلاً متزايداً في حركة النقل والإمداد، وسط تحذيرات دولية من اتساع رقعة الجوع واحتمالات وقوع مجاعة في مناطق متعددة، خصوصاً في دارفور وكردفان.
وتكشف التطورات الأخيرة أن أزمة الوقود لم تعد مجرد مشكلة تتعلق بتوفير البنزين والجازولين للمركبات، وإنما تحولت إلى أزمة مركبة تضرب مختلف حلقات الاقتصاد، بدءاً من الإنتاج الزراعي والصناعي، مروراً بالنقل والتجارة، وصولاً إلى قدرة الأسر على الحصول على الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «سودان تريبيون» في السادس من نوفمبر، تشهد مناطق خاضعة لسيطرة الجيش وقوات الدعم السريع نقصاً حاداً في المشتقات النفطية، مع تسجيل ارتفاعات كبيرة في أسعار الوقود بالعاصمة الخرطوم ونيالا وبورتسودان ومدن أخرى.
وأشار التقرير إلى أن سعر غالون البنزين في عدد من محطات الخرطوم وصل إلى نحو 48,800 جنيه سوداني، بينما بلغ سعر الجازولين نحو 45 ألف جنيه. وفي نيالا ارتفع البنزين إلى قرابة 50 ألف جنيه للغالون، في مؤشر على اتساع الأزمة وصعوبة الحصول على الإمدادات.
الزراعة في مواجهة نقص الوقود
يأتي التأثير الأكثر خطورة لنقص الوقود في القطاع الزراعي، الذي يمثل أحد أهم مصادر الغذاء والدخل وفرص العمل في السودان. فالمزارعون يعتمدون على الجازولين لتشغيل الطلمبات ومعدات الري والآليات الزراعية ووسائل نقل المحاصيل من مناطق الإنتاج إلى الأسواق.
وأفاد مزارعون في ولايات القضارف والجزيرة وسنار، وفقاً للتقرير، بأن نقص الوقود أدى إلى تعطيل عمليات الري وتشغيل المعدات، وتقليص المساحات المزروعة، مع مخاوف من خسارة محاصيل استراتيجية تشمل الذرة الرفيعة والقمح.
وتتضاعف خطورة هذه التطورات مع تراجع معدلات الأمطار وتأثيرات الجفاف المرتبطة بظاهرة النينيو، الأمر الذي يضع الإنتاج الزراعي أمام ضغوط متزامنة، في وقت يحتاج فيه ملايين السودانيين إلى زيادة الإمدادات الغذائية لا تقليصها.
ولا تقتصر الخسائر على المزارعين وحدهم، إذ يؤدي انخفاض الإنتاج إلى تقليص المعروض في الأسواق، وارتفاع أسعار الحبوب والدقيق، وتراجع قدرة الأسر محدودة الدخل على شراء احتياجاتها الأساسية.
النقل والإغاثة تحت ضغط الأزمة
يمثل الوقود أيضاً شرياناً أساسياً لحركة السلع والمواد الغذائية بين الولايات، ولذلك فإن نقصه يرفع تكلفة النقل ويجعل وصول المنتجات إلى الأسواق أكثر صعوبة.
وتتفاقم المشكلة بالنسبة إلى المنظمات الإنسانية التي تعتمد على الشاحنات والوسائل اللوجستية لنقل المساعدات إلى النازحين والمناطق المحاصرة والمتضررة من الحرب.
ونقل التقرير عن ناشطين في المجال الإنساني أن ارتفاع تكلفة الوقود وتعقيدات الحصول عليه أديا إلى إرباك عمليات الإغاثة، حيث أصبحت بعض الشحنات تحتاج إلى ميزانيات مضاعفة لتأمين الوقود من الأسواق غير الرسمية.
وتعني هذه التطورات أن أزمة الوقود لا ترفع أسعار السلع فحسب، بل قد تحرم مناطق بأكملها من وصول الغذاء والدواء والمساعدات في الوقت المناسب، خصوصاً المناطق التي تعاني أصلاً من انعدام الأمن وصعوبة الحركة.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه العاملون في المجال الإنساني نقصاً حاداً في التمويل، ما يحد من قدرتهم على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
أرقام دولية تكشف اتساع خطر الجوع
تتزامن أزمة الوقود مع مؤشرات إنسانية شديدة الخطورة. فقد حذرت المفوضية الأوروبية وشركاؤها، في بيان صدر في 23 أكتوبر 2026، من التدهور المتسارع للأمن الغذائي في السودان، مشيرة إلى أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم خمسة ملايين يعانون مستويات طوارئ غذائية.
كما حذرت الجهات الدولية من أن عدد الأطفال المعرضين لسوء التغذية الحاد قد يتجاوز 825 ألف طفل خلال عام 2026، مع توقع اتساع عدد المناطق المهددة بالمجاعة إذا استمرت الظروف الحالية دون تدخل عاجل.
وتشير تقديرات برنامج الأغذية العالمي إلى أن السودان يظل من أخطر بؤر الجوع في العالم، مع استمرار مخاطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان، وتراجع قدرة المنظمات على تقديم المساعدات بسبب نقص التمويل وارتفاع تكاليف العمليات.
وفي تقريره للفترة من أغسطس 2026 إلى يناير 2027، حذر نظام الإنذار المبكر بالمجاعة (FEWS NET) من استمرار مستويات الطوارئ الغذائية في مناطق واسعة من دارفور وكردفان والنيل الأزرق، مع وجود خطر موثوق لحدوث المجاعة في مناطق من شمال دارفور وجنوب كردفان، إذا تصاعد القتال أو استمرت القيود على وصول المساعدات.
اقتصاد يتآكل وقدرة شرائية تتراجع
على المستوى الاقتصادي، تعكس أزمة الوقود عمق الاختلالات التي أصابت الاقتصاد السوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. فقد تضررت المؤسسات الإنتاجية والمصانع والأسواق، وتراجعت فرص العمل، وتقلصت الإيرادات العامة، فيما أدى تدهور العملة وارتفاع تكاليف الاستيراد إلى زيادة الضغوط على النشاط التجاري.
وتشير البيانات الواردة في تقارير دولية إلى أن الاقتصاد السوداني تعرض لانكماش تراكمي حاد منذ بداية الحرب، بينما أصبحت قطاعات واسعة من السكان عاجزة عن مواكبة الارتفاع المتواصل في أسعار الغذاء والنقل والخدمات.
ويظهر أثر ذلك بوضوح في الأسواق، حيث تتراجع القوة الشرائية للمواطنين، ويصبح الحصول على السلع الأساسية مرتبطاً بقدرة الأسر على تحمل أسعار تتغير بصورة متسارعة.
وفي ظل تعطل أجزاء من القطاع المصرفي وتراجع الدخول واتساع البطالة، تتآكل قدرة الأسر على مواجهة الأزمات المتلاحقة، بينما يواجه أصحاب الأعمال الصغيرة والتجار تحديات تتعلق بتوفير السلع والتمويل والنقل.
مقترحات اقتصادية وأسئلة حول الحلول
وفي مواجهة أزمة الطاقة، أشار تقرير «سودان تريبيون» إلى مناقشات تجريها الحكومة السودانية مع شركاء دوليين، من بينها مقترحات موجهة إلى روسيا لإنشاء منطقة اقتصادية حرة ومرافق لتخزين الوقود على ساحل البحر الأحمر.
غير أن مثل هذه المشروعات، حتى إذا وصلت إلى مرحلة التنفيذ، تحتاج إلى وقت واستثمارات وترتيبات لوجستية وأمنية، بينما تتطلب الأزمة الحالية حلولاً عاجلة تضمن تدفق الوقود إلى قطاعات الإنتاج والنقل والخدمات الأساسية.
وتبرز هنا ضرورة وضع إمدادات الطاقة والمنشآت المدنية ضمن ترتيبات تحميها من العمليات العسكرية، إلى جانب تسهيل حركة التجارة والمساعدات الإنسانية، وإيجاد آليات شفافة لتوزيع الوقود ومنع الاحتكار والمضاربة.
أزمة وقود أم أزمة بقاء؟
تكشف التطورات أن السودان يواجه أزمة تتجاوز حدود نقص المشتقات النفطية، لأن الوقود يرتبط مباشرة بقدرة البلاد على إنتاج الغذاء وتوزيعه وتشغيل المستشفيات ومرافق المياه والكهرباء وتحريك الاقتصاد.
ومع استمرار الحرب وتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف النقل وانخفاض التمويل الإنساني، تتزايد احتمالات تحول الضغوط الاقتصادية إلى كارثة غذائية أوسع، خصوصاً في المناطق التي يصعب الوصول إليها.
ولذلك فإن منع المجاعة لا يتطلب توفير الغذاء وحده، بل يستدعي حماية الإنتاج الزراعي وتأمين الوقود وفتح الطرق أمام التجارة والإغاثة، ووقف الاعتداءات على المنشآت المدنية، وضمان وصول المساعدات دون عوائق.
فإذا استمر انهيار منظومة الإنتاج والإمداد بالتوازي مع تراجع القدرة الشرائية، فإن ملايين السودانيين سيجدون أنفسهم أمام أزمة لا تتعلق بارتفاع الأسعار فقط، بل بغياب القدرة على الحصول على الحد الأدنى من مقومات الحياة.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات