محررو لقطة AI
11 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة الطاقة في الشرق الأوسط تُقاس فقط بسعر برميل يقترب من 110 دولارات أو بعدد الناقلات التي تعبر هرمز وباب المندب.
الرقم الأهم الآن جاء من السعودية نفسها.
فقد قالت وكالة الطاقة الدولية إن إمدادات الخام السعودي هبطت في أغسطس إلى نحو 6 ملايين برميل يوميًا، وهو أدنى مستوى تسجله المملكة منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد تراجع بلغ نحو 2.3 مليون برميل يوميًا خلال شهر واحد.
هذا الرقم يغير طبيعة الأزمة.
فالسوق كانت حتى وقت قريب تتعامل مع المخاطر بوصفها تهديدًا محتملًا لمسارات الشحن.
الآن أصبح التراجع ظاهرًا في الكميات التي تصل فعليًا إلى السوق.
ماذا يعني «6 ملايين برميل»؟
السعودية ليست منتجًا هامشيًا يمكن تعويضه بسهولة.
هي أكبر مصدر للنفط في العالم وأحد أهم المنتجين القادرين تاريخيًا على رفع الإمدادات عند حدوث نقص في السوق.
وعندما تهبط إمداداتها إلى هذا المستوى، فإن المشكلة لا تكون فقط أن المملكة تنتج أقل.
بل أن العالم يفقد أيضًا جزءًا من طاقة التعويض التي يلجأ إليها عندما يتعطل إنتاج دول أخرى.
وكالة الطاقة الدولية خفضت أيضًا توقعها لإمدادات الخام السعودي خلال 2026 بنحو 885 ألف برميل يوميًا، لتضع المتوسط عند نحو 7.6 ملايين برميل يوميًا.
وهذا اعتراف بأن التعافي قد يكون أبطأ مما كانت الأسواق تتوقع.
لماذا هبطت الإمدادات بهذه السرعة؟
الأزمة لم تأت من ضربة واحدة.
خلال الأسابيع الماضية تعرضت السعودية لضغط متزامن على عدة جبهات.
هجمات مرتبطة بالحوثيين طالت منشآت ومرافق في الجنوب والساحل الغربي.
مصفاة جازان، التي تبلغ طاقتها نحو 400 ألف برميل يوميًا، تعرضت لهجمات وأعمال تعطيل متكررة. كما استهدفت هجمات أخرى مسارات قريبة من ينبع، فيما تعرضت منشآت مرتبطة بالطاقة داخل المملكة لضغط متصاعد.
وبالتوازي، أدى اضطراب مضيق هرمز إلى تقليص قدرة المملكة على استخدام بعض مسارات التصدير الشرقية بصورة طبيعية.
وهكذا أصبحت السعودية تحاول نقل جزء أكبر من الخام غربًا عبر خط الشرق–الغرب إلى البحر الأحمر.
لكن البحر الأحمر نفسه أصبح أقل أمنًا.
المخرج البديل أصبح جبهة
هذه هي المفارقة الأكثر خطورة.
خط الشرق–الغرب وميناء ينبع صُمما ليمنحا المملكة طريقًا يتجاوز مضيق هرمز.
لكن تقدم الحوثيين نحو باب المندب وسيطرتهم على مواقع استراتيجية في الساحل اليمني والجزر القريبة جعلت الطريق البديل معرضًا للخطر هو الآخر.
وهذا يعني أن السعودية لم تعد تواجه مشكلة في بوابة واحدة.
إذا تعثر هرمز، تتجه غربًا.
لكن إذا أصبح البحر الأحمر بدوره منطقة تهديد، فإن هامش المناورة يضيق.
الصادرات تهبط والمخزونات تُستنزف
وكالة الطاقة الدولية قالت إن تحميلات الخام السعودية، بما في ذلك بعض الشحنات عبر البحر الأحمر والمسارات غير التقليدية، هبطت بنحو 1.1 مليون برميل يوميًا إلى نحو 3.5 ملايين برميل يوميًا.
وفي الوقت نفسه تراجعت المخزونات السعودية بنحو 400 ألف برميل يوميًا.
هذه نقطة مهمة.
يمكن لأي دولة نفطية أن تعوض تراجع الإنتاج مؤقتًا بالسحب من المخزون.
لكن إذا استمر السحب طويلًا، فإن المخزون نفسه يتناقص.
وهذا يترك هامشًا أقل لامتصاص الصدمات التالية.
هناك اختلاف بين أرقام الوكالة وأرقام السعودية
يجب هنا التفريق بين نوعين من البيانات.
السعودية أبلغت «أوبك» بأرقام أعلى قليلًا، تشمل نحو 6.238 ملايين برميل يوميًا من الإنتاج وقرابة 7.122 ملايين برميل يوميًا من الإمدادات وفق البيانات التي نقلتها رويترز.
أما وكالة الطاقة الدولية فتضع الإمدادات الفعلية عند نحو 6 ملايين برميل يوميًا.
الاختلاف لا يعني بالضرورة أن أحد الرقمين خطأ.
الوكالات والمؤسسات تستخدم منهجيات مختلفة في احتساب الإنتاج والإمدادات والكميات التي تصل إلى السوق والمخزون.
لكن الاتجاه في كل الأرقام واحد:
السعودية تضخ أقل بكثير مما كانت تضخه قبل اتساع الحرب.
العالم كله يفقد النفط في الوقت نفسه
المشكلة ليست سعودية فقط.
وكالة الطاقة الدولية تتوقع الآن أن ينخفض المعروض العالمي من النفط خلال 2026 بنحو 5.7 ملايين برميل يوميًا، أي ما يقارب 6%، مقارنة بتقدير سابق كان أقل حدة.
كما هبط إنتاج روسيا، وأدت الهجمات الأوكرانية على البنية النفطية الروسية إلى دفع الوكالة لخفض توقعاتها للإنتاج الروسي أيضًا.
أما إيران فما تزال صادراتها وإمداداتها تحت ضغط كبير بسبب الحرب والحصار البحري الأميركي.
وهكذا تفقد السوق البراميل من أكثر من مركز في الوقت نفسه.
السعودية.
روسيا.
إيران.
وممرات النقل نفسها.
المخزونات العالمية تتراجع بسرعة قياسية
الوكالة قالت إن المخزونات العالمية انخفضت في أغسطس بما يعادل نحو 3.1 ملايين برميل يوميًا.
وهذا أحد أخطر الأرقام في التقرير.
المخزون هو الوسادة التي تمنع أي نقص مؤقت من التحول فورًا إلى أزمة سعر.
لكن عندما تبدأ هذه الوسادة في الانكماش، يصبح السوق أكثر حساسية لأي هجوم جديد أو عطل في مصفاة أو إغلاق طريق بحري.
وتحذر الوكالة من أن نظام التكرير العالمي يعمل أصلًا تحت ضغط شديد، فيما سجلت أسعار منتجات مثل الديزل مستويات قياسية.
لماذا لا يقفز النفط إلى مستويات أعلى؟
رغم هذه الأرقام، تراجعت أسعار النفط قليلًا الجمعة بعد أن اقترب برنت من 110 دولارات.
السبب هو ظهور آمال في تحركات دبلوماسية محتملة لتخفيف التوتر في الخليج. كما أن الأسعار المرتفعة نفسها بدأت تخفض الطلب العالمي.
وكالة الطاقة الدولية تتوقع أن ينخفض الطلب العالمي هذا العام بنحو 2.5 مليون برميل يوميًا، أكثر من تقديرها السابق البالغ 1.6 مليون.
وهذا يعني أن العالم بدأ يتعامل مع الأزمة عبر استهلاك أقل.
لكن تراجع الطلب بسبب ارتفاع الأسعار ليس خبرًا جيدًا بالضرورة.
غالبًا ما يعني مصانع تعمل أقل، وشحنًا أقل، ومستهلكين يقلصون الإنفاق.
أي أن السوق تجد توازنها عبر إضعاف الاقتصاد.
السودان داخل دائرة التأثير
بالنسبة للسودان، أهمية الرقم السعودي تتجاوز أسواق الخليج.
السودان يعتمد على الوقود المستورد، ويواجه في الوقت نفسه نقصًا في العملات الأجنبية وضعفًا في قدراته المحلية على التكرير.
إذا استمر تراجع الإمدادات السعودية وارتفعت أسعار المنتجات المكررة، فإن فاتورة الاستيراد السودانية ستتعرض لضغط جديد.
ثم تنتقل الكلفة إلى النقل.
والكهرباء.
وتشغيل المولدات.
والزراعة.
ونقل الغذاء بين الولايات.
ولهذا فإن أي هبوط كبير في الإمدادات السعودية يتحول في النهاية إلى ضغط على المستهلك السوداني، حتى لو لم يشتر السودان نفطه مباشرة من الرياض.
ماذا تغير فعليًا؟
قبل أيام كان السؤال:
هل ستتعطل الإمدادات؟
الآن لدينا رقم يقول إنها تعطلت بالفعل.
ستة ملايين برميل يوميًا للسعودية ليست توقعًا مستقبليًا.
إنها قراءة لما وصل إليه السوق في أغسطس.
ولهذا فإن تقرير وكالة الطاقة الدولية أهم من كثير من التوقعات السعرية.
إنه ينقل الأزمة من دائرة الاحتمال إلى دائرة الواقع.
ما الذي ينبغي متابعته؟
أهم مؤشر الآن هو قدرة السعودية على رفع الإمدادات خلال سبتمبر وأكتوبر.
إذا استعادت المملكة جزءًا كبيرًا من إنتاجها ومساراتها البحرية، قد تبدأ السوق في التنفس.
أما إذا بقيت قرب مستويات أغسطس، واستمر الضغط على هرمز وباب المندب، فقد يتحول النقص المؤقت إلى أزمة هيكلية تمتد إلى 2027.
وكالة الطاقة الدولية نفسها حذرت من أن عودة التدفقات الطبيعية من الخليج قد تتأخر إلى العام المقبل إذا لم يحدث تقدم سياسي في إنهاء الحرب.
أخطر ما في أزمة النفط الحالية لم يعد أن البرميل تجاوز 100 دولار. الأخطر أن أكبر مُصدّر في العالم بدأ يضع في السوق كميات لم يشهد العالم انخفاضها إلى هذا المستوى منذ أكثر من ثلاثين عامًا. عندما تضيق هرمز، ويضطرب باب المندب، وتهبط الإمدادات السعودية في الوقت نفسه، تصبح المشكلة أكبر من سعر وقود مرتفع؛ إنها اختبار لقدرة سوق الطاقة العالمية على تحمل حرب تضرب المنتج والطريق والمخزون معًا.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات