محررو لقطة AI
10 سبتمبر 2026
عاد التوتر في مناطق كاودا وهيبان بولاية جنوب كردفان إلى نقطة خطرة، بعدما اتهمت قيادة أهلية لقبيلة أطورو قوات الجيش الشعبي لتحرير السودان–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو بشن هجوم جديد فجر الأربعاء على ثلاث مناطق تابعة للقبيلة، رغم جهود وساطة كانت تسعى إلى وقف اقتتال مستمر منذ أشهر داخل مناطق سيطرة الحركة الشعبية.
وقالت مكوكية أطورو، في بيان نقلته «سودان تربيون»، إن الهجوم بدأ نحو الخامسة صباحًا واستهدف مناطق رمتالا والمقريح وكالقا في مقاطعة هيبان، وتسبب، بحسب روايتها، في سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين وإحراق منازل وتشريد سكان، مشيرة إلى أن حصر الخسائر البشرية والمادية لم يكتمل بعد.
ولم تنشر الحركة الشعبية–شمال، حتى وقت إعداد هذه المادة، رواية تفصيلية مقابلة بشأن اتهامات هجوم الأربعاء. ولذلك تظل مسؤولية الهجوم وحجم الخسائر الواردة في بيان أطورو اتهامات تحتاج إلى تحقق مستقل، خصوصًا في منطقة يصعب الوصول إليها وتتنازع الأطراف فيها روايات ما يجري على الأرض.
لكن المؤكد أن الحادثة ليست معزولة.
إنها حلقة جديدة في نزاع محلي بدأ حول الأرض والحدود، ثم تحول تدريجيًا إلى مواجهة مسلحة تهدد بتفكيك البيئة الاجتماعية والسياسية داخل واحد من أكثر معاقل الحركة الشعبية أهمية في جبال النوبة.
من خلاف على الحدود إلى أزمة داخل كاودا
تعود جذور الأزمة إلى خلافات بشأن ترسيم الحدود بين مكونات محلية، خصوصًا أطورو والشواية، قبل أن تتسع المواجهات منذ مارس الماضي ويدخل الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية–شمال على خط النزاع.
الحركة قدمت في وقت سابق رواية مختلفة لجذور الأزمة، وقالت إن مجموعة من ضباط الجيش الشعبي تمردت وانخرطت إلى جانب مجموعة مسلحة مرتبطة بأطورو، وإن تدخل قواتها جاء لاستعادة الأمن وتنفيذ ترتيبات ترسيم الحدود المتفق عليها بين مكونات المنطقة.
وهنا تقع واحدة من أهم نقاط الخلاف.
أطورو تنظر إلى العمليات العسكرية باعتبارها اعتداءات تستهدف مجتمعها ومناطقه.
أما الحركة الشعبية فسبق أن صورت الأزمة باعتبارها تمردًا مسلحًا داخل مناطق سلطتها يستوجب تدخل الجيش الشعبي.
وبين الروايتين يدفع المدنيون الثمن.
كاودا ليست قرية عادية في هذه الحرب
أهمية التطورات لا تأتي فقط من الخسائر البشرية.
كاودا هي القلب السياسي والعسكري التاريخي للحركة الشعبية–شمال بقيادة عبد العزيز الحلو.
منذ سنوات ظلت المدينة رمزًا لنفوذ الحركة في جبال النوبة، وتضم مؤسساتها السياسية والإدارية والعسكرية، إلى جانب مواقع مرتبطة بقيادتها وتاريخها.
ولهذا كان ما حدث في أغسطس بالغ الدلالة، عندما أطلق الجيش الشعبي عملية عسكرية واسعة لاستعادة السيطرة على كاودا ومناطق في هيبان بعد أن امتدت المواجهات إلى مؤسسات الحركة نفسها.
وأفادت مصادر محلية آنذاك بأن قوات الجيش الشعبي استعادت المرافق الحكومية ومقر السلطة المدنية ومناطق داخل كاودا كانت مجموعات من أطورو قد سيطرت عليها، بينما أدت المواجهات إلى نزوح آلاف المدنيين وتعرض منازل وسوق كاودا ومقار منظمات إنسانية لأعمال نهب.
وبالتالي فإن استمرار النزاع داخل هذه المنطقة يختلف سياسيًا عن اشتباك أهلي محدود في أطراف الولاية.
إنه يختبر قدرة الحركة الشعبية على إدارة الأمن والنزاعات المجتمعية داخل مركز نفوذها نفسه.
هدنة لم تتحول إلى اتفاق
التطور الأخطر في هجوم الأربعاء أنه جاء بعد محاولات لخفض التصعيد.
كانت مبادرة شارك فيها قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، إلى جانب رجال دين وقيادات اجتماعية، قد دفعت الأطراف نحو وقف الاشتباكات. وبحسب «سودان تربيون»، وافقت الحركة الشعبية ومقاتلون من أطورو على وقف القتال، لكن الاتفاق لم يتحول إلى هدنة رسمية موقعة.
وهذا التفصيل يفسر هشاشة الوضع.
هناك وقف للقتال في الخطاب.
لكن لا توجد آلية قوية تراقبه.
لا خطوط فصل واضحة.
ولا ترتيبات معلنة للتحقيق في الخروقات أو محاسبة المسؤولين عنها.
والنتيجة أن طلقة واحدة أو تحرك قوة عسكرية يمكن أن يعيد الأزمة كلها إلى نقطة البداية.
أطورو سبق أن اتهمت الحركة الشعبية في أغسطس بخرق وقف إطلاق النار والتحرك عسكريًا داخل كاودا، بينما استمر التوتر رغم المبادرات المحلية.
وهجوم الأربعاء، إذا ثبتت تفاصيله، يعني أن محاولة التهدئة لم تنجح حتى الآن في معالجة جذور الأزمة.
المدنيون وسط روايتين متعارضتين
في الرابع من سبتمبر، قالت شبكة أطباء السودان إن 21 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، قُتلوا في هجوم نسبته إلى قوات الحركة الشعبية على مناطق أطورو في ديبي ولويري جنوب وغرب كاودا، فيما لم يتسن آنذاك الحصول على تعليق من الحركة على الاتهامات.
وسبقت ذلك اتهامات أخرى باعتقال عاملين في منظمات إغاثية وشن عمليات على قرى مرتبطة بأطورو.
لكن التعامل مع الأرقام والروايات القادمة من المنطقة يحتاج إلى حذر شديد.
فالوصول المستقل إلى كاودا ومحيطها محدود، وبعض البيانات المتداولة تصدر عن أطراف منخرطة مباشرة في النزاع أو قوى سياسية منحازة إلى أحد أطراف الحرب السودانية الأوسع.
ولهذا لا ينبغي تحويل الادعاءات إلى حقائق نهائية قبل التحقق منها.
المؤكد حتى الآن هو وجود نمط متكرر من القتال والنزوح والاتهامات بالقتل والاعتقال وحرق المنازل، بما يجعل حماية المدنيين القضية الأكثر إلحاحًا بغض النظر عن الطرف الذي يملك الرواية الأقوى سياسيًا.
خطر أن تتحول الحرب إلى حروب أصغر
هذه هي الدلالة الأعمق لما يحدث في جبال النوبة.
الحرب السودانية لم تعد فقط مواجهة بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما.
كلما طال أمد الحرب المركزية وضعفت مؤسسات الدولة واتسعت سلطة السلاح، تصبح النزاعات القديمة حول الأرض والحدود والسلطة المحلية أكثر قابلية للتحول إلى مواجهات مسلحة.
وفي جنوب كردفان يصبح الخطر مضاعفًا.
فالمنطقة تحمل أصلًا تاريخًا طويلًا من الحرب والتهميش والنزاعات على الأرض والهوية والإدارة، وتنتشر فيها تشكيلات مسلحة متعددة.
نزاع بدأ بخلاف على ترسيم حدود محلية أصبح اليوم قادرًا على تهديد كاودا نفسها وإنتاج موجات نزوح جديدة.
وهذا هو المسار الذي ينبغي منعه قبل أن يصبح من الصعب عكسه.
تحالف الحرب أمام اختبار داخلي
هناك بعد سياسي آخر لا يمكن تجاهله.
الحركة الشعبية–شمال بقيادة الحلو أصبحت جزءًا من التحالف السياسي والعسكري المعروف بـ«تأسيس» إلى جانب قوات الدعم السريع وقوى أخرى.
لكن الأحداث في كاودا تكشف أن السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة وجود استقرار سياسي واجتماعي داخلها.
بل إن دخول حميدتي نفسه في مبادرة لوقف النزاع يكشف حساسية الأزمة بالنسبة إلى التحالف.
فاستمرار القتال داخل مناطق الحركة يضعف صورة قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، وقد يخلق شروخًا مجتمعية لا تستطيع التحالفات العسكرية معالجتها لاحقًا.
القضية إذن ليست فقط من انتصر في قرية أو من خسر موقعًا.
السؤال الأكبر هو: كيف تُدار السلطة في المناطق التي خرجت منذ سنوات من إدارة الدولة المركزية؟
أين تبدأ التسوية؟
بيان مكوكية أطورو دعا إلى معالجة أسباب النزاع بالحوار، وهي نقطة قد تبدو بديهية، لكنها جوهر المشكلة.
إذا كان أصل النزاع متعلقًا بالأرض وترسيم الحدود، فإن الحل العسكري يستطيع السيطرة على منطقة، لكنه لا يستطيع إنتاج حدود مقبولة اجتماعيًا.
بل قد يفعل العكس.
كل قتيل جديد وكل منزل يُحرق يضيف مظلمة جديدة إلى الخلاف القديم، ويحوّل نزاع الأرض إلى ثأر اجتماعي يصعب احتواؤه.
المطلوب لذلك يتجاوز إعلان وقف إطلاق النار.
هناك حاجة إلى آلية محلية مستقلة نسبيًا لتثبيت الهدنة، والتحقيق في الانتهاكات، وضمان عودة النازحين، ثم إعادة فتح ملف الحدود والأرض أمام ممثلي المجتمعات المحلية بعيدًا عن السلاح.
ما الذي ينبغي متابعته؟
الاختبار الأول هو موقف الحركة الشعبية من اتهامات الأربعاء، وما إذا كانت ستصدر رواية تفصيلية لما حدث في رمتالا والمقريح وكالقا.
والثاني هو الحصيلة المستقلة للخسائر، لأن المكوكية قالت إن عمليات الحصر ما تزال مستمرة ولم تقدم رقمًا نهائيًا يمكن التحقق منه.
أما المؤشر الأخطر فهو مصير وقف القتال الذي حاول الوسطاء تثبيته.
إذا لم تتحول التفاهمات الشفهية إلى ترتيبات واضحة على الأرض، فإن كاودا وهيبان قد تدخلان دورة جديدة من الهجوم والرد والانتقام.
جنوب كردفان تحمل أصلًا عبء حرب السودان الكبرى. وما يجري حول كاودا يحذر من خطر آخر: أن تنقسم الحرب الواحدة إلى حروب صغيرة، لكل منها أرضها وذاكرتها وضحاياها وثاراتها. عندها لن يكون وقف الحرب المركزية وحده كافيًا لإعادة السلام. فالنار التي تبدأ بخط على خريطة حدود قرية يمكن، إذا تُركت للسلاح، أن تصبح خطًا جديدًا يقسم مجتمعًا كاملًا.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات