محررو لقطة AI – 7
10 أكتوبر 2026
لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 مجرد توقف عابر لصدور الصحف، بل قطعت سلسلة كاملة من العمل الصحفي: مكاتب أُخليت، ومطابع توقفت، ومخازن نُهبت، وطرق توزيع انقطعت، وقراء تفرّقوا بين النزوح واللجوء. ومع تحول الخرطوم إلى ساحة قتال، فقدت الصحافة الورقية مركزها الأبرز، فيما وجد الصحفيون أنفسهم أمام سؤال يتجاوز موعد عودة العدد التالي: هل ما زال ممكناً بناء صناعة صحفية مطبوعة في بلد تغيّرت خريطته السكانية والاقتصادية؟
كانت الصحف تواجه ضغوطاً قبل الحرب. فارتفاع كلفة الإنتاج، وتراجع الإعلان، وانتقال الجمهور إلى الهواتف والمنصات الرقمية، دفعت مؤسسات إلى تقليص طبعاتها أو إيقافها. ثم جاء القتال ليحوّل أزمة التراجع إلى انهيار تشغيلي؛ فالمطابع تُركت بلا عمل، وغابت إيرادات الإعلان، وتعذر وصول العاملين والورق والحبر، كما أصبحت حركة التوزيع بين المدن محفوفة بالخطر. ويشير تقرير لـ«منتدى الإعلام السوداني» إلى أن الصحف الورقية توقفت مع اندلاع الحرب، للمرة الأولى منذ نشأة الصحافة السودانية قبل أكثر من 120 عاماً، بفعل توقف المطابع وانقطاع مدخلات الطباعة وانعدام الأمن اللازم للتوزيع.
وحجم الخسارة لا يُقاس بعدد المؤسسات المغلقة وحده. فقد نقلت «رويترز» عن نقابة الصحفيين السودانيين أن 27 صحيفة توقفت عن العمل منذ بداية الحرب، إلى جانب 32 محطة إذاعية وثماني قنوات تلفزيونية، وأن نحو ألف صحفي فقدوا وظائفهم، فيما قُتل 31 صحفياً، وفق الأرقام التي أوردها التقرير في سبتمبر 2025. أما اليونسكو، فأشارت في مايو 2026 إلى أن النقابة وثّقت مقتل 32 صحفياً و556 انتهاكاً بحق العاملين في الإعلام، وتوقف صحف ومحطات إذاعية عديدة. وراء هذه الأرقام صحفيون فقدوا مصادر دخلهم ومكاتبهم وأرشيفاتهم، ومؤسسات لم يعد لديها رأس المال أو المعدات أو الطاقم الذي يسمح لها باستئناف النشر.
لكن الحديث عن «عودة الصحافة» لا ينبغي أن يختزل في إعادة تشغيل آلة طباعة. فالصحيفة مؤسسة مترابطة: تحتاج إلى محررين ومراسلين ومصورين، وإلى تحرير ومراجعة وتدقيق، ثم إلى ورق وحبر وكهرباء ونقل ونقاط بيع، وإلى قراء قادرين على شراء النسخة. وإذا تعطل عنصر واحد، تعثرت السلسلة كلها. وإذا عادت المطابع فيما بقيت الأسواق مغلقة أو الطرق غير آمنة، فلن تصل الصحيفة إلى قارئها. وإذا عاد الورق فيما تشتت الصحفيون وانقطعت الرواتب، فستكون العودة شكلاً بلا قدرة مهنية مستدامة.
وتكمن المفارقة في أن الجمهور لم يتوقف عن طلب الأخبار، لكنه غيّر وسيلته إليها. دفعت الحرب الناس إلى متابعة منصات التواصل والمواقع الإخبارية والرسائل المتداولة، وهي وسائل أسرع وأقل كلفة في لحظة الطوارئ. غير أن السرعة لا تضمن الدقة، واتساع النشر لا يعني تنوعاً مستقلاً. وقد حذرت تقارير عن الإعلام السوداني من أن فراغ المؤسسات المهنية واتساع المنصات المرتبطة بأطراف سياسية أسهما في بيئة مشبعة بالتضليل والاستقطاب. هنا تظهر قيمة الصحيفة الورقية المحتملة: ليست في كونها ورقاً، بل في قدرتها على تقديم مادة خضعت للتحقق والتحرير، ويمكن العودة إليها بوصفها سجلاً لما قيل ونُشر.
مع ذلك، لن تستعيد الصحافة الورقية مكانتها السابقة بمجرد الحنين إلى أكشاك الصحف وطبعات الصباح. فقد تراجع سوق التوزيع حتى قبل الحرب، وتبدلت عادات القراءة، فيما تقلصت القدرة الشرائية للمواطنين وتضررت الشركات التي كانت تموّل الإعلان. وإذا عادت الصحف بنموذج يعتمد على بيع النسخ والإعلانات وحدهما، فستواجه الأزمة القديمة في ظروف أشد قسوة. ويقتضي المستقبل مزيجاً من النشر الرقمي والطبعات الورقية المحدودة، مع اختيار محتوى تمنحه النسخة المطبوعة قيمة إضافية: تحقيقات، وملفات تحليلية، ومراجعات أسبوعية، وأرشفة موثوقة للتطورات، بدلاً من منافسة الهاتف في نقل الخبر العاجل.
وتبدأ أي خطة تعافٍ بإعادة بناء شروط العمل، لا بشراء المعدات فحسب. تحتاج المؤسسات إلى حصر ما فُقد من مطابع وأرشيفات، وتقييم إمكان تشغيل مطابع مشتركة تخدم أكثر من صحيفة، وتأمين مصادر للورق والحبر والطاقة، ووضع ترتيبات توزيع تراعي تغيّر السكان ومراكز النشاط. كما تحتاج إلى دعم أجور الصحفيين وتدريبهم وحمايتهم، وإعادة وصل المراسلين بالمؤسسات، خصوصاً أن النزوح أبعد كثيرين عن مقار عملهم ومصادرهم. وتؤكد برامج الدعم التي وثقتها اليونسكو وشركاؤها أهمية المساندة المهنية والنفسية والقانونية للصحفيين، إلى جانب التدريب على السلامة ومواجهة المعلومات المضللة.
ويبقى التمويل سؤالاً مركزياً: كيف تتلقى الصحافة دعماً من دون أن يتحول المموّل إلى صاحب قرار تحريري؟ يمكن أن تتضمن الإجابة اشتراكات القراء، وعقوداً واضحة للإعلان، وصناديق دعم مستقلة تخضع للشفافية، وشراكات إنتاج وتوزيع بين المؤسسات. لكن هذه الخيارات لن تنجح من دون إعلان مصادر التمويل وحماية القرار التحريري، وإتاحة المجال لصحف مختلفة الاتجاهات ما دامت تلتزم التحقق والمسؤولية المهنية. فالاعتماد على جهة واحدة، أياً كانت، قد يعيد الصحيفة إلى التبعية ويقوض ثقة الجمهور التي تحتاج إليها كي تستمر.
الرهان، في نهاية المطاف، ليس على عودة كل صحيفة إلى شكلها السابق، بل على استعادة صحافة سودانية قادرة على التحقق من الوقائع ومساءلة أصحاب السلطة، سواء نشرت مادتها على الورق أو الشاشة. قد تعود بعض الصحف بطبعات أسبوعية أو شهرية، وقد تبدأ مؤسسات أخرى من أرشيف رقمي أو غرفة تحرير موزعة بين المدن والشتات. لكن أي نموذج لن يصمد إذا افتقر إلى الصحفيين، والاستقلال، والمصادر الموثوقة، والقراء. فأنقاض المكاتب تكشف حجم الخسارة، أما مستقبل الصحافة فيحدده ما إذا كان السودانيون قادرين على بناء مؤسسات تخدم حقهم في المعرفة بعد الحرب.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات