محررو لقطة AI – 13
التاريخ: 13 سبتمبر 2026
ولاية نهر النيل – لقطة AI
على ضفاف النيل، حيث كانت البساتين والحقول تمد مدن السودان بالخضروات والفواكه والحبوب، تتمدد أكوام الحجارة ومخلفات التعدين بحثًا عن الذهب. ما يبدو للوهلة الأولى فرصة سريعة للثراء يتحول تدريجيًا إلى تهديد طويل الأمد للأرض والمياه وصحة السكان وقدرة البلاد على إنتاج غذائها.
تتصاعد المخاوف خصوصًا في مناطق أبو حمد وبربر والقرى الزراعية المنتشرة بولاية نهر النيل، مع توسع التعدين الأهلي ومعالجة مخلفاته باستخدام مواد شديدة السمية، أبرزها الزئبق والسيانيد. وفي ظل الحرب وغياب الرقابة الفعالة، أصبحت بعض مواقع التعدين تعمل بالقرب من المزارع والمناطق السكنية ومصادر المياه.
من البساتين إلى حفر التعدين
ظل الشريط الممتد بمحاذاة النيل واحدًا من أهم المناطق الزراعية في شمال السودان، مستفيدًا من خصوبة التربة وتوفر مياه الري. لكن ارتفاع أسعار الذهب وانهيار فرص العمل دفعا عددًا متزايدًا من السكان إلى التخلي عن الزراعة أو تأجير أراضيهم للعاملين في التعدين.
ويمنح الذهب صاحبه عائدًا سريعًا مقارنة بالزراعة، التي تحتاج إلى مواسم كاملة وتكاليف للري والبذور والأسمدة والنقل. غير أن هذا التحول يحقق دخلًا مؤقتًا على حساب أصل اقتصادي لا يمكن تعويضه بسهولة: الأرض المنتجة.
فالحفر العشوائي يزيل الطبقة السطحية الخصبة، ويترك وراءه تربة مفككة وأكوامًا من الصخور والرمال الملوثة. وحتى بعد انتهاء التعدين، تصبح إعادة الأرض إلى الزراعة عملية مكلفة وقد تكون مستحيلة إذا وصلت المواد الكيميائية إلى التربة والمياه الجوفية.
السم يتسلل إلى الماء والغذاء
يستخدم بعض المعدّنين الزئبق لفصل الذهب عن الصخور، ثم يُحرق الخليط لاستخلاص المعدن النفيس، فتنتشر أبخرة الزئبق في الهواء وتترسب على الأرض والمياه. أما السيانيد فيُستخدم لمعالجة مخلفات التعدين واستخراج الكميات المتبقية من الذهب.
وتزداد الخطورة عندما تُترك المخلفات في العراء من دون حواجز آمنة. فعند هطول الأمطار وجريان السيول، تنتقل المواد السامة إلى الوديان والمزارع ومصادر الشرب، وقد تصل في نهاية المطاف إلى مجرى النيل.
ولا ينتهي التلوث عند المياه؛ إذ يمكن أن تمتص النباتات بعض العناصر الثقيلة الموجودة في التربة، ثم تنتقل إلى الإنسان والحيوان عبر الغذاء. كما يتعرض العاملون في التعدين والسكان القريبون من مواقع المعالجة لأبخرة ومواد قد تؤثر في الجهاز العصبي والكلى والكبد، بينما يكون الأطفال والنساء الحوامل أكثر عرضة لمضاعفاتها.
وتكمن خطورة هذا النوع من التلوث في أنه لا يظهر دائمًا بصورة فورية. فقد تمر سنوات قبل أن تتضح آثاره الصحية، وفي ذلك الوقت تكون المواد السامة قد انتشرت في التربة والسلسلة الغذائية.
ذهب يغذي اقتصاد الحرب
بعد فقدان السودان معظم عائداته النفطية بانفصال جنوب السودان عام 2011، أصبح الذهب أحد أهم مصادر النقد الأجنبي. وتزايد الاعتماد عليه أكثر مع اندلاع الحرب في أبريل 2023 وانهيار قطاعات الإنتاج والخدمات.
وأنتج السودان، وفق أرقام رسمية، نحو 70 طنًا من الذهب خلال عام 2025، بعائدات تقارب 1.8 مليار دولار. لكن نسبة كبيرة من الإنتاج لا تمر عبر القنوات الرسمية، بل تُهرّب إلى الخارج، ما يحرم الخزينة العامة من الإيرادات والضرائب.
وهنا تظهر المفارقة القاسية: يدفع المجتمع ثمن التلوث وفقدان الأراضي الزراعية، بينما تتسرب نسبة كبيرة من عائدات الذهب إلى شبكات التهريب وتمويل الأطراف المسلحة. فلا الدولة تحصل على كامل قيمة المورد، ولا المواطن يحتفظ بأرض صالحة للزراعة، ولا المجتمعات المحلية تتلقى خدمات صحية أو بيئية تتناسب مع حجم المخاطر.
خسارة الغذاء أخطر من فقدان المال
السودان يمتلك أراضي زراعية واسعة وموارد مائية كان يمكن أن تجعله مركزًا لإنتاج الغذاء، لكن الحرب والنزوح وتدمير البنية التحتية وتراجع التمويل الزراعي أضعفت هذا القطاع. ويضيف التعدين العشوائي تهديدًا جديدًا بتحويل ما تبقى من الأراضي المنتجة إلى مساحات ملوثة.
وعندما تتراجع الزراعة، لا يخسر السودان المحاصيل فقط؛ بل يفقد فرص العمل الريفية، ويزداد اعتماده على استيراد الغذاء، وترتفع الأسعار، وتتوسع الهجرة من القرى إلى المدن ومناطق التعدين.
أما المجتمعات المحلية فتجد نفسها أمام خيار قاسٍ: دخل سريع من الذهب اليوم، أو أرض تنتج الغذاء لأجيال. وفي بلد يعاني ملايين من سكانه انعدام الأمن الغذائي، يصبح تدمير الحقول قضية تتعلق بالبقاء، لا مجرد نزاع بين الزراعة والتعدين.
المطلوب حماية الأرض قبل فوات الأوان
تبدأ المعالجة بإبعاد مواقع معالجة الذهب عن الأراضي الزراعية والمناطق السكنية ومجاري المياه، ومنع استخدام الزئبق والسيانيد خارج المنشآت المرخصة والخاضعة للرقابة.
كما تحتاج البلاد إلى فحوص دورية للتربة والمياه والغذاء، ونشر نتائجها بشفافية، وإلزام شركات التعدين وأصحاب المصانع بمعالجة المخلفات وإعادة تأهيل المواقع المتضررة. ويجب أن تحصل المجتمعات المحلية على نصيب عادل من العائدات لتمويل الصحة والمياه والزراعة البديلة.
الذهب مورد يمكن أن ينفد أو يفقد قيمته، أما الأرض الخصبة والمياه النظيفة فهما أساس حياة المجتمع. وإذا استمر السودان في استخراج المعدن الأصفر بالطريقة الحالية، فقد يكتشف متأخرًا أنه باع غذاءه وصحة أبنائه لتمويل حرب وثراء عابرين.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشه
التعليقات
0 تعليقات