الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

خطاب الكراهية في السودان.. حرب أخرى تهدد ما تبقى من النسيج الاجتماعي

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

خطاب الكراهية في السودان.. حرب أخرى تهدد ما تبقى من النسيج الاجتماعي
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI
14 أغسطس 2026

لم تعد الحرب في السودان تُخاض بالسلاح وحده. فبالتوازي مع المعارك الممتدة على الأرض، تتسع حرب أخرى في الفضاء الرقمي، تستخدم فيها الكلمات والصور ومقاطع الفيديو والمنشورات سلاحًا لتقسيم المجتمع، وإعادة تعريف السودانيين على أساس القبيلة والمنطقة والعرق والانتماء السياسي.

وتتزايد التحذيرات الحقوقية والصحفية من أن خطاب الكراهية والعنصرية لم يعد مجرد ظاهرة هامشية مرتبطة بانفعالات الحرب، وإنما أصبح واحدًا من أخطر العوامل التي يمكن أن تطيل أمد الصراع وتهدد فرص بناء السلام حتى بعد توقف القتال.

عندما يتحول الإعلام إلى جزء من المعركة

منذ اندلاع الحرب، شهدت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي حالة استقطاب حادة، انعكست في لغة التغطيات، وطريقة توصيف الأطراف، وفي الحملات المنظمة التي تستهدف مجموعات اجتماعية أو مناطق بأكملها.

وحذرت أجسام صحفية سودانية ومبادرات إعلامية مستقلة مرارًا من عسكرة الخطاب الإعلامي وتحويل المنصات إلى ساحات تعبئة، حيث تختلط الأخبار بالمواقف السياسية، وتتراجع الحدود بين نقل الوقائع والتحريض عليها.

وتزداد خطورة الظاهرة عندما ينتقل الخطاب من مهاجمة طرف عسكري أو سياسي إلى استهداف جماعات اجتماعية بأكملها، وربطها تلقائيًا بأحد طرفي الحرب.

فحين يصبح الانتماء القبلي أو الجغرافي قرينة اتهام، لا يبقى المدني بعيدًا عن دائرة الحرب، حتى وإن لم يحمل سلاحًا ولم يكن جزءًا من أي تشكيل عسكري.

الهوية تتحول إلى نقطة تفتيش

أحد أخطر تداعيات خطاب الكراهية يتمثل في إعادة تشكيل العلاقة بين السودانيين على أساس الشك في الهوية.

فالاسم، واللهجة، والمنطقة التي ينحدر منها الشخص، وأحيانًا ملامحه أو قبيلته، يمكن أن تتحول في بيئة الحرب إلى أسباب للاشتباه أو التمييز أو الاحتجاز.

وهنا يصبح النزوح نفسه أكثر تعقيدًا.

فالنازح لا يهرب فقط من القصف أو الاشتباكات، وإنما قد يجد نفسه في مكان جديد مطالبًا بإثبات أنه ليس جزءًا من الطرف الذي ينسب إليه بسبب منطقته أو أصله الاجتماعي.

وهذا التحول بالغ الخطورة، لأنه ينقل الحرب من مواجهة بين تشكيلات مسلحة إلى انقسام داخل المجتمع نفسه.

من الشاشة إلى الميدان

المشكلة الأكبر أن خطاب الكراهية لا يبقى حبيس الهاتف.

عندما يجري وصف جماعة بشرية باستمرار باعتبارها عدوًا أو حاضنة اجتماعية للعدو، تصبح الانتهاكات ضد أفرادها أكثر قابلية للتبرير في الوعي العام.

وهكذا تبدأ عملية خطيرة من نزع الصفة الإنسانية عن الآخر.

فالقتل يصبح «انتقامًا»، والتهجير يصبح «تنظيفًا»، والاستيلاء على الممتلكات يمكن تبريره باعتباره عقابًا لمجموعة بأكملها.

وهنا يتحول الخطاب الرقمي من مجرد كلمات مسيئة إلى جزء من البيئة التي تسمح باستمرار العنف.

خوارزميات تزيد النار اشتعالًا

تلعب طبيعة منصات التواصل الاجتماعي دورًا إضافيًا في تعقيد الأزمة.

فالمحتوى الصادم والغاضب والمثير للانقسام ينتشر عادة بصورة أسرع من الأخبار الهادئة أو التفسيرات المتوازنة، ما يمنح الشائعة أو الخطاب العنصري فرصة أكبر للوصول إلى جمهور واسع قبل التحقق منه.

ويزداد الأمر خطورة في ظل تداول مقاطع قديمة على أنها حديثة، أو صور من دول أخرى تُنسب إلى السودان، أو حسابات مجهولة تنشر معلومات ذات طابع قبلي أو عسكري يصعب التحقق منها.

وفي بيئة حرب تعاني أصلًا من ضعف المؤسسات الإعلامية وانقطاع الاتصالات في مناطق واسعة، تصبح المعلومة غير الموثوقة قادرة على إشعال توتر حقيقي خلال ساعات.

خطر يمتد إلى ما بعد الحرب

قد تنتهي المعارك باتفاق سياسي، لكن الكراهية التي تراكمت داخل المجتمع لا تنتهي بالتوقيع.

وهذه ربما أخطر نتائج الحرب الحالية.

فالمدن والقرى التي عاشت عمليات قتل وتهجير ونهب على أساس الهوية تحتاج لاحقًا إلى إعادة بناء الثقة بين سكانها، بينما يعمل خطاب الكراهية في الاتجاه المعاكس تمامًا، من خلال تثبيت صورة الآخر باعتباره تهديدًا دائمًا.

ولهذا فإن بناء السلام في السودان لن يكون مجرد جمع السلاح أو توقيع اتفاق بين القيادات العسكرية والسياسية.

سيحتاج السودان إلى مواجهة الإرث الاجتماعي والنفسي الذي خلفته الحرب، وإعادة بناء مفهوم المواطنة على أساس أن المسؤولية عن الجريمة فردية ولا تنتقل إلى القبيلة أو المنطقة أو الجماعة التي ينتمي إليها مرتكبها.

المسؤولية تبدأ من الإعلام

مواجهة خطاب الكراهية لا تعني تقييد حرية التعبير أو منع النقد السياسي والعسكري، وإنما تعني وضع خط واضح بين النقد والتحريض.

فالصحفي من حقه أن يوثق الانتهاكات وينتقد القوات المسلحة أو الدعم السريع أو أي قوة سياسية، لكن تحميل مجتمع كامل مسؤولية أفعال قوة مسلحة ينتمي بعض أفرادها إلى ذلك المجتمع يمثل انتقالًا من الصحافة إلى التحريض.

وتقع مسؤولية مماثلة على السياسيين والناشطين وأصحاب الحسابات المؤثرة، لأن حجم الجمهور يحول الكلمة في زمن الحرب إلى فعل قد تكون له نتائج مباشرة.

كما تصبح مبادرات التحقق من الأخبار، والتدريب الإعلامي، ومراقبة المحتوى التحريضي، أكثر أهمية في هذه المرحلة، إلى جانب ضرورة وجود مساءلة قانونية واضحة عن الدعوات المباشرة للعنف والتمييز والإبادة.

الحرب التي يجب ألا تنتصر

السودان يستطيع إعادة بناء الطرق والمطارات والمستشفيات التي دمرتها الحرب، مهما بلغت تكلفة ذلك.

لكن إعادة بناء مجتمع فقد الثقة بين مكوناته ستكون أكثر صعوبة.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تتركه الحرب ليس المباني المهدمة وحدها، بل مجتمعًا ينظر فيه كل طرف إلى الآخر باعتباره خصمًا محتملًا.

ومواجهة خطاب الكراهية ليست قضية إعلامية ثانوية، بل جزء من معركة الحفاظ على الدولة نفسها.

فإذا كان السلاح يدمر المدن، فإن الكراهية قادرة على تدمير الفكرة التي تجعل سكان تلك المدن قادرين على العيش معًا بعد أن يصمت السلاح.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً