الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

سد النهضة وانحسار مياه النيل.. هل أصبح الأمن المائي السوداني رهينة لقرارات التشغيل؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

سد النهضة وانحسار مياه النيل.. هل أصبح الأمن المائي السوداني رهينة لقرارات التشغيل؟
💬 تعليق 0

بقلم | مصطفى محمود

28 يوليو 2026 | بتوقيت السودان

لم يعد الحديث عن انخفاض مناسيب مياه النيل في السودان مجرد نقاش موسمي يرتبط بكمية الأمطار أو حجم الفيضان السنوي، بل أصبح جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحرب، والتغيرات المناخية، وإدارة السدود، والتحولات الجيوسياسية في حوض النيل. وفي كل مرة ينحسر فيها منسوب المياه أو تتعطل محطات الشرب، تتجه الأنظار مباشرة إلى سد النهضة الإثيوبي، بينما يغيب عن النقاش سؤال أكثر أهمية: هل تكمن المشكلة في كمية المياه وحدها، أم في قدرة السودان على إدارتها في ظل ظروف استثنائية فرضتها الحرب؟

إن الإجابة العلمية لا تحتمل التبسيط أو الأحكام المطلقة. فالأمن المائي لا يُقاس فقط بما يدخل البلاد من مياه، وإنما أيضاً بقدرة الدولة على إدارتها وتخزينها وتوزيعها بكفاءة. ومن هنا تبدأ القراءة الحقيقية للمشهد.

الحرب… العامل الأول في معادلة الأمن المائي

قبل الحديث عن سد النهضة، ينبغي الاعتراف بأن الحرب التي اندلعت في السودان منذ أبريل 2023 فرضت تحديات غير مسبوقة على قطاع المياه. فقد تعرضت أجزاء من البنية التحتية للكهرباء والمياه لأضرار مباشرة وغير مباشرة، وتعطلت أعمال الصيانة الدورية، وتأثرت منظومات النقل والإمداد، بينما اضطرت أعداد من المهندسين والفنيين والكوادر المتخصصة إلى النزوح داخل البلاد أو مغادرتها بحثاً عن الأمان.

ورغم استمرار المؤسسات المختصة في أداء مهامها، فإن إدارة منظومة مائية معقدة بحجم السودان تعتمد بصورة كبيرة على الخبرات البشرية المتراكمة، وعلى فرق التشغيل والرصد والهيدرولوجيا التي تتابع حركة المياه على مدار الساعة. لذلك، فإن أي نقص في الكفاءات أو ضعف في الإمكانات الفنية قد ينعكس على سرعة الاستجابة واتخاذ القرار، خاصة خلال المواسم الحرجة.

وتزداد حساسية هذا الأمر مع بداية شهر يوليو من كل عام، حيث يبدأ السودان عملياً موسم إدارة الفيضان القادم من الهضبة الإثيوبية. ففي هذه الفترة، تُتخذ قرارات يومية تتعلق بمعدلات التخزين، وتشغيل بوابات السدود، وحماية المدن من الفيضانات، وتأمين احتياجات الري، وضمان استمرار إنتاج الكهرباء. وهي عملية تتطلب دقة علمية وخبرة ميدانية وتنسيقاً مؤسسياً متواصلاً.

ومن ثم، فإن أي تحليل لواقع المياه في السودان يتجاهل تأثير الحرب على مؤسسات إدارة الموارد المائية يظل تحليلاً ناقصاً، لأن الأزمة لا تتعلق فقط بما يجري خارج الحدود، وإنما أيضاً بقدرة الداخل السوداني على التعامل مع المتغيرات الإقليمية.

لماذا يمثل يوليو بداية أخطر موسم مائي؟

قد لا يدرك كثيرون أن الأول من يوليو يمثل عملياً بداية الموسم الهيدرولوجي الأكثر أهمية في السودان. ففي هذا التوقيت تبدأ الأمطار في الهضبة الإثيوبية بالارتفاع تدريجياً، لتزداد كميات المياه الواردة عبر النيل الأزرق خلال الأسابيع اللاحقة.

وتتابع الجهات المختصة بصورة يومية بيانات الأمطار، ومعدلات التدفق، وسعات التخزين في خزان الروصيرص وسنار ومروي وجبل أولياء، بهدف تحقيق توازن دقيق بين تخزين المياه والاستعداد للفيضانات وتوفير احتياجات الزراعة والكهرباء ومياه الشرب.

وأي خطأ في تقدير هذه المعادلة قد تكون له آثار تمتد إلى ملايين المواطنين، سواء عبر نقص المياه، أو ضعف إنتاج الكهرباء، أو ارتفاع مخاطر الفيضانات. ولهذا السبب تُعد هذه الفترة من أكثر الفترات التي تحتاج إلى أعلى درجات الجاهزية الفنية والإدارية.

كيف تغيرت معادلة النيل بعد سد النهضة؟

قبل إنشاء سد النهضة، كانت مياه النيل الأزرق تصل إلى السودان وفق الدورة الطبيعية للأمطار والسيول القادمة من المرتفعات الإثيوبية. وكانت السدود السودانية تُدار على أساس هذه الدورة المعروفة تاريخياً، مع هامش معقول للتنبؤ بحركة المياه.

أما اليوم، فقد دخل عنصر جديد إلى المعادلة، يتمثل في وجود خزان ضخم قادر على تخزين وإطلاق المياه وفق برنامج تشغيل تحدده السلطات الإثيوبية.

وهنا ينبغي التمييز بين مفهومين مختلفين.

الأول هو كمية المياه التي تصل إلى السودان على مدار العام.

أما الثاني فهو توقيت وصول هذه المياه.

فالكمية السنوية قد تبقى متقاربة في كثير من الظروف، لكن تغيير توقيت الإطلاق أو تقليل التصريف في فترة معينة قد يؤثر بصورة مباشرة على تشغيل محطات المياه، والسدود، وشبكات الري، وحتى إنتاج الكهرباء.

وبهذا المعنى، لم يعد السودان يتعامل مع نهر تحكمه الطبيعة وحدها، بل مع نظام مائي يتأثر أيضاً بقرارات تشغيلية تتخذ خارج حدوده.

هل سد النهضة مسؤول عن انحسار المياه؟

الإجابة العلمية تقتضي الابتعاد عن التعميم.

فليس كل انخفاض في منسوب النيل سببه سد النهضة، كما أنه لا يمكن في المقابل إنكار تأثير السد على النظام الهيدرولوجي للنيل الأزرق.

فهناك عوامل طبيعية تتمثل في تغير معدلات الأمطار، والتذبذب المناخي، والحرارة، والبخر، إضافة إلى عوامل محلية تتعلق بإدارة السدود السودانية، وحالة البنية التحتية، وظروف التشغيل.

وفي المقابل، فإن عمليات ملء الخزان أو تعديل برامج التصريف في سد النهضة قد تؤدي إلى تغيرات مؤقتة في كميات المياه أو توقيت وصولها إلى السودان، وهو أمر طبيعي في وجود منشأة بهذا الحجم على مجرى النهر.

ولذلك فإن القراءة المهنية لا تقوم على البحث عن سبب واحد، وإنما على فهم تفاعل عدة عوامل في الوقت نفسه.

السودان… الدولة الأكثر حساسية

إذا كانت إثيوبيا دولة المنبع، ومصر دولة المصب النهائي، فإن السودان يمثل الحلقة الأكثر حساسية بين الطرفين.

فالبلاد تعتمد بصورة مباشرة على النيل الأزرق في مياه الشرب، والري، وإنتاج الكهرباء، وتشغيل عدد من المشروعات الزراعية الكبرى، كما تقع سدودها على مسافات قريبة نسبياً من الحدود الإثيوبية، ما يجعل أي تغير في التدفقات يظهر بسرعة أكبر مقارنة بدول أخرى.

كما أن السودان لا يمتلك بحيرة تخزين عملاقة بحجم بحيرة ناصر في مصر، وهو ما يجعل هامش المناورة أقل في بعض الحالات، ويزيد أهمية التنسيق المسبق وتبادل البيانات.

ولهذا السبب، فإن أي تغيير في برامج تشغيل سد النهضة قد ينعكس بصورة أسرع على السودان، سواء كان ذلك إيجاباً أو سلباً، بحسب طبيعة التشغيل ومستوى التنسيق بين الجانبين.

الأمن المائي لا يعني المياه فقط

يرتكب البعض خطأً شائعاً عندما يحصر مفهوم الأمن المائي في كمية المياه الموجودة داخل النهر.

فالواقع أن الأمن المائي يرتبط بمنظومة كاملة تشمل السدود، ومحطات الضخ، وشبكات الكهرباء، وأنظمة الرصد، والكفاءات البشرية، والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

فإذا تعطلت محطة مياه بسبب انقطاع الكهرباء، فإن الأزمة التي يشعر بها المواطن لا تكون ناجمة عن نقص المياه في النهر، بل عن تعطل منظومة التشغيل.

وإذا تعذر تشغيل إحدى بوابات السدود أو تأخرت أعمال الصيانة أو ضعفت القدرة على متابعة البيانات الهيدرولوجية، فإن ذلك قد ينعكس على كفاءة إدارة الموارد المائية، حتى لو كانت المياه متوافرة.

ومن هنا، فإن الحرب أثرت على الأمن المائي بطريقة غير مباشرة، لأنها مست البنية المؤسسية والفنية التي تعتمد عليها إدارة هذا القطاع الحيوي.

هل توجد فوائد لسد النهضة؟

الحديث المهني يقتضي أيضاً الاعتراف بأن وجود سد النهضة قد يحقق بعض الفوائد المحتملة للسودان إذا جرى تشغيله في إطار تنسيق كامل وشفاف.

فالسد قد يسهم في تقليل حدة الفيضانات الموسمية، والحد من كميات الإطماء التي تصل إلى السدود السودانية، وتنظيم تدفقات المياه بصورة أكثر استقراراً، كما يتيح فرصاً للتعاون في مجال الطاقة الكهربائية.

غير أن هذه الفوائد تظل مرتبطة بشرط أساسي، وهو وجود آلية واضحة لتبادل البيانات، واتفاق مستقر حول قواعد الملء والتشغيل، بما يضمن عدم تعرض السودان لمفاجآت تشغيلية قد تؤثر على منشآته الحيوية.

ولهذا، فإن جوهر الخلاف لا يتمثل في وجود السد بحد ذاته، وإنما في كيفية تشغيله، ومدى التوافق حول قواعد الإدارة المشتركة للمورد المائي.

الطريق إلى المستقبل

من الواضح أن ملف المياه في السودان لم يعد قضية هندسية أو فنية فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومي.

فالحرب أظهرت أهمية حماية المؤسسات الفنية والكفاءات الوطنية، كما أكدت أن إدارة المياه تحتاج إلى استقرار سياسي وإداري بقدر حاجتها إلى السدود والخزانات.

وفي المقابل، فإن التطورات التي شهدها حوض النيل خلال السنوات الأخيرة تجعل من الضروري تطوير آليات تعاون أكثر فاعلية بين دول الحوض، تقوم على تبادل المعلومات بصورة منتظمة، وتعزيز الثقة، والالتزام بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالأنهار العابرة للحدود، بما يحقق الاستخدام المنصف والمعقول للمياه ويحد من احتمالات النزاع.

إن السودان لا يحتاج إلى إدارة أزمة موسمية كل عام، بل إلى استراتيجية طويلة الأمد تعيد بناء قطاع المياه، وتؤهل كوادره، وتحدث أنظمة الرصد والإنذار المبكر، وتربط الأمن المائي بالأمن الغذائي والطاقة والتنمية المستدامة.

ففي عالم تتزايد فيه الضغوط على الموارد الطبيعية، لن يكون امتلاك المياه وحده كافياً، بل ستكون القدرة على إدارتها بكفاءة هي الفارق الحقيقي بين الدول.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً