الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

ما بعد الحرب في السودان.. هل يصمد تحالف السلاح أمام اختبار السلام؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

ما بعد الحرب في السودان.. هل يصمد تحالف السلاح أمام اختبار السلام؟
💬 تعليق 0

التحالفات المرحلية في السودان.. من وحدة السلاح إلى صراع النفوذ؟

تحليل | عبود النصيح

خاص لقطة AI

بتوقيت السودان

لم تكن التحالفات العسكرية التي تشكلت خلال الحرب في السودان نتاج مشروع سياسي موحد أو رؤية متفق عليها لمستقبل الدولة، بل جاءت استجابة لضرورات فرضها واقع الحرب وتعقيدات الميدان. فقد جمعت المواجهة تحت مظلة القوات المسلحة السودانية أطرافاً متباينة في خلفياتها الفكرية والسياسية، وفي مصالحها وأهدافها، لكنها التقت مؤقتاً حول خصم واحد ومعركة واحدة.

ومع تراجع حدة العمليات العسكرية في بعض المحاور، ولا سيما في العاصمة الخرطوم، بدأت أسئلة اليوم التالي للحرب تتقدم على أسئلة الميدان. ولم يعد النقاش يدور حول قدرة الجيش وحلفائه على تحقيق مزيد من المكاسب العسكرية، بل حول مستقبل التحالف الذي نشأ خلال الحرب، وما إذا كان قادراً على الاستمرار عندما تنتقل البلاد من منطق المواجهة إلى منطق السياسة، ومن إدارة المعارك إلى إدارة الدولة.

فالحرب بطبيعتها تؤجل الخلافات، لأنها تدفع الأطراف المختلفة إلى توحيد جهودها في مواجهة خطر مشترك. أما السلام، فإنه يعيد فتح الملفات التي جرى تأجيلها، وفي مقدمتها تقاسم السلطة، ومستقبل السلاح، وإعادة بناء المؤسسات، وتوزيع النفوذ والموارد. ولهذا قد يكون اختبار السلام أكثر تعقيداً من اختبار الحرب نفسها.

تحالف المصلحة لا تحالف المشروع

منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وجد الجيش السوداني نفسه أمام مواجهة واسعة امتدت إلى ولايات متعددة، الأمر الذي فرض عليه توسيع دائرة الحلفاء والاستفادة من القوى القادرة على القتال والإسناد وتأمين خطوط الإمداد.

وفي هذا السياق، تشكل تحالف عسكري واسع ضم القوات المشتركة التابعة لحركات الكفاح المسلح، والكتائب ذات الطابع العقائدي، والمقاومة الشعبية، إضافة إلى تشكيلات محلية وعشائرية وجهوية نشأت تحت مسميات حماية المجتمعات والدفاع الأهلي.

ولعبت هذه القوى أدواراً مهمة في حماية المدن، وتأمين طرق الإمداد، والمشاركة في العمليات البرية، وسد النقص البشري في عدد من الجبهات، كما أسهمت في توسيع قاعدة التعبئة العسكرية والاجتماعية خلال مراحل وصفت بأنها الأكثر حساسية في مسار الحرب.

غير أن هذه القوى لم تدخل المعركة بدوافع متطابقة. فبعضها تحرك دفاعاً عن مناطقه وقواعده الاجتماعية، وبعضها انطلق من اعتبارات سياسية وتنظيمية، بينما رأت حركات مسلحة أن مشاركتها تمثل دفاعاً عن وجودها ومكتسباتها في مواجهة تمدد قوات الدعم السريع.

ولهذا فإن التحالف الذي نشأ خلال الحرب لم يكن تحالف مشروع سياسي متكامل، بقدر ما كان تحالف مصالح فرضته ظروف استثنائية، التقت فيه أهداف متباينة عند نقطة واحدة هي مواجهة الخصم المشترك. ومع اقتراب مرحلة ما بعد الحرب، ستبدأ هذه المصالح في البحث عن مسارات جديدة قد تتقاطع أحياناً، وقد تتعارض في أحيان أخرى.

خريطة الحلفاء المسلحين

تتصدر القوات المشتركة لحركات الكفاح المسلح قائمة القوى التي قاتلت إلى جانب الجيش، وتضم بصورة رئيسية فصائل موقعة على اتفاق جوبا للسلام، أبرزها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم.

وقد انتقلت هذه الحركات من موقف أقرب إلى الحياد في بداية الحرب إلى المشاركة المباشرة، خصوصاً بعد اتساع رقعة القتال في دارفور وتهديد عدد من المدن وخطوط الإمداد، لتصبح جزءاً مؤثراً في المعادلة العسكرية، لا سيما في دارفور وكردفان.

إلى جانب ذلك، برزت مجموعات ذات طابع عقائدي، من بينها كتيبة البراء بن مالك، إضافة إلى مجموعات المقاومة الشعبية التي شاركت في عمليات الإسناد والدفاع عن المدن، وهي تشكيلات تمتلك روابط تنظيمية وفكرية خاصة تجعل مستقبلها أكثر حساسية في أي ترتيبات أمنية وسياسية مقبلة.

كما ظهرت تشكيلات محلية وجهوية، مثل قوات درع السودان وغيرها من القوى التي نشأت أو توسعت تحت شعار حماية المجتمعات المحلية ومواجهة التهديدات الأمنية. وقد احتفظت بعض هذه القوى بقياداتها وتسليحها ومناطق انتشارها، رغم عملها إلى جانب القوات المسلحة.

ويمثل هذا التنوع أحد عناصر القوة في زمن الحرب، لكنه قد يتحول إلى أحد أكبر التحديات في مرحلة إعادة بناء الدولة، عندما يصبح المطلوب هو توحيد السلاح والقيادة والعقيدة العسكرية داخل مؤسسة وطنية واحدة.

الانتقال من الحرب إلى السلام.. لا يعني بالضرورة نهاية الصراع

اعتادت الحروب أن تنتج تحالفات واسعة بين قوى تختلف في الأيديولوجيا والمصالح والهوية، لكنها تتوحد مؤقتاً أمام خطر مشترك. غير أن التجارب الدولية تثبت أن كثيراً من هذه التحالفات يبدأ في التفكك بمجرد تراجع ذلك الخطر، لأن الملفات التي جرى تأجيلها خلال الحرب تعود إلى الواجهة بقوة أكبر.

ففي زمن الحرب يكون السؤال: كيف ننتصر؟ أما بعد توقف القتال فيتحول السؤال إلى: من يحكم؟ ومن يحتفظ بالسلاح؟ وكيف توزع السلطة؟ ومن يدير مؤسسات الدولة؟

وفي الحالة السودانية تبدو هذه الأسئلة أكثر تعقيداً، لأن التحالف الذي نشأ خلال الحرب لا يضم مؤسسة عسكرية واحدة، بل يضم حركات مسلحة، وتشكيلات عقائدية، وقوات محلية، ومجموعات ذات مصالح سياسية واجتماعية متباينة. وما دام الرابط الأساسي بينها كان مواجهة خصم مشترك، فإن انتهاء هذه المواجهة سيضع الجميع أمام اختبار جديد: هل يمكن تحويل تحالف الميدان إلى شراكة لبناء الدولة، أم أن مرحلة السلام ستكشف تناقضات كانت مؤجلة تحت ضغط الحرب؟

حين ينتهي العدو المشترك

تقوم التحالفات العسكرية المرحلية، في الغالب، على وضوح الخصم أكثر مما تقوم على وحدة الرؤية. وخلال الحرب في السودان، كان الهدف المباشر لجميع القوى المتحالفة هو مواجهة قوات الدعم السريع ومنعها من توسيع نطاق سيطرتها أو فرض واقع عسكري جديد على الأرض.

غير أن تراجع الخطر المشترك أو تغير طبيعته يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة تماماً. فعندها تبدأ الخلافات التي جرى تأجيلها تحت ضغط المعارك في الظهور، وتتحول الأسئلة من إدارة الحرب إلى إدارة الدولة: من يملك القرار السياسي؟ ومن يحتفظ بالسلاح؟ وكيف توزع السلطة؟ وما هو موقع الحركات المسلحة والقوات المحلية والكتائب العقائدية داخل النظام الجديد؟

وقد تنظر بعض القوى الحليفة إلى مشاركتها في الحرب باعتبارها استحقاقاً سياسياً يمنحها حقاً أكبر في السلطة ومؤسسات الدولة، بينما قد ترى القيادة العسكرية أن انتهاء الحرب يفرض إعادة جميع التشكيلات المسلحة إلى إطار المؤسسة العسكرية، دون الإقرار بوجود مراكز قوة مستقلة.

وهنا تبدأ المسافة الفاصلة بين منطق التحالف العسكري ومنطق الدولة، وهي المسافة التي ستحدد إلى حد كبير شكل المرحلة المقبلة.

من تقاسم الخنادق إلى تقاسم السلطة

من المرجح أن يكون ملف المشاركة في السلطة أحد أكثر الملفات حساسية بعد الحرب. فالحركات المسلحة التي دفعت بمقاتليها وخسرت عدداً من كوادرها قد تعتبر أن دورها العسكري يمنحها حقاً في توسيع حضورها السياسي والأمني داخل مؤسسات الدولة.

وفي المقابل، قد تسعى بعض التشكيلات العقائدية إلى تحويل نفوذها الميداني إلى نفوذ سياسي، بينما قد تطالب القوى المحلية بضمانات تكفل تمثيل مناطقها وحماية مصالحها في أي ترتيبات جديدة.

غير أن تحويل الوزن العسكري إلى معيار لتقاسم السلطة يحمل مخاطر كبيرة، لأنه قد يكرس مبدأ أن السلاح هو الطريق إلى النفوذ السياسي، ويضعف دور المؤسسات المدنية، ويحول العملية السياسية إلى تفاوض دائم بين قادة التشكيلات المسلحة بدلاً من أن تكون تعبيراً عن الإرادة الوطنية.

ولهذا فإن نجاح مرحلة ما بعد الحرب لن يقاس فقط بوقف إطلاق النار، بل بقدرة الدولة على بناء نظام سياسي يقوم على المواطنة وسيادة القانون، لا على موازين القوة العسكرية.

معضلة تعدد مراكز القوة

التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المقاتلين أو حجم السلاح المنتشر، بل في استمرار مراكز قرار عسكري مستقلة عن القيادة العامة للقوات المسلحة.

فكل تشكيل يحتفظ بقيادته الخاصة، ومنظومته الإدارية، ومصادر تمويله، وولاءاته التنظيمية أو الجهوية، يمثل مركز قوة قد يصعب دمجه لاحقاً في مؤسسة عسكرية واحدة. وإذا لم تُعالج هذه المسألة منذ المراحل الأولى لما بعد الحرب، فقد تجد الدولة نفسها أمام واقع يعيد إنتاج تجربة الجيوش الموازية بأسماء جديدة.

وقد دفع السودان ثمناً باهظاً في السنوات الماضية نتيجة نشوء قوى مسلحة خارج البنية التقليدية للمؤسسة العسكرية، وهو ما يجعل من الضروري تجنب تكرار التجربة، أياً كانت المبررات أو المسميات.

فبناء جيش وطني محترف لا يقتصر على جمع السلاح تحت قيادة واحدة، بل يتطلب أيضاً توحيد العقيدة العسكرية، وسلسلة القيادة، ونظم التدريب والمحاسبة، بحيث تصبح المؤسسة العسكرية وحدها صاحبة القرار في استخدام القوة.

معركة الدمج والتسريح

أعلنت قيادات عسكرية، من بينها مساعد القائد العام الفريق ياسر العطا، التوجه نحو دمج القوات الحليفة والمقاومة الشعبية داخل المؤسسات النظامية، مع تسريح من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية، وإتاحة برامج للتأهيل المهني وإعادة الاندماج في الحياة المدنية.

ويمثل هذا التوجه خطوة منطقية من حيث المبدأ، لكنه يواجه تحديات معقدة في التطبيق. فالدمج لا يقتصر على إدخال المقاتلين في كشوفات الجيش، بل يشمل إعادة التدريب، وتوحيد العقيدة العسكرية، ومراجعة الرتب، والتحقق من السجلات، وضبط السلاح، وإعادة توزيع القوات بعيداً عن أي ولاءات سياسية أو جهوية.

كما أن برامج التسريح تتطلب موارد مالية كبيرة وخططاً اقتصادية واجتماعية متكاملة. فالمقاتل الذي يغادر الخدمة دون فرصة عمل أو مصدر دخل مستقر قد يجد نفسه مدفوعاً للعودة إلى حمل السلاح، أو الانخراط في اقتصاد الحرب والتهريب والجريمة المنظمة.

ولهذا فإن نجاح الدمج والتسريح لا يعتمد على القرارات الإدارية وحدها، بل يرتبط بقدرة الدولة على توفير التمويل، وكسب ثقة المقاتلين، وخلق بيئة اقتصادية تسمح بعودتهم إلى الحياة المدنية بصورة كريمة ومستقرة.

وتؤكد تجارب عدد من الدول الخارجة من النزاعات أن برامج الدمج والتسريح التي تفتقر إلى التمويل والإدارة الفعالة غالباً ما تؤدي إلى إعادة إنتاج العنف بصورة مختلفة، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أهم مفاتيح الاستقرار في مرحلة ما بعد الحرب.

هواجس الحركات المسلحة

في المقابل، قد تتعامل بعض الحركات المسلحة بحذر مع أي دعوات للدمج الكامل، خاصة إذا اعتقدت أن دورها خلال الحرب كان مرحلياً، وأن المطلوب منها بعد انتهاء القتال هو التخلي عن السلاح والنفوذ دون الحصول على ضمانات سياسية وأمنية كافية.

وتخشى بعض هذه الحركات أن يؤدي تسليم سلاحها إلى إضعاف قدرتها على حماية قواعدها الاجتماعية أو التأثير في القرارات الوطنية، كما قد تطالب بتنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها في اتفاق جوبا ضمن عملية تفاوضية متفق عليها، لا من خلال إجراءات أحادية.

وتزداد هذه المخاوف إذا شعرت بعض الأطراف بأن عملية الدمج تخضع لاعتبارات سياسية أو انتقائية، أو أنها تمنح امتيازات لقوى دون أخرى. ولهذا فإن نجاح أي ترتيبات أمنية يتطلب وضوحاً في المعايير، وضمانات قانونية وسياسية، وجدولاً زمنياً متفقاً عليه، بما يحول دون تحول الدمج إلى مصدر جديد للتوتر.

الكتائب العقائدية واختبار الدولة

يشكل مستقبل الكتائب ذات الطابع العقائدي تحدياً مختلفاً عن بقية التشكيلات المسلحة، لأنها لا تقوم فقط على الروابط العسكرية، بل تستند أيضاً إلى مرجعيات فكرية وتنظيمية قد تتجاوز مؤسسات الدولة.

وقد تتمكن المؤسسة العسكرية من استيعاب بعض أفراد هذه التشكيلات وفق الضوابط المهنية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في إنهاء أي بنية تنظيمية أو ولاء سياسي يعمل داخل المؤسسة العسكرية أو بمحاذاتها.

فالجيش المهني لا يمكن أن يكون ساحة لتعدد الولاءات أو التنافس الحزبي، لأن ذلك يقوض وحدة القيادة ويحول المؤسسة العسكرية إلى امتداد للصراع السياسي. ولذلك فإن بناء جيش وطني محترف يقتضي أن يكون الانتماء للمؤسسة العسكرية مقدماً على أي انتماء آخر، وأن يخضع جميع أفراده للقانون والانضباط العسكري ذاته.

القوات المحلية وخطر الجهوية المسلحة

أما التشكيلات المحلية والعشائرية، فتواجه تحديات من نوع مختلف، إذ نشأ كثير منها في ظل غياب الدولة وضعف المؤسسات الأمنية، بهدف حماية المجتمعات المحلية وتأمين المناطق التي تأثرت بالحرب.

غير أن استمرار هذه التشكيلات بعد انتهاء القتال قد يرسخ واقعاً أمنياً يقوم على تعدد مراكز القوة، ويمنح الانتماءات الجهوية والقبلية دوراً أكبر في إدارة الأمن المحلي، وهو ما يتعارض مع مفهوم الدولة الحديثة.

ومن هنا، فإن نزع سلاح هذه المجموعات لا يمكن أن يتم بالقوة أو بالقرارات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية، عبر تطوير مؤسسات الشرطة، وتعزيز سيادة القانون، وضمان توزيع عادل للخدمات والتنمية، حتى لا تشعر المجتمعات بأنها مضطرة للاحتفاظ بقواتها الخاصة لحماية مصالحها.

هل الصدام حتمي؟

رغم تعقيد المشهد، لا يمكن الجزم بأن الصدام بين الجيش وحلفائه أصبح أمراً محتوماً. فالحرب استنزفت جميع الأطراف، وتركت كلفة إنسانية واقتصادية وسياسية باهظة، الأمر الذي قد يدفع الجميع إلى تفضيل التسويات على المواجهات.

كما تدرك معظم القوى المسلحة أن استمرار حالة الفوضى لن يخدم مصالحها على المدى البعيد، وأن المشاركة في بناء مؤسسات الدولة قد تكون أكثر جدوى من الانخراط في صراع جديد يعيد إنتاج الأزمة.

لكن تجنب هذا السيناريو يتطلب إدارة سياسية وأمنية مبكرة، تبدأ قبل انتهاء الحرب بصورة كاملة، وتقوم على رؤية واضحة لمستقبل القوات الحليفة، وجدول زمني متفق عليه للدمج والتسريح، وضمانات تعزز المشاركة السياسية في إطار دولة القانون، بعيداً عن منطق الغلبة العسكرية.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

استناداً إلى طبيعة التحالفات القائمة، وموازين القوى الحالية، وتجارب الدول الخارجة من النزاعات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل تحالف السلاح في السودان.

السيناريو الأول: الدمج المنظم

ويقوم على نجاح الدولة في تنفيذ برنامج تدريجي يدمج القوات الحليفة داخل مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، مع تسريح من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة، وإعادة دمجهم في المجتمع عبر برامج اقتصادية واجتماعية مستدامة. ويعد هذا السيناريو الأكثر استقراراً، لكنه يحتاج إلى توافق سياسي واسع وإمكانات مالية وإدارية كبيرة.

السيناريو الثاني: الاحتواء المؤقت

وفيه تستمر بعض التشكيلات المسلحة في العمل تحت مظلة الجيش، مع احتفاظها بجزء من هياكلها الداخلية وخصوصيتها التنظيمية. وقد يوفر هذا الخيار استقراراً مرحلياً، لكنه يبقي جذور الأزمة قائمة، ويؤجل معالجتها إلى مرحلة لاحقة.

السيناريو الثالث: صراع النفوذ

ويبرز إذا أخفقت الأطراف في الاتفاق على مستقبل السلاح وتقاسم السلطة، أو حاول أحدها فرض رؤيته بالقوة. وفي هذه الحالة قد تتحول التحالفات التي فرضتها الحرب إلى تنافس سياسي وأمني، وربما إلى مواجهات جديدة تعيد إنتاج دوامة العنف بصورة مختلفة.

السلام الحقيقي يبدأ من وحدة الدولة

إن التحدي الذي ينتظر السودان بعد الحرب لا يتمثل فقط في إنهاء القتال، بل في إدارة اليوم التالي له. فالحروب قد تنجح في صناعة تحالفات عسكرية مؤقتة، لكنها لا تبني دولاً مستقرة. أما الدولة، فلا تقوم إلا على مؤسسة عسكرية واحدة، وسلطة مدنية شرعية، واحتكار كامل لاستخدام القوة في إطار القانون.

لقد أثبتت هذه الحرب أن التحالفات العسكرية يمكن أن تتشكل بسرعة تحت ضغط الخطر المشترك، لكن المحافظة عليها بعد زوال هذا الخطر ستكون أكثر صعوبة. فمعركة ما بعد الحرب لن تُحسم في ساحات القتال، بل في مؤسسات الدولة، ومن خلال القدرة على تحقيق توازن بين استيعاب الحلفاء، ومنع نشوء أي مراكز قوة موازية.

وسيكون نجاح السودان في هذه المرحلة مرهوناً بقدرته على تحويل شركاء الميدان إلى شركاء في بناء الدولة، لا إلى منافسين على السلطة أو حراس لمناطق نفوذ مستقلة. فكل تجربة تسمح ببقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة تحمل في داخلها بذور صراع جديد، مهما بدا السلام مستقراً في بدايته.

ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة: هل ينجح السودان في تحويل تحالفات الحرب إلى مشروع دولة، أم أن مرحلة ما بعد الحرب ستفتح فصلاً جديداً من صراع النفوذ؟

لقطة AI… عين ترصد الحدث، وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً