الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من التلويح بالتمرد إلى صراع النفوذ.. هل تتحول تحالفات الحرب إلى أزمة جديدة في دارفور؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من التلويح بالتمرد إلى صراع النفوذ.. هل تتحول تحالفات الحرب إلى أزمة جديدة في دارفور؟
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 7

13 أكتوبر 2026 | السودان – تحليل سياسي

أثارت تصريحات حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، بشأن احتمال التمرد على أي سلطة تدعم إنشاء تشكيلات مسلحة جديدة، ثم توضيحاته اللاحقة التي نفى فيها اعتزامه التمرد على الدولة، جدلًا يتجاوز حدود التصريحات السياسية إلى مستقبل التحالفات العسكرية التي تشكلت خلال الحرب السودانية. فالخلاف الذي برز حول مشروع إنشاء قوة جديدة باسم «درع الغرب» يعيد طرح سؤال لم تنجح الحكومات السودانية المتعاقبة في حسمه: هل تستطيع الدولة بناء مؤسسة عسكرية موحدة، أم أن التحالفات التي تنشأ لمواجهة خصم مشترك تتحول مع الوقت إلى مراكز متنافسة على السلاح والسلطة والنفوذ؟

تكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأن مناوي ليس مجرد قائد حركة مسلحة يعترض على ترتيبات عسكرية جديدة، بل يشغل منصب حاكم إقليم دارفور، ويقود حركة تحرير السودان، إحدى الحركات المنضوية في القوة المشتركة التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد قوات الدعم السريع. ومن ثم فإن تصريحاته تعكس توترًا داخل معسكر يفترض أن تجمع أطرافه أهداف عسكرية مشتركة، لكنها تختلف بشأن ترتيبات القوة ومستقبل السلطة في دارفور.

وبحسب تقارير صحفية تناولت تصريحاته خلال الأيام الماضية، جاء الجدل عقب تداول معلومات عن اجتماعات ضمت قيادات منشقة عن قوات الدعم السريع، لبحث تأسيس تشكيل عسكري جديد يرتبط اسمه بـ«درع الغرب». غير أن المعلومات المتاحة لا تكفي للجزم بأن التشكيل أصبح قوة عسكرية مكتملة، أو أن قرارًا رسميًا صدر بإنشائه وتمويله.

وهذا التمييز ضروري لفهم الأزمة، لأن الاعتراض الحالي يتعلق، في جانب منه، باحتمال إعادة تشكيل موازين القوى في دارفور، وليس بصدام عسكري وقع بالفعل بين الحركات المتحالفة مع الجيش.

من تصريح سياسي إلى أزمة ثقة

حين لوّح مناوي بالتمرد، حملت عباراته دلالات سياسية وأمنية ثقيلة في بلد يعيش حربًا اندلعت أصلًا بين قوتين عسكريتين تنازعتا السلطة والقيادة. لكن توضيحاته اللاحقة، التي شدد فيها على رفض إنشاء مليشيات خارج مؤسسات الدولة، تشير إلى أنه أراد تقديم موقفه باعتباره تحذيرًا من تكرار التجربة، لا إعلانًا عن تمرد جديد.

ومع ذلك، فإن التراجع عن الصياغة الحادة لا يلغي الأسئلة التي أثارتها. فإذا كانت القوى المتحالفة مع الجيش تختلف بشأن مشروعية إنشاء تشكيلات جديدة، فمن يملك القرار النهائي في تنظيم السلاح؟ وهل تخضع جميع القوات المتحالفة لقيادة واحدة، أم أن بعضها يحتفظ بهياكل قيادة مستقلة تفرض حضورها في الميدان وفي المفاوضات السياسية؟

تكشف هذه الأسئلة عن فجوة بين التحالف العسكري المؤقت والمشروع الوطني طويل المدى. فقد تستطيع قوى مختلفة التعاون خلال الحرب، لكنها قد تختلف جذريًا بشأن توزيع السلطة والمواقع العسكرية والموارد بعد توقف القتال.

وهنا يصبح الخلاف حول تشكيل جديد اختبارًا لطبيعة العلاقة بين الجيش والحركات المسلحة، وليس مجرد سجال بين شخصيات سياسية.

«درع الغرب» ومخاوف إعادة توزيع النفوذ

لا يمكن فصل الجدل حول «درع الغرب» عن التاريخ السياسي والعسكري لدارفور. فقد شهد الإقليم منذ مطلع الألفية صعود حركات مسلحة متعددة، ثم ظهور تشكيلات محلية وقبلية ارتبط بعضها بمؤسسات الدولة أو عمل إلى جانبها في مراحل مختلفة.

وأدت هذه التجارب إلى نشوء شبكات معقدة من الولاءات والمصالح العسكرية والاقتصادية، جعلت السيطرة على الأرض والموارد والطرق التجارية مرتبطة، في بعض المناطق، بموازين القوة المسلحة.

ومع اندلاع حرب أبريل 2023، تغيرت التحالفات مجددًا. فقد انتقلت حركات كانت تحتفظ بمواقف متفاوتة من طرفي الصراع إلى القتال إلى جانب الجيش، بينما انشقت مجموعات عن الدعم السريع واتجهت إلى البحث عن مواقع جديدة داخل المعسكر المناهض لها.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يثير ظهور تشكيل جديد مخاوف لدى القوى القائمة من تقليص دورها العسكري أو السياسي، خصوصًا إذا حصل على تمويل وتسليح ونفوذ ميداني مستقل.

لكن هذه القراءة لا تعني أن اعتراض مناوي تحركه المنافسة وحدها. فرفض إنشاء قوات موازية يستند أيضًا إلى مخاوف مشروعة بشأن تكرار تجربة تعدد الجيوش، التي أسهمت في تعميق الأزمة السودانية.

وتبقى المشكلة في غياب معيار مؤسسي واضح يطبق على الجميع، سواء كانوا حركات موقعة على اتفاق سلام، أو تشكيلات محلية، أو مجموعات منشقة عن الدعم السريع.

اتفاق جوبا.. سلام لم يستكمل ترتيباته العسكرية

تعود جذور المعضلة إلى اتفاق جوبا للسلام الموقع في أكتوبر 2020، الذي نص على ترتيبات أمنية تشمل دمج قوات الحركات المسلحة وتسريح من لا تنطبق عليهم شروط الخدمة العسكرية، ضمن عملية لإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية.

لكن التنفيذ واجه عقبات سياسية ومالية وعسكرية، ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتغير أولويات الأطراف وتدفع بعض الحركات إلى الانخراط المباشر في القتال.

وفي سبتمبر 2026، أعلن قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان بدء خطوات عملية لدمج قوات الحركات الموقعة على الاتفاق، موضحًا أن انتشار القوة المشتركة في جبهات القتال يعوق استكمال هذه العملية. كما تعهد بالوصول إلى جيش واحد بنهاية الحرب.

غير أن المشكلة لا تتعلق بالتوقيت وحده. فإذا استمر السماح بتشكيل قوات جديدة خلال الحرب، فقد تصبح عملية الدمج أكثر تعقيدًا، وتتسع الفجوة بين الدعوة إلى مؤسسة عسكرية موحدة والواقع الذي تتحرك فيه تشكيلات متعددة تحت قيادات مختلفة.

وتكشف تصريحات مناوي عن مفارقة تستحق النقاش: فهو يرفض وجود مليشيات موازية للدولة، بينما يقود حركة مسلحة لم تستكمل دمج قواتها في الجيش. ولا يعني ذلك بالضرورة تطابق الوضع القانوني للحركات الموقعة على اتفاق سلام مع أي تشكيل جديد، لكنه يؤكد ضرورة إخضاع الجميع لمعايير مؤسسية واضحة، بدل ترك مسألة شرعية السلاح رهينة للمواقف السياسية والتحالفات المتغيرة.

دارفور.. الخوف من انتقال الحرب إلى داخل التحالفات

يواجه دارفور خطرًا خاصًا إذا تحولت الخلافات بشأن التشكيلات العسكرية إلى منافسة مسلحة. فقد عرف الإقليم منذ سنوات صراعات معقدة ارتبطت بالأرض والموارد والسلطة، وأسهم تسليح الجماعات المحلية في تعميق بعضها.

وتزداد حساسية الوضع عندما تصبح الانتماءات القبلية أو الجهوية أساسًا لتنظيم القوات وتوزيع مناطق الانتشار والنفوذ.

فوجود تشكيلات مسلحة متعددة لا يعني بالضرورة اندلاع مواجهة بينها، لكنه يرفع مخاطر الاحتكاك إذا تداخلت مناطق عملها أو تنازعت القيادة والموارد.

كما أن استيعاب مجموعات منشقة عن الدعم السريع يحتاج إلى ترتيبات قانونية وأمنية تضمن التحقق من خلفيات الأفراد، والمساءلة عن الانتهاكات التي قد يثبت ارتكابها، ومنع العقاب الجماعي على أساس الانتماء القبلي أو الجهوي.

وبالنسبة إلى المدنيين في دارفور، فإن الخطر لا يتمثل في هوية القوة الجديدة وحدها، بل في احتمال أن تصبح القرى والمدن والطرق التجارية مجالًا لتنافس تشكيلات لا تخضع جميعها لقيادة واحدة أو نظام مساءلة فعال.

لماذا تراجع مناوي عن التلويح بالتمرد؟

بعد الجدل الذي أثارته تصريحاته، التقى مناوي إعلاميين وناشطين، موضحًا أن حديثه كان تحذيرًا سياسيًا من إنشاء مليشيات جديدة، وليس إعلانًا عن تمرد فعلي.

وفي 11 أكتوبر، نقلت وكالة السودان للأنباء تأكيده رفض تكوين أي مليشيا داخل الدولة، وتمسكه بدولة واحدة وجيش وطني موحد وسيادة كاملة. كما شدد، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، على أن انتشار القوات الموازية وتسليح القبائل يهددان وحدة البلاد.

وقد ساهم هذا التوضيح في الفصل بين موقفه السياسي من إنشاء التشكيلات الجديدة وبين احتمال اتخاذه خطوة عسكرية ضد الدولة.

لكن التراجع عن التهديد لا يعني انتهاء الخلاف الذي أنتجه. فلا تزال الأسئلة المتعلقة بمشروع «درع الغرب»، ومستقبل القوة المشتركة، وحدود سلطة الجيش على التشكيلات المتحالفة معه، بحاجة إلى إجابات مؤسسية واضحة.

ومن المهم أيضًا عدم افتراض أن مناوي يستعد للتمرد أو أن صدامًا بين حلفاء الجيش أصبح وشيكًا. فالمعلومات المتاحة تثبت وجود جدل سياسي بشأن التشكيلات المسلحة، لكنها لا تقدم دليلًا على قرار بالتمرد أو مواجهة عسكرية داخل التحالف.

التحالف العسكري ليس مشروعًا سياسيًا موحدًا

تكشف الأزمة جانبًا أوسع من طبيعة التحالفات التي نشأت خلال الحرب السودانية. فالاشتراك في مواجهة قوات الدعم السريع لا يعني بالضرورة الاتفاق على مستقبل الحكم أو توزيع السلطة أو إصلاح المؤسسة العسكرية.

وقد تختلف القوى المتحالفة بشأن من يمثل دارفور سياسيًا، وكيف توزع المناصب والموارد، وما موقع الحركات المسلحة بعد توقف القتال.

وهنا يظهر الخطر الكامن في تأجيل معالجة هذه القضايا إلى ما بعد الحرب. فكلما ترسخت مراكز القوة المسلحة وتوسعت شبكات مصالحها، ازدادت صعوبة إعادة تنظيمها داخل مؤسسات الدولة.

ولا يكفي إعلان الالتزام بجيش واحد إذا لم تصاحبه خطة واضحة تشمل الترتيبات القانونية والقيادة والتمويل والتجنيد والمساءلة، وتحدد كيفية دمج المقاتلين أو تسريحهم وإعادة إدماجهم في الحياة المدنية.

كما أن بناء مؤسسة عسكرية وطنية لا ينفصل عن قيام سلطة سياسية مدنية قادرة على إخضاع القوات المسلحة للقانون والرقابة المؤسسية، ومنع استخدام السلاح أداة للمنافسة على الحكم.

ما الذي ينبغي متابعته؟

سيكون الموقف الرسمي من مشروع «درع الغرب» مؤشرًا مهمًا على اتجاه الأزمة، خصوصًا ما إذا كانت الدولة ستسمح بإنشاء تشكيل مستقل، أم ستعتمد ترتيبات لاستيعاب المقاتلين الراغبين في الانضمام إلى الجيش ضمن هياكله النظامية.

كما ستكتسب عملية دمج قوات الحركات المسلحة أهمية أكبر، إذا انتقلت من التصريحات العامة إلى خطوات قابلة للتحقق وجدول زمني معلن.

أما على المستوى السياسي، فستظل العلاقة بين مناوي والقيادة العسكرية وبقية مكونات القوة المشتركة مؤشرًا على مدى قدرة التحالف الحالي على إدارة خلافاته دون تحويلها إلى تنافس ميداني.

إن التلويح بالتمرد ثم التراجع عنه قد ينتهي باعتباره خلافًا سياسيًا عابرًا، لكن الأسئلة التي أثارها لا يمكن تجاوزها بالتصريحات وحدها. فدارفور لا تحتاج إلى إعادة توزيع السلاح بين قوى متنافسة بقدر حاجتها إلى إنهاء منطق الحكم بالقوة، وبناء مؤسسات تستطيع حماية المدنيين وإدارة الخلافات تحت سلطة القانون. وإذا استمرت الدولة في الاعتماد على تحالفات عسكرية متعددة دون معالجة مستقبلها، فقد تجد نفسها أمام أزمات نفوذ جديدة حتى بعد انتهاء الحرب الحالية. أما الطريق إلى استقرار مستدام، فيبدأ من قاعدة واحدة لا تستثني حليفًا ولا خصمًا: لا سلطة عسكرية خارج المؤسسات الوطنية، ولا مستقبل آمن للسودان في ظل تعدد الجيوش.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً