الجمعة، 11 سبتمبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من الجيلي إلى بورتسودان.. استثمار سعودي يفتح باب إعادة بناء صناعة التكرير في السودان

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من الجيلي إلى بورتسودان.. استثمار سعودي يفتح باب إعادة بناء صناعة التكرير في السودان
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI

11 سبتمبر 2026

خطا السودان خطوة جديدة نحو إعادة بناء واحدة من أكثر البنى التحتية تضررًا بالحرب، بعد توقيع وزارة الطاقة والنفط مذكرة تفاهم مع مجموعة «طويق» السعودية لإعادة تأهيل مصفاة الخرطوم في الجيلي، بالتوازي مع إنشاء مصفاة نفط جديدة في بورتسودان بسعات تكريرية كبيرة.

وجرى توقيع المذكرة، الخميس، في مباني وزارة الطاقة والنفط بالخرطوم، بحضور وكيل الوزارة علي عبدالرحمن ومسؤولين وخبراء في قطاع الطاقة. ووقّع عن الجانب السوداني المدير العام للمنشآت النفطية محمد عوض الجاك، فيما وقع عن المجموعة السعودية مديرها التنفيذي سلطان العنزي. 

الخبر يتجاوز في أهميته مجرد اتفاق استثماري جديد.

فمصفاة الخرطوم كانت لعقود قلب صناعة التكرير في السودان، قبل أن تتحول خلال الحرب إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع على البنية الاقتصادية الاستراتيجية، وتتوقف عن الإنتاج وتتعرض أجزاء واسعة منها لأضرار وحرائق.

والآن تحاول الخرطوم الانتقال من مرحلة حصر الخسائر إلى سؤال أصعب:

هل يمكن إعادة بناء قدرة السودان على إنتاج الوقود محليًا بدل الاعتماد المتزايد على الاستيراد؟

مشروعان بدل مشروع واحد

المذكرة الجديدة تكشف أن الخطة لا تقوم على إعادة تشغيل الجيلي وحدها.

هناك مساران متوازيان.

الأول هو صيانة وإعادة تأهيل وتطوير مصفاة الخرطوم.

والثاني هو إنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان.

وزارة الطاقة قالت إن المشروعين يستهدفان «سعات تكريرية طموحة»، لكن المصادر التي راجعتها لم تنشر حتى الآن رقمًا نهائيًا للطاقة التصميمية للمصفاة الجديدة، ولا القيمة الاستثمارية النهائية، ولا الجدول الزمني الملزم للتنفيذ. 

وهذا التفصيل مهم.

فما تم توقيعه اليوم مذكرة تفاهم، وليس عقد إنشاء نهائيًا.

أي أن الاتفاق يفتح الباب أمام المشروع، لكنه لا يعني أن المعدات ستصل غدًا أو أن التمويل أُغلق بالفعل.

لماذا بورتسودان؟

اختيار بورتسودان لمصفاة جديدة يحمل منطقًا اقتصاديًا واضحًا.

المدينة هي الميناء البحري الرئيسي للسودان ونقطة دخول جزء كبير من المشتقات النفطية المستوردة.

وجود مصفاة كبيرة قرب الميناء يمكن أن يقلل تكاليف نقل الخام، ويمنح السودان مرونة أكبر في الاستيراد والتكرير والتخزين والتصدير.

لكن هناك بعدًا آخر كشفته الحرب.

السودان الذي اعتمد بصورة كبيرة على منشأة تكرير ضخمة واحدة في الجيلي اكتشف أن تركيز البنية التحتية الحيوية في موقع واحد يحمل مخاطرة استراتيجية هائلة.

عندما توقفت مصفاة الخرطوم، لم تتوقف منشأة صناعية فقط.

فقد البلد جزءًا أساسيًا من قدرته المحلية على إنتاج البنزين والجازولين وغاز الطهي ومنتجات نفطية أخرى.

بناء مصفاة ثانية على البحر الأحمر يمكن، إذا نُفذ المشروع بالفعل، أن يغير هذه المعادلة.

الجيلي.. من قلب الاقتصاد إلى ساحة حرب

مصفاة الخرطوم تقع في منطقة الجيلي شمال العاصمة، وكانت أكبر منشأة لتكرير النفط في السودان.

الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 وضعتها سريعًا داخل منطقة الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وبعد أشهر من القتال والتوقف والحرائق، تعرضت أجزاء من المنشأة لدمار واسع

.

فالسيطرة العسكرية على المصفاة شيء، وإعادتها إلى الإنتاج شيء آخر تمامًا.

المصفاة شبكة شديدة التعقيد من وحدات التقطير والمعالجة والخزانات والأنابيب وأنظمة التحكم والطاقة والسلامة.

ولهذا فإن إعادة التأهيل تحتاج إلى تقييم هندسي تفصيلي يحدد ما يمكن إصلاحه وما يحتاج إلى استبدال كامل.

أسبوع من المفاوضات الفنية

المذكرة لم تأت من اجتماع بروتوكولي سريع.

بحسب المعلومات المنشورة، أمضى وفد المجموعة السعودية نحو أسبوع في السودان وعقد اجتماعات ومناقشات فنية تناولت الجوانب الاستثمارية والتشغيلية للمشروع.

وقال المدير التنفيذي لمجموعة طويق سلطان العنزي إن المجموعة جادة في الاستثمار في السودان، ولا سيما في قطاع النفط، مستعرضًا قدراتها الفنية والمالية وشراكاتها وخبراتها في مشروعات مرتبطة بإنشاء وتطوير المصافي في السعودية ودول الخليج. 

أما وكيل وزارة الطاقة والنفط علي عبدالرحمن فقال إن انطلاق الشراكة يبدأ من مصفاتي الخرطوم وبورتسودان، ووجّه الجهات المختصة بتذليل العقبات وصولًا إلى الاتفاق النهائي والشروع في التنفيذ

وهذه العبارة الأخيرة هي المفتاح لفهم المرحلة الحالية.

المشروع لم يصل بعد إلى نقطة اللاعودة.

السعودية تدخل ملف إعادة الإعمار من بوابة الطاقة

للخبر أيضًا دلالة تتجاوز النفط.

ففي يونيو الماضي بحث مسؤولون سودانيون وسعوديون تمويل مشروعات التعافي وإعادة الإعمار، إلى جانب معالجة الديون واستعادة انخراط السودان مع مؤسسات التمويل الإقليمية والدولية. 

والاتفاق الحالي يقدم نموذجًا أكثر تحديدًا لما يمكن أن يعنيه هذا التعاون.

بدل الحديث العام عن إعادة الإعمار، هناك الآن منشأتان محددتان وقطاع محدد ومستثمر محدد.

إذا انتقلت المذكرة إلى عقد وتمويل وتنفيذ، فستصبح من أوضح حالات دخول رأس مال خليجي إلى إعادة بناء البنية الاقتصادية السودانية بعد الحرب.

لماذا استعادة التكرير مهمة للمواطن؟

لأن توقف المصافي لا يبقى داخل قطاع النفط.

عندما لا يستطيع السودان إنتاج ما يكفي من المشتقات محليًا، يحتاج إلى استيرادها بالعملة الأجنبية.

وهذا يضع ضغطًا على الدولار.

والدولار يضغط على الجنيه.

ثم تصل التكلفة إلى محطة الوقود والنقل وأسعار السلع.

شاحنة القمح تحتاج إلى جازولين.

مولد المستشفى يحتاج إلى وقود.

مضخة المياه تحتاج إلى كهرباء أو وقود.

والحافلة التي تنقل العامل إلى وظيفته تدفع تكلفة الطاقة كل يوم.

لذلك فإن إعادة مصفاة الخرطوم ليست مشروعًا صناعيًا منفصلًا عن حياة الناس.

هي جزء من معركة تخفيض فاتورة الحرب اليومية.

لكن هناك أربعة أسئلة بلا إجابة

الحماس للاتفاق لا ينبغي أن يحجب ما لم يُعلن بعد.

لا توجد حتى الآن، في المصادر المنشورة التي راجعتها، تفاصيل نهائية عن حجم الاستثمار، والطاقة التكريرية المستهدفة، ونموذج التمويل، والجدول الزمني الملزم للتنفيذ

وهذه ليست تفاصيل صغيرة.

هي التي ستحدد الفرق بين مذكرة سياسية واعدة ومشروع صناعي يتحول إلى واقع.

إعادة تأهيل الجيلي وحدها قد تحتاج استثمارات ضخمة بسبب حجم الدمار.

أما إنشاء مصفاة جديدة بالكامل في بورتسودان فهو مشروع أكبر من حيث التمويل والهندسة والإنشاء والبنية المساندة.

اختبار مختلف للحكومة

الحكومة السودانية كانت قد ناقشت بالفعل، في يوليو، متطلبات إعادة تأهيل مصفاة الخرطوم ومقترح إنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان، بما في ذلك التكلفة التقديرية والجدول الزمني للمشروعين. 

ما حدث اليوم إذن هو انتقال من الفكرة الحكومية إلى شريك استثماري محتمل.

والمرحلة التالية أصعب:

تحويل التفاهم إلى عقد.

العقد إلى تمويل.

التمويل إلى معدات.

والمعدات إلى إنتاج فعلي.

هناك في السودان تاريخ طويل من مذكرات تفاهم ومشروعات استثمارية أُعلنت ثم لم تصل إلى نهايتها.

لذلك سيكون معيار النجاح بسيطًا للغاية:

ليس توقيع الورقة، بل موعد خروج أول لتر وقود من المصفاة المعاد تأهيلها.

إعادة بناء الاقتصاد تبدأ من المنشآت التي دمرتها الحرب

الحرب لم تدمر المنازل والمؤسسات الحكومية فقط.

لقد ضربت القدرة الإنتاجية للدولة.

المصانع.

محطات الكهرباء.

شبكات المياه.

الطرق.

والمصافي.

ولهذا فإن إعادة الإعمار الحقيقية لا تقاس بعدد المباني التي أعيد طلاؤها، بل بعودة الاقتصاد إلى إنتاج ما يحتاجه.

في هذا السياق، يمكن أن تكون مصفاة الجيلي أحد أهم الاختبارات المبكرة.

إذا عادت إلى العمل، ثم أضيفت إليها مصفاة جديدة في بورتسودان، فإن السودان لن يكون قد أصلح منشأة فقط.

سيكون قد بدأ في إعادة رسم خريطة أمنه الطاقي.

المذكرة السودانية السعودية مهمة، لكنها ما تزال بداية الطريق وليست نهايته. القيمة الحقيقية لن تكون في صورة التوقيع ولا في عبارة «سعات تكريرية طموحة»، بل في عقد ممول، وجدول زمني معلن، ومصفاة تعود إلى الإنتاج. الجيلي اليوم ليست مجرد مصنع محترق؛ إنها اختبار لقدرة السودان على الانتقال من استعادة الأرض إلى استعادة الاقتصاد.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً