الخميس، 15 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

من القابلية للاستعمار إلى القابلية للاستباحة.. قراءة في المأساة السودانية على ضوء فكر مالك بن نبي

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

من القابلية للاستعمار إلى القابلية للاستباحة.. قراءة في المأساة السودانية على ضوء فكر مالك بن نبي
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 19

15 أكتوبر 2026

لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان في 15 أبريل 2023 مجرد مواجهة عسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ولا يمكن اختزالها في صراع قائدين على السلطة أو تنافس تشكيلات مسلحة على السيطرة على الدولة. فقد كشفت الحرب عن أزمة أعمق تتعلق ببنية الدولة نفسها، وعلاقتها بالمجتمع، وطبيعة المؤسسات التي يفترض أن تحمي المواطنين، وكيف تحولت أدوات القوة، في ظل الانهيار السياسي والأمني، إلى مصادر تهديد لحياة السكان وممتلكاتهم ومستقبلهم.

ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى فكر المفكر الجزائري مالك بن نبي، صاحب مفهوم «القابلية للاستعمار»، ليس لاستعارة عباراته وإسقاطها بصورة آلية على السودان، وإنما لمحاولة فهم العلاقة بين الضعف الداخلي والتدخل الخارجي، وبين انهيار المؤسسات واتساع فرص الهيمنة، وبين غياب المشروع الوطني وقدرة القوى المسلحة على فرض إرادتها على المجتمع.

وإذا كان بن نبي قد انشغل بالسؤال عن الظروف الداخلية التي تجعل المجتمعات عرضة للاستعمار، فإن التجربة السودانية تطرح سؤالًا آخر أكثر اتصالًا بواقع الحرب: كيف يصبح المجتمع قابلًا للاستباحة عندما تفقد الدولة قدرتها على حماية الإنسان، وتتحول القوة المسلحة إلى وسيلة للحصول على السلطة والثروة، وتتراجع قيمة القانون أمام منطق السلاح؟

إن مفهوم «القابلية للاستباحة» المستخدم هنا ليس مصطلحًا أصيلًا في مؤلفات مالك بن نبي، وإنما اجتهاد تحليلي مستلهم من منهجه في دراسة شروط الانهيار الحضاري والاجتماعي. وهو لا يعني أن السودانيين مسؤولون عن الجرائم التي تعرضوا لها، أو أن الضحايا يستحقون ما وقع عليهم، بل يشير إلى الظروف السياسية والمؤسسية التي تسمح لمرتكبي الانتهاكات بالتصرف دون مساءلة فعالة.

وهذا التمييز ضروري منذ البداية؛ لأن تفسير أسباب الاستباحة لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير لها، كما أن البحث عن جذور الأزمة داخل المجتمع والدولة لا يعفي الأطراف المسلحة أو الجهات الخارجية المتورطة من مسؤولياتها القانونية والأخلاقية.

مالك بن نبي.. حين يبدأ الانهيار من الداخل

لم يكن مالك بن نبي ينظر إلى الاستعمار باعتباره مجرد قوة أجنبية تمتلك السلاح والقدرة على الاحتلال. فقد انشغل بالشروط التي تجعل مجتمعًا ما عاجزًا عن مقاومة الهيمنة، رغم امتلاكه البشر والأرض والموارد والتاريخ.

وفي كتابه «شروط النهضة»، تناول العلاقة بين الإنسان والتراب والوقت، وأهمية الفكرة المنظمة التي تحول هذه العناصر من إمكانات متفرقة إلى طاقة حضارية منتجة. كما اهتم بشبكة العلاقات الاجتماعية، وبالفرق بين مجتمع يمتلك الموارد ومجتمع يستطيع توظيفها لبناء مؤسسات مستقرة.

وتوضح الدراسات الأكاديمية لفكره أن «القابلية للاستعمار» لا تعني استعدادًا فطريًا لدى شعب للخضوع، وإنما حالة تاريخية واجتماعية ترتبط بضعف العلاقات والمؤسسات وتراجع القدرة الجماعية على الفعل.

وعند تطبيق هذا المنهج على السودان، يبرز تناقض يستحق التأمل: بلد يمتلك أراضي زراعية واسعة، وموارد معدنية، وموقعًا استراتيجيًا على البحر الأحمر، وتنوعًا بشريًا وثقافيًا غنيًا، لكنه عجز عبر مراحل طويلة عن تحويل هذه الإمكانات إلى دولة مستقرة تحقق الأمن والعدالة والتنمية لمواطنيها.

ليس السبب في افتقار السودانيين إلى القدرة أو المعرفة، فقد أثبتوا حضورًا مهنيًا وعلميًا وثقافيًا داخل البلاد وخارجها. وإنما تكمن إحدى المشكلات في عجز البنية السياسية والمؤسسية عن استثمار هذه القدرات ضمن مشروع وطني مستدام.

لقد تعاقبت على السودان حكومات مدنية وعسكرية، وتكررت الانقلابات والحروب الداخلية، وتغيرت التحالفات السياسية، لكن الأزمة المتعلقة بتوزيع السلطة والثروة وبناء المؤسسات ظلت حاضرة بأشكال مختلفة.

وهنا تصبح قراءة بن نبي مفيدة؛ لأنها تنقل السؤال من البحث عن المسؤول الخارجي وحده إلى فحص البنية الداخلية التي تسمح بتكرار الأزمات.

لكن هذه القراءة لا تعني التقليل من أثر التدخلات الخارجية. فالهيمنة الخارجية والضعف الداخلي قد يتفاعلان بصورة متبادلة، بحيث يؤدي كل منهما إلى تعزيز الآخر.

من احتكار الدولة للسلاح إلى تعدد مراكز القوة

من أبرز مظاهر الأزمة السودانية أن الدولة لم تنجح في بناء منظومة أمنية موحدة وخاضعة بصورة فعالة لسلطة مدنية دستورية.

فقد شهد السودان، خلال عقود، نشوء تشكيلات مسلحة متعددة، بعضها ارتبط بالدولة وبعضها نشأ في مواجهتها، ثم دخلت مجموعات منها في ترتيبات سياسية وعسكرية متغيرة.

وكان صعود قوات الدعم السريع وتحولها إلى قوة عسكرية واقتصادية واسعة النفوذ أحد أبرز مظاهر هذا الاختلال.

فقد أصبحت البلاد تضم مركزين كبيرين للقوة العسكرية، لكل منهما قيادة مستقلة ومصالح وشبكات نفوذ، بينما تعثرت الترتيبات المتعلقة بإصلاح القطاع الأمني ودمج القوات.

وعندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، لم تكن مؤسسات الدولة قادرة على احتواء المواجهة أو منع انتقالها إلى المدن والأحياء السكنية.

لقد تحولت الخرطوم، التي يفترض أن تكون مركز الإدارة والخدمات والقرار السياسي، إلى ساحة قتال، ثم امتدت الحرب إلى ولايات عديدة.

وفي دارفور وكردفان والنيل الأزرق، تداخلت المواجهات العسكرية مع نزاعات محلية وتوترات اجتماعية وأزمات إنسانية عميقة.

وتوثق تقارير دولية مسؤولية أطراف الحرب وحلفائها عن انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، مع اختلاف طبيعة الانتهاكات وحجمها بحسب المنطقة والجهة والوقائع محل التحقيق.

إن هذه الوقائع تكشف خللًا أساسيًا: عندما لا تحتكر الدولة استخدام القوة وفق القانون، ولا تخضع مؤسساتها المسلحة للمساءلة، يصبح المواطن معرضًا لسلطات متعددة قد تتنافس على إخضاعه بدل حمايته.

وهنا تنتقل الأزمة من مجرد ضعف الدولة إلى ما يمكن تسميته «القابلية المؤسسية للاستباحة».

حين يصبح الإنسان خارج حماية القانون

الاستباحة ليست القتل وحده، رغم أنه أكثر مظاهرها فداحة. إنها حالة يفقد فيها الإنسان الضمانات التي تحمي حياته وكرامته وحقوقه الأساسية.

يصبح منزله معرضًا للنهب أو الاحتلال، وقد يفقد أرضه أو مصدر رزقه، أو يُجبر على النزوح، أو يُتهم بالانتماء إلى طرف مسلح بسبب مكان إقامته أو هويته أو علاقاته الاجتماعية.

وفي هذه الحالة لا يعود القانون المرجع الفعلي الذي ينظم العلاقة بين المواطن والسلطة، وإنما تتقدم عليه موازين القوة والولاءات والقدرة على فرض الأمر الواقع.

وقد وثقت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية أنماطًا من قتل المدنيين والعنف الجنسي والتهجير والاعتداءات على المرافق المدنية خلال الحرب السودانية.

وفي 10 أكتوبر 2026، أدانت منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في السودان تقارير عن هجوم بطائرة مسيّرة قرب موقع للنازحين في ولاية النيل الأزرق، أسفر وفق المعلومات الأولية عن مقتل ما لا يقل عن 31 مدنيًا، معظمهم نساء وأطفال.

تكمن دلالة هذه الواقعة في أن النزوح، الذي يفترض أن يكون وسيلة للنجاة من القتال، لم يعد يوفر بالضرورة الحماية.

فالمدني الذي يغادر منزله هربًا من الخطر قد يجد نفسه معرضًا لخطر جديد في المكان الذي لجأ إليه.

ولا يمكن تفسير هذه المأساة بضعف المجتمع وحده؛ فهي نتيجة أفعال عسكرية وانتهاكات يجب التحقيق فيها ومحاسبة المسؤولين عنها. لكن اتساعها واستمرارها يكشفان أيضًا مدى تراجع المؤسسات القادرة على منع الجرائم وحماية الضحايا.

وهذا هو الفرق بين مجتمع يتعرض لانتهاك استثنائي، ومجتمع يصبح فيه الانتهاك خطرًا متكررًا يصعب على مؤسساته احتواؤه.

الاقتصاد السوداني.. عندما تتحول الموارد إلى وقود للصراع

تقدم الموارد الطبيعية السودانية مثالًا آخر على التناقض بين الإمكانات الاقتصادية والقدرة المؤسسية.

فالذهب والأراضي الزراعية والثروة الحيوانية والموقع الجغرافي يمكن أن تشكل أساسًا لاقتصاد منتج، إذا خضعت لإدارة شفافة وقواعد عادلة لتوزيع العائدات.

لكن الموارد قد تتحول، في غياب المؤسسات والرقابة، إلى مصادر لتمويل شبكات القوة المسلحة أو تعزيز النفوذ السياسي.

وتزداد المشكلة عندما ترتبط السيطرة على مناطق الإنتاج والمعابر التجارية والمناجم بالقدرة العسكرية بدل المؤسسات الاقتصادية والقانونية.

وفي هذه الحالة لا يكون الصراع على السلطة منفصلًا عن الصراع على الموارد.

كما أن انهيار النشاط الزراعي والصناعي والتجاري بسبب الحرب يقلص قدرة المجتمع على إنتاج الغذاء وفرص العمل، ويزيد اعتماده على المساعدات والتحويلات الخارجية.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة لعام 2026 إلى أن نحو 33.7 مليون شخص في السودان يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بينما بلغ عدد النازحين داخليًا نحو 8.9 مليون شخص وفق بيانات مايو من العام نفسه. وهذه تقديرات مؤرخة تتغير مع تطورات النزوح والعودة والاحتياجات.

والمفارقة أن البلد الذي يمتلك إمكانات زراعية واسعة أصبح يواجه مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.

ولا تعود هذه المفارقة إلى نقص الموارد وحده، وإنما إلى الحرب وتعطل الإنتاج والأسواق والتمويل والخدمات، إلى جانب الجفاف والعوامل المناخية.

وعلى ضوء فكر بن نبي، يمكن القول إن امتلاك الموارد لا يضمن النهضة ما لم تتوافر المؤسسات والأفكار والعلاقات الاجتماعية التي تحولها إلى منفعة عامة.

الخارج لا يصنع الأزمة وحده.. لكنه يستطيع استثمارها

تحتل التدخلات الخارجية موقعًا مهمًا في تفسير استمرار الحرب السودانية.

فالسودان ليس دولة معزولة عن محيطها، بل يقع عند تقاطع مصالح إقليمية ودولية تتعلق بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي ووادي النيل والموارد الطبيعية والتوازنات الأمنية.

وقد شهدت الحرب اتهامات متبادلة بشأن الدعم العسكري والمالي واللوجستي الذي تتلقاه أطراف النزاع من جهات خارجية، مع تفاوت الأدلة المتاحة بشأن طبيعة هذا الدعم والجهات المسؤولة عنه.

لكن اختزال الأزمة في المؤامرة الخارجية وحدها يحجب جانبًا أساسيًا من المشكلة.

فالتدخل الخارجي يصبح أكثر تأثيرًا عندما يجد مؤسسات منقسمة، ونخبًا سياسية متنافسة، ومراكز قوة تبحث عن حلفاء خارج الحدود لتعزيز مواقعها الداخلية.

ومن هنا تظهر الصلة بين مفهوم بن نبي والواقع السوداني.

فالضعف الداخلي لا يبرر التدخل الخارجي، لكنه قد يفتح أمامه مجالات أوسع للتأثير.

وفي المقابل، تستطيع التدخلات الخارجية أن تعمق الانقسامات الداخلية وتطيل أمد الصراع، خصوصًا عندما ترتبط بإمدادات السلاح أو التمويل أو المصالح الاقتصادية.

إن العلاقة هنا ليست أحادية الاتجاه، وإنما دائرة تتغذى فيها الأزمة الداخلية والتدخلات الخارجية بعضها من بعض.

وكسر هذه الدائرة يتطلب إصلاح المؤسسات الوطنية، إلى جانب مساءلة الجهات التي تسهم في استمرار الحرب أو انتهاك القانون الدولي.

النخبة السياسية.. من إدارة الاختلاف إلى إعادة إنتاج الأزمة

لا يمكن فهم هشاشة الدولة السودانية دون مراجعة الدور الذي لعبته النخب السياسية والعسكرية في تشكيل النظام السياسي منذ الاستقلال.

فقد عجزت التجارب المتعاقبة عن بناء توافق مستدام حول طبيعة الدولة، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وتوزيع الموارد، وحدود سلطة المؤسسة العسكرية.

وتكررت الصراعات حول الحكم في ظل مؤسسات حزبية ومدنية وعسكرية لم تتمكن من ترسيخ قواعد مستقرة لتداول السلطة.

لكن المسؤولية ليست متساوية بين جميع الأطراف، ولا يصح التعامل مع القوى المدنية والعسكرية باعتبارها كتلة واحدة. فالمسؤولية عن الانقلابات والحروب والانتهاكات تتحدد بالأفعال والقرارات والسلطات الفعلية، لا بمجرد الانتماء إلى المجال السياسي.

ومن أبرز المحطات التي كشفت هذا الاختلال انقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي أنهى ترتيبات الشراكة الانتقالية القائمة آنذاك وأضعف مسار الانتقال المدني.

ثم جاءت الحرب لتدفع الأزمة إلى مستوى أشد خطورة، بعدما تحول التنافس داخل منظومة الحكم والأمن إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وعلى ضوء فكر مالك بن نبي، يمكن قراءة هذا المسار بوصفه أزمة في العلاقة بين الأفكار والمؤسسات والأشخاص.

فحين يصبح بقاء الأشخاص في مواقع السلطة أهم من استقرار المؤسسات، وتتحول التحالفات السياسية إلى ترتيبات مؤقتة لتقاسم النفوذ، تتراجع قدرة المجتمع على إنتاج مشروع وطني جامع.

ولا تكون المشكلة عندئذ في غياب الشعارات السياسية، بل في ضعف القدرة على تحويل المبادئ المعلنة إلى قواعد دستورية ومؤسسات تحميها.

المجتمع السوداني ليس قابلًا للاستباحة بطبيعته

هنا ينبغي التوقف عند حدود الاستعارة الفكرية.

فقد يُفهم مصطلح «القابلية للاستباحة» خطأً باعتباره حكمًا على المجتمع السوداني أو اتهامًا له بالعجز والخضوع.

لكن التجربة السودانية تقدم شواهد معاكسة لهذا التفسير.

فقد شهد السودان احتجاجات شعبية واسعة، وحركات نقابية ومهنية، ومبادرات مدنية، وتجارب في العمل التطوعي والتكافل الاجتماعي.

وخلال الحرب، اضطلعت شبكات مجتمعية وغرف طوارئ ومبادرات محلية بأدوار مهمة في توفير الغذاء والمياه والإجلاء والخدمات الأساسية، رغم المخاطر ونقص الموارد.

وتكشف هذه المبادرات أن المجتمع لا يفتقر إلى القدرة على التنظيم، وإنما يواجه ظروفًا سياسية وأمنية تحد من إمكان تحويل هذه القدرة إلى مؤسسات وطنية مستقرة.

وهذا التمييز مهم؛ لأن المجتمع الذي يتعرض للاستباحة قد يمتلك في الوقت نفسه عناصر مقاومة الاستباحة.

فالضعف المؤسسي لا يعني موت الإرادة الاجتماعية، كما أن انهيار الدولة لا يعني بالضرورة انهيار جميع روابط التضامن بين المواطنين.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي استخدام فكر مالك بن نبي لإصدار حكم نهائي على السودان، بل لفهم الشروط التي يمكن تغييرها من أجل استعادة القدرة على الفعل.

من القابلية للاستباحة إلى شروط استعادة الدولة

إذا كانت الأزمة السودانية قد كشفت هشاشة المؤسسات وتعدد مراكز القوة، فإن الخروج منها يتطلب معالجة الأسباب التي سمحت بتحول الصراع السياسي إلى حرب مدمرة.

ولا يكفي وقف إطلاق النار، على أهميته العاجلة، إذا ظلت البنية التي أنتجت الحرب قائمة دون إصلاح.

كما أن إعادة إعمار المباني والطرق والمرافق لن تكون كافية إذا لم تترافق مع إعادة بناء المؤسسات القانونية والإدارية والأمنية.

ويحتاج السودان إلى ترتيبات تضمن خضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لسلطة دستورية مدنية، وإصلاح القطاع الأمني، وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج منظومة قانونية موحدة.

ويحتاج كذلك إلى عدالة مستقلة تستطيع التحقيق في الجرائم والانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان حقوق الضحايا في الحقيقة والإنصاف والتعويض.

أما اقتصاديًا، فإن استعادة الدولة تتطلب بناء نظام شفاف لإدارة الموارد العامة، يمنع توظيف عائدات الذهب والزراعة والتجارة في تمويل مراكز قوة موازية للمؤسسات الوطنية.

وسياسيًا، لا يمكن تجاوز الأزمة دون معالجة اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، وضمان مشاركة المواطنين في تحديد مستقبل الحكم وتوزيع الموارد.

لكن هذه الإصلاحات تحتاج إلى أكثر من اتفاق بين القيادات السياسية والعسكرية.

فإعادة بناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات تتطلب مشاركة المجتمعات المحلية والنقابات والنساء والشباب والنازحين واللاجئين، باعتبارهم أصحاب مصلحة مباشرة في مستقبل البلاد.

وهنا تلتقي قراءة مالك بن نبي مع السؤال السوداني المعاصر: كيف يمكن تحويل الإنسان والموارد والوقت إلى مشروع وطني منتج، بدل استمرار استنزافها في الصراعات؟

هل يحتاج السودان إلى تغيير الحكام أم تغيير قواعد الحكم؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر أهمية في قراءة المأساة السودانية.

فقد شهد السودان تغييرات متعددة في الحكومات والقيادات والتحالفات، لكن كثيرًا من المشكلات البنيوية ظلت قائمة.

ولذلك فإن تغيير الأشخاص، مهما بلغت أهميته السياسية، لا يضمن وحده تغيير طريقة إدارة الدولة.

فالدولة التي تقوم على الولاءات الشخصية بدل المؤسسات، وعلى السيطرة المسلحة بدل الشرعية الدستورية، وعلى احتكار الموارد بدل توزيعها وفق القانون، تظل معرضة لتجدد الصراعات.

ولا يعني ذلك التقليل من مسؤولية القيادات عن قراراتها، بل التأكيد أن المحاسبة الفردية والإصلاح المؤسسي مساران متكاملان.

إن إنهاء الحرب يحتاج إلى وقف العنف ومساءلة مرتكبي الجرائم، بينما تحتاج حماية السلام إلى قواعد تمنع إعادة إنتاج الظروف التي سمحت باندلاع الحرب.

ومن هنا لا يصبح السؤال الأساسي من سيحكم السودان بعد الحرب فقط، بل كيف سيُحكم، وبأي مؤسسات، وتحت أي ضمانات دستورية وقانونية.

الخاتمة.. الاستباحة ليست قدرًا سودانيًا

تتيح قراءة المأساة السودانية على ضوء فكر مالك بن نبي فهمًا يتجاوز التفسير العسكري المباشر للحرب، دون أن يلغي مسؤولية الأطراف التي أشعلتها أو ارتكبت انتهاكات خلالها. فالحرب كشفت أزمة دولة لم تتمكن من بناء مؤسسات مستقرة تحتكر استخدام القوة وفق القانون، أو إدارة مواردها بصورة عادلة، أو إقامة نظام سياسي يحمي التداول السلمي للسلطة. كما كشفت كيف يمكن للانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية أن تتفاعل، فتضاعف هشاشة المجتمع وتطيل أمد معاناته.

لكن مفهوم «القابلية للاستباحة» لا ينبغي أن يتحول إلى وصف دائم للسودان أو حكم على شعبه. فالسودانيون ليسوا قابلين للاستباحة بطبيعتهم، وإنما تعرضوا لظروف سياسية وعسكرية ومؤسسية جعلت حمايتهم أكثر صعوبة، وسمحت بتكرار انتهاكات جسيمة بحقهم. وقد أثبتت المبادرات المدنية والمجتمعية خلال الحرب أن القدرة على التضامن والتنظيم لم تختفِ، رغم الانهيار الواسع في مؤسسات الدولة.

إن التحدي الحقيقي لا يتمثل في استعادة الدولة كما كانت قبل الحرب، وإنما في بناء دولة تختلف في قواعدها ومؤسساتها عن تلك التي سمحت بتراكم أسباب الانهيار. دولة يكون فيها السلاح خاضعًا للقانون، والموارد ملكًا عامًا، والعدالة مستقلة، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات، والسلطة قابلة للتداول والمساءلة.

وعندئذ يمكن الانتقال من سؤال مالك بن نبي عن الشروط التي تسمح بالهيمنة إلى سؤال سوداني أكثر إلحاحًا: ما الشروط التي تجعل الإنسان محميًا من الاستباحة، والدولة قادرة على صون كرامته؟

فالخروج من المأساة لا يبدأ بتبرير ما حدث، ولا بالاكتفاء بتحديد من انتصر عسكريًا، وإنما بإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الحقوق والمؤسسات والمساءلة. وما لم يحدث ذلك، فقد تتوقف المعارك بينما تظل الأسباب التي أنتجتها حاضرة، تنتظر أزمة جديدة كي تعود إلى الظهور.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

الصورة المرفقة للمقال

المراجع والتحقق التحريري

ملاحظة تحريرية: عُثر خلال التحقق على مقال منشور في سودان تربيون بتاريخ 13 أكتوبر 2026 يحمل العنوان الذي قدمته. النص أعلاه معالجة مستقلة بصياغة مختلفة، وليس نقلًا لذلك المقال. وإذا كان المطلوب نشره في «لقطة AI» بوصفه مقالًا أصيلًا، فيُفضّل اعتماد عنوان مميز مثل: «حين تنهار حماية الإنسان.. ماذا يكشف مالك بن نبي عن جذور المأساة السودانية؟» حفاظًا على سياسة الموقع في استقلال العناوين.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً