الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

موسم الهجرة بعد ستين عاماً.. إرث يفتح باباً لأدب سوداني متعدد

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

موسم الهجرة بعد ستين عاماً.. إرث يفتح باباً لأدب سوداني متعدد
💬 تعليق 0

محررو لقطة AI – 7
10 أكتوبر 2026

في الذكرى الستين لصدور «موسم الهجرة إلى الشمال»، لا يعود السؤال عن مكانة رواية الطيب صالح وحدها، بل عن المكانة التي يحتلها الأدب السوداني في الذاكرة العامة، وعن الأصوات التي لا تجد طريقاً كافياً إلى النشر والقراءة والنقاش. فالرواية التي ظهرت عام 1966 تجاوزت حدود زمنها ومكانها، لكن الاحتفاء بها يطرح سؤالاً موازياً: هل أصبحت معياراً يضيء الطريق أمام الأدب السوداني، أم تحولت في بعض القراءات إلى عمل منفرد يحجب ما جاء بعده وما صاحبه من تجارب؟

منذ صفحاتها الأولى، لا تقدم الرواية عودة الراوي من أوروبا بوصفها نهاية رحلة أو استعادة سهلة للانتماء. يعود إلى قريته على النيل، إلى المكان الذي يظن أنه يعرفه، لكنه يكتشف أن وجود مصطفى سعيد في القرية يخلخل ما استقر في ذاكرته. ومن هذه المصادفة تنفتح الحكاية على ماضٍ متشابك بين الخرطوم ولندن والقرية، وعلى أسئلة لا تملك الرواية إجابات جاهزة عنها: من يكون الإنسان حين ينقسم عمره بين عالمين؟ وهل تكفي العودة الجغرافية كي يستعيد المرء جذوره؟ ومن يملك حق رواية تجربة الآخر؟

قوة الطيب صالح أنه لم يجعل مصطفى سعيد رمزاً أحادي المعنى، ولم يمنح الراوي يقيناً أخلاقياً يضعه في موقع القاضي. فكلما اقترب القارئ من تفسير، وجد ما يزعزع ذلك التفسير: ذاكرة لا تكتمل، وشخصيات لا تُختزل في موقف واحد، وحقيقة تتوزع بين روايات متباينة. بهذه البنية، لا تعرض الرواية لقاء الشرق والغرب كمناظرة نظرية، بل كتجربة شخصية تنفذ إلى الحب والرغبة والعنف والسلطة والاغتراب.

لهذا ظلت الرواية قابلة لقراءات متعددة: رواية عن آثار الاستعمار، وعن المثقف المهاجر، وعن صعوبة العودة، وعن علاقة الإنسان بماضيه وبالمجتمع الذي تركه. وقد صارت من أبرز الأعمال العربية التي تناولت التقاء ثقافتين داخل تجربة واحدة، واختارتها لجنة من الكتّاب والنقاد العرب عام 2001 أهم رواية عربية في القرن العشرين. غير أن اتساع أثرها لا يعني أن الأدب السوداني بلغ نهايته عندها، أو أن أعمال الأجيال اللاحقة مطالبة باستنساخ أسئلتها وشخصياتها.

فالكتاب الكبير لا يمثل وطناً كاملاً، مهما اتسعت دلالاته. السودان الذي ترسمه الرواية من خلال القرية والنيل والرحلة إلى أوروبا هو زاوية فنية عميقة، لكنه ليس الخريطة كلها. هناك مدن وأقاليم وتجارب اجتماعية وثقافية متعددة، وذاكرات تتصل بالحرب والهجرة والعمل والدين واللغة والتحولات السياسية. وهذه ليست موضوعات تنتظر أن يعالجها كاتب واحد، بل مساحات مفتوحة لأصوات تختلف في مواقعها وأدواتها وأسئلتها.

وقد حمل كتّاب سودانيون لاحقون أسئلة أخرى إلى الرواية والقصة، من بينهم أمير تاج السر وحمور زيادة وعبد العزيز بركة ساكن وليلى أبو العلا، إلى جانب كاتبات وشعراء يكتبون من تجارب متباينة. لم تأت هذه الأعمال لتقف في صف منافس للطيب صالح، بل لتضيف إلى المشهد وجوهاً وأمكنة لا تختصرها حكاية واحدة: الهامش الحضري، والذاكرة الاجتماعية، والتحولات اليومية، وتجارب النساء، وعلاقة الفرد بالمجتمع، ومصائر الناس في ظل الحرب والمنفى. وتُظهر قراءات المشهد الروائي السوداني اتساع الإنتاج في العقود الأخيرة، مع استمرار تفاوت فرص النشر والوصول إلى القراء والترجمة.

وتكشف تجربة الكاتبات السودانيات جانباً من هذا التفاوت. فقد أوردت دراسة ببليوغرافية عن الرواية المنشورة في السودان بين عامي 1948 و2015 أن 49 رواية فقط من أصل 476 رواية في تلك الفترة كتبتها نساء، أي نحو عُشر الإنتاج الروائي. كما أشارت الكاتبة والمترجمة سعاد حسين إلى محدودية حضور أعمال النساء السودانيات في المختارات والترجمات الإنجليزية، رغم وجود كاتبات نشرن أعمالاً أدبية على مدى سنوات طويلة. وهذه الأرقام لا تقيس قيمة النصوص، لكنها تلفت إلى أثر ظروف النشر والتوزيع والترجمة في تحديد من يُقرأ ومن يُقدَّم بوصفه ممثلاً للأدب السوداني.

والأدب السوداني لا يُقاس بالرواية وحدها. فالشعر له مساره الطويل وأصواته المتعددة، وهو سجل لتحولات المجتمع وأسئلته عن الهوية والحب والسياسة والتصوف والحرب. ومع ذلك، يشير تقديم إحدى المختارات الأكاديمية للشعر السوداني الحديث إلى أن كثيراً من هذه الأصوات ما زال غير معروف لدى قراء الإنجليزية، رغم امتداد التجربة الشعرية السودانية عبر عقود واستنادها إلى تنوع ثقافي ولغوي واسع. إن ضعف وصول بعض الأعمال إلى الخارج لا يعني غيابها، كما أن قلة الحديث عن الأدب داخل المنابر الثقافية لا تعني أن الحياة الأدبية خالية من الإنتاج.

وهنا تبرز أهمية الصفحة الثقافية في أي صحيفة أو منصة إعلامية. فالثقافة ليست مساحة إضافية تُملأ حين تتراجع الأخبار، ولا تقتصر على استعراض الكتب عند صدورها أو استعادة أسماء الراحلين في المناسبات. إنها المكان الذي تُناقش فيه الأعمال وتُقارن، وتُعرَف فيه التجارب الجديدة، وتُسجل التحولات في الكتابة والفنون واللغة والذاكرة. وحين يضعف حضور هذا العمل، لا يخسر القارئ مادةً للترفيه فحسب؛ بل تضيق نافذة الصحيفة على المجتمع، وتغيب عنها أسئلة تساعده على فهم نفسه وتاريخه.

ومن هنا، فإن نشر هذا المقال في الصفحة الثقافية لا يقتصر على الاحتفاء برواية شهيرة، بل يفتح باباً لنقاش أوسع عن الأدب السوداني وعن ضرورة أن تحظى الثقافة بحضور منتظم. استعادة الصفحة الثقافية تبدأ بمتابعة الكتب والكتّاب، لكنها تتسع إلى الحوار مع النقاد والمترجمين، وتقديم الشعر والقصة والفنون، والتعريف بأعمال لا تصل عادة إلى دائرة الاهتمام الواسع. كما تتطلب قراءة الأدب بوصفه جزءاً من حياة الناس، لا زينةً توضع على هامشها.

بعد ستين عاماً، ما زالت «موسم الهجرة إلى الشمال» عملاً مركزياً في الأدب السوداني والعربي، لكن مركزيتها لا ينبغي أن تتحول إلى بوابة وحيدة للدخول إلى هذا الأدب. قيمة الرواية أنها رفعت سقف الأسئلة الفنية والفكرية، لا أنها أغلقت الطريق أمام من جاء بعدها. والوفاء لإرث الطيب صالح لا يكون بتكرار مصطفى سعيد، بل بإفساح المجال لشخصيات وتجارب وحكايات جديدة، وبأن تجد هذه الأعمال من يقرأها ويناقشها وينشرها.

فالأدب السوداني أوسع من رواية واحدة، والثقافة أوسع من اسم واحد. وإذا كانت «موسم الهجرة إلى الشمال» قد منحت هذا الأدب حضوراً عالمياً نادراً، فإن مسؤولية المؤسسات والمنابر الثقافية اليوم هي أن تجعل ذلك الحضور بداية للتعرّف على المشهد كله، لا خاتمة له.

عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً