شرق السودان أمام اختبار التماسك الاجتماعي
المحرر | خاص لموقع lagtaai.com
ربما لم يعد السؤال المطروح اليوم هو: ماذا يحدث في شرق السودان؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: إلى أين يتجه شرق السودان في ظل التحولات التي يعيشها السودان كله؟
فالشرق الذي ظل لعقود طويلة يمثل بوابة السودان البحرية وشريان اقتصاده الرئيسي، يجد نفسه اليوم أمام اختبار جديد يتعلق بقدرته على حماية نسيجه الاجتماعي من تداعيات الحرب والاستقطابات السياسية التي أخذت تتوسع في مختلف أنحاء البلاد.
وليس من المبالغة القول إن استقرار شرق السودان أصبح جزءاً لا يتجزأ من معادلة استقرار السودان بأكمله، لأن أي اضطراب يحدث هناك لا ينعكس على الإقليم وحده، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني وحركة التجارة والأمن المجتمعي والسياسي للدولة.
لقد عرف شرق السودان تاريخياً بتنوعه الاجتماعي والثقافي الكبير، حيث تعايشت قبائل ومكونات متعددة عبر منظومة معقدة من المصالح المشتركة والعلاقات الاقتصادية والأعراف الأهلية التي نجحت في كثير من الأحيان في احتواء الخلافات ومنع تحولها إلى صراعات مفتوحة.
لكن الحرب التي دخلت عامها الرابع أعادت رسم الكثير من الخرائط داخل السودان، ولم تقتصر آثارها على ميادين القتال فقط، بل تسللت إلى داخل المجتمعات المحلية وأثرت على توازناتها التقليدية.
فمع تراجع دور الدولة المركزية وانشغال المؤسسات الرسمية بالأزمة العسكرية، ظهرت مساحات فراغ سياسي واجتماعي أصبحت بيئة مناسبة لتمدد خطابات الاستقطاب والتعبئة والانقسامات التي تقوم على الانتماءات الضيقة.
والأخطر من ذلك أن بعض الخلافات التي كانت تُدار سابقاً داخل الأطر الاجتماعية والأهلية، بدأت تجد طريقها إلى المجال السياسي والإعلامي، وهو تحول يحمل مخاطر كبيرة على مستقبل التعايش داخل الإقليم.
كما أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة ساهمت في تعقيد المشهد بصورة أكبر. فارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع النشاط الاقتصادي وزيادة معدلات البطالة كلها عوامل تضغط على المجتمعات المحلية وتزيد من حالة الاحتقان العام.
ويضاف إلى ذلك الموقع الاستراتيجي الحساس الذي يحتله شرق السودان، فالإقليم المطل على البحر الأحمر لا يمثل مجرد مساحة جغرافية عادية، بل يعد أحد أهم المفاتيح الاقتصادية والسياسية للسودان، الأمر الذي يجعله أيضاً محل اهتمام إقليمي ودولي متزايد.
وهنا تبرز معادلة شديدة الحساسية.
فكلما ازدادت أهمية الإقليم، ازدادت معه محاولات التأثير في مساراته الداخلية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وهو ما يتطلب قدراً كبيراً من الحكمة السياسية والاجتماعية لتجنب الانزلاق نحو صراعات جديدة.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام السودانيين اليوم هو منع انتقال الحرب من ساحات المعارك إلى داخل المجتمع نفسه.
فالحروب لا تنتهي فقط بتوقف إطلاق النار، بل قد تستمر آثارها لسنوات طويلة إذا نجحت في تفكيك الثقة بين مكونات المجتمع الواحد.
ولهذا السبب، تبدو الحاجة ملحة لإطلاق مبادرات حوار مجتمعي حقيقية، وإعادة الاعتبارالدور المدني والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في بناء الجسور بين مختلف المكونات بعيداً عن الاستقطابات السياسية والعسكرية.
وفي الوقت نفسه، تقع على عاتق الدولة مسؤولية كبيرة تتمثل في إعادة بناء مؤسساتها المدنية وتقديم الخدمات الأساسية وتعزيز حضورها في حياة المواطنين، لأن غياب الدولة يفتح الباب دائماً أمام البدائل غير المستقرة.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون مستقبل شرق السودان مرتبطاً فقط بما يجري داخل حدوده، بل بما إذا كان السودان كله قادراً على إنتاج مشروع وطني جديد يتجاوز الانقسامات التي صنعتها سنوات الحرب.
لأن شرق السودان لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الاصطفافات، بقدر ما يحتاج إلى حماية تماسكه الاجتماعي حتى يبقى جسراً يربط السودانيين ببعضهم البعض، لا ساحة جديدة لصراعاتهم .



إرسال التعليق