هل انتهت الدولة التي عرفها السودانيون منذ الاستقلال؟
عبود النصيح
ربما يبدو هذا السؤال صادماً للوهلة الأولى، لكنه لم يعد سؤالاً نظرياً أو سياسياً بقدر ما أصبح سؤالاً واقعياً يفرض نفسه على حياة ملايين السودانيين.
هل انتهت الدولة التي عرفها السودانيون منذ الاستقلال؟
الإجابة المختصرة هي لا.
لكن الإجابة الأكثر دقة تقول إن الدولة السودانية التي عرفها الناس منذ عام 1956 لم تعد تعمل بالطريقة نفسها التي عملت بها لعقود طويلة.
فالتحولات التي يشهدها السودان اليوم ليست مجرد نتائج مباشرة للحرب، بل هي حصيلة مسار طويل من التغيرات المتراكمة التي ظلت تعيد تشكيل الدولة السودانية بهدوء، حتى جاءت الحرب الأخيرة وكشفت حجم هذا التحول بصورة غير مسبوقة.
ولفهم ما يحدث اليوم، علينا أولاً أن نفهم طبيعة الدولة التي عرفها السودانيون منذ الاستقلال.
لقد تأسست الدولة السودانية الحديثة على نموذج شديد المركزية. الخرطوم كانت قلب الدولة النابض، ومنها تنطلق القرارات السياسية والإدارية والاقتصادية نحو بقية أنحاء البلاد.
وظلت هذه المعادلة ثابتة تقريباً، رغم تعاقب الحكومات المدنية والعسكرية والانقلابات السياسية.
لكن هذا النموذج بدأ يواجه تحديات متزايدة منذ سنوات طويلة.
ولعل انفصال جنوب السودان عام 2011 كان أول جرس إنذار حقيقي كشف حدود قدرة الدولة المركزية على إدارة التنوع السوداني.
فالأمر لم يكن مجرد فقدان جزء من الجغرافيا، بل كان مؤشراً على أزمة أعمق تتعلق بطريقة إدارة الدولة نفسها. بل فشل في إدارة التنوع السوداني
ومنذ ذلك الوقت، بدأت مجموعة من التحولات تتسارع بصورة تدريجية.
فخلال العقود الثلاثة الأخيرة، غادر ملايين السودانيين بلادهم إلى الخارج، ولم تعد الهجرة مجرد انتقال أفراد بحثاً عن فرص أفضل، بل تحولت إلى أحد أعمدة الاقتصاد السوداني نفسه.
وأصبحت تحويلات السودانيين في الخارج تمثل مصدراً رئيسياً لدعم مئات الآلاف من الأسر داخل السودان، الأمر الذي أعاد توزيع جزء من القوة الاقتصادية خارج حدود الدولة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت تحولات أخرى أكثر هدوءاً ولكنها شديدة التأثير.
فالتحول الرقمي الذي شهدته البلاد خلال السنوات الأخيرة غيّر كثيراً من تفاصيل الحياة اليومية.
أصبح المواطن يعتمد على التطبيقات الإلكترونية والتحويلات المالية والمنصات الرقمية بصورة لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، وهو ما خلق مساحات جديدة للحياة الاقتصادية والاجتماعية خارج الأطر التقليدية التي كانت تديرها الدولة.
ثم جاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتكشف هشاشة النموذج القديم بصورة غير مسبوقة.
وهنا تكمن نقطة مهمة يجب التوقف عندها.
الحرب لم تصنع أزمة الدولة السودانية، لكنها كشفتها.
فالمؤسسات التي بدا أنها تراجعت خلال الحرب لم تكن قوية بالكامل قبلها، والمركزية التي تعرضت للاهتزاز لم تبدأ في التراجع في عام 2023، بل كانت تواجه تحديات متراكمة منذ سنوات طويلة.
والنتيجة التي نراها اليوم هي أن العلاقة التقليدية بين الدولة والمواطن تغيرت بصورة كبيرة.
فالخرطوم لم تعد المركز الوحيد الذي تتحرك منه الحياة كما كان الحال لعقود طويلة.
والاقتصاد لم يعد يدور فقط داخل المؤسسات التقليدية.
كما أن المجتمع السوداني نفسه أصبح أكثر قدرة على إنتاج حلول ذاتية عندما تتعثر المؤسسات.
لكن هل يعني ذلك أن الدولة انتهت؟
الإجابة لا.
لأن الدولة ليست حكومة ولا عاصمة ولا مؤسسة واحدة.
الدولة هي شبكة معقدة من المؤسسات والقوانين والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تنظم حياة الناس.
وما يحدث اليوم هو أن هذه الشبكة تعيد تشكيل نفسها بصورة غير مسبوقة وتلقائية .
وربما هنا نصل إلى الإجابة التي يطرحها عنوان المقال.
الدولة التي عرفها السودانيون منذ الاستقلال لم تنتهِي بالكامل، لكنها فقدت جزءاً كبيراً من خصائصها القديمة.
فالمركزية المطلقة تراجعت.
واحتكار الدولة لبعض الأدوار أصبح أضعف من السابق.
كما أن المجتمع نفسه أصبح أكثر استقلالية وأكثر قدرة على التكيف مع الأزمات بل اصبح يمتلك زمام معظم مبادراته بعيداً عن انتظار دور الدولة .
ولذلك، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل السودان خلال السنوات المقبلة لن يكون من يحكم السودان فقط، بل كيف ستُعاد صياغة الدولة السودانية نفسها.
لأن البلاد لا تقف اليوم أمام نهاية الدولة، بل أمام نهاية مرحلة تاريخية كاملة بدأت مع الاستقلال قبل سبعين عاماً.
والدولة التي ستخرج من هذه التحولات، مهما كان شكلها، لن تكون نسخة مطابقة للدولة التي عرفها السودانيون لعقود طويلة . ولي عوده ..



إرسال التعليق