الذكاء الاصطناعي لم يعد تقنية جديدة.. بل أصبح بنية تحتية جديدة للعالم
عبود النصيح
لأكثر من سبعين عاماً ظل الذكاء الاصطناعي يعيش داخل المختبرات والجامعات وشركات التكنولوجيا الكبرى باعتباره مشروعاً علمياً طموحاً يحمل وعوداً كبيرة للمستقبل.
لكن شيئاً مختلفاً حدث خلال السنوات القليلة الماضية.
فالذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعاً ينتظر المستقبل، بل أصبح جزءاً من البنية التي بدأ العالم يبني عليها مستقبله بالفعل.
وهنا تكمن نقطة التحول التي لا تزال كثير من المجتمعات تتعامل معها باعتبارها مجرد تطور تقني جديد.
فالإنسانية لا تعيش اليوم مرحلة ظهور أداة جديدة، بل تعيش مرحلة إعادة بناء طريقة العمل والإنتاج والتعلم واتخاذ القرار بصورة مختلفة تماماً.
وربما للمرة الأولى منذ ظهور الإنترنت، نشهد تحولاً يمتد في الوقت نفسه إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والإعلام والإدارة والحياة اليومية.
ولعل الخطأ الأكبر الذي يتكرر كثيراً هو اختزال الذكاء الاصطناعي في تطبيقات المحادثة أو الصور التي ينتجها أو الروبوتات التي نراها على الشاشات.
فهذه ليست سوى الواجهة المرئية لقصة أكبر بكثير.
القصة الحقيقية هي أن الذكاء الاصطناعي بدأ يتحول إلى طبقة جديدة تعمل تحت سطح العالم الحديث.
طبقة تساعد الإنسان على فهم كميات هائلة من المعلومات في وقت قصير، وتساعد المؤسسات على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة.
ومن هنا بدأ العالم يتغير.
فالدول لم تعد تتنافس على الموارد الطبيعية فقط.
والشركات لم تعد تتنافس على حجم رأس المال فقط.
بل دخلت البشرية سباقاً جديداً عنوانه: من يمتلك القدرة الأكبر على إنتاج المعرفة واستخدامها بسرعة؟
وهذا يفسر لماذا بدأت الحكومات تضخ استثمارات هائلة في مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية والرقائق الإلكترونية والطاقة اللازمة لتشغيلها.
فالذكاء الاصطناعي ليس برنامجاً مستقلاً يمكن تشغيله بضغطة زر، بل منظومة اقتصادية كاملة تقوم على أربعة أعمدة رئيسية:
البيانات.
الطاقة.
الحوسبة.
والمواهب البشرية.
لكن التحول الأكبر قد لا يكون في التكنولوجيا نفسها، بل في شكل المجتمعات التي ستبنى حولها.
فخلال العقد المقبل قد يتغير مفهوم الوظيفة التقليدية بصورة جذرية.
لن تختفي الوظائف كما يتصور البعض، لكنها ستعاد صياغتها بالكامل.
المحاسب سيعمل بطريقة مختلفة.
الطبيب سيعمل بطريقة مختلفة.
المعلم سيعمل بطريقة مختلفة.
والصحفي أيضاً سيعمل بطريقة مختلفة.
وسوف تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بقدرته على إدارة المعرفة وليس فقط إنتاجها.
بل إن السؤال الذي كان يطرحه العالم لعقود بدأ يتغير هو الآخر.
ففي الماضي كان السؤال:
ماذا تعرف؟
أما اليوم فأصبح السؤال:
كيف تستخدم ما تعرفه؟
وهذا تحول كبير في طريقة بناء الاقتصادات الحديثة.
ولعل واحدة من أهم التحولات التي بدأت تظهر بالفعل هي انتقال العالم من عصر البحث عن المعلومات إلى عصر إدارة المعلومات.
لأن المشكلة لم تعد في ندرة المعرفة، بل في كثرتها.
فالإنسان بات يعيش داخل فيض هائل من البيانات يصعب التعامل معه من دون أدوات ذكية تساعده على الفرز والتحليل والترتيب.
وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب المشهد.
لكن هذا التحول يفتح باباً لسؤال أكبر.
هل ستكون البشرية كلها مستفيدة بنفس القدر؟
الإجابة على الأرجح لا.
فكما صنعت الثورة الصناعية فجوات بين الدول، قد يصنع الذكاء الاصطناعي فجوة جديدة بين من يملك القدرة على إنتاج المعرفة الرقمية ومن يكتفي باستهلاكها.
وهنا يبرز سؤال مهم بالنسبة للدول النامية ومنها السودان.
هل المطلوب أن نصبح منتجين للذكاء الاصطناعي أم مستخدمين أذكياء له؟
ربما تكون الإجابة الواقعية هي الجمع بين الأمرين بدرجات متفاوتة.
فليس من الضروري أن تمتلك كل دولة شركات عملاقة تنافس الشركات العالمية الكبرى، لكن من الضروري أن تمتلك القدرة على توظيف هذه التكنولوجيا داخل اقتصادها وتعليمها وصحتها وإدارتها.
لأن الدول التي تتأخر كثيراً في هذه المرحلة لن تتأخر في التكنولوجيا فقط، بل قد تتأخر في قدرتها على المنافسة الاقتصادية نفسها.
لكن في المقابل، يحمل الذكاء الاصطناعي مفارقة جديدة.
فكلما ازدادت قدراته، ازدادت حاجة البشر إلى المهارات الإنسانية التي يصعب استنساخها.
التفكير النقدي.
الإبداع.
الحكم الأخلاقي.
بناء العلاقات الإنسانية.
وفهم المجتمعات والثقافات.
وهذا يعني أن المستقبل لن يكون صراعاً بين الإنسان والآلة كما تصور كثيرون، بل سيكون صراعاً بين إنسان يعرف كيف يستخدم هذه الأدوات وإنسان لا يعرف كيف يتعامل معها.
وربما لهذا السبب أيضاً، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المجتمعات خلال العقد القادم لن يكون: هل دخل الذكاء الاصطناعي إلى حياتنا؟
بل سيكون: كيف سنعيد تنظيم حياتنا ومؤسساتنا واقتصاداتنا في ظل وجوده؟
لأن ما يحدث اليوم قد لا يمثل مجرد ثورة تقنية جديدة.
بل يمثل بداية مرحلة يعاد فيها تعريف معنى العمل والتعليم والإنتاج والمعرفة نفسها.
وكما غيرت الكهرباء شكل العالم في القرن العشرين، قد يصبح الذكاء الاصطناعي واحداً من البنى الأساسية التي سيقوم عليها القرن الحادي والعشرون كله .



إرسال التعليق