×

حرب السودان والإمارات.. كيف أصبح السودان ساحة لتقاطع الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية؟

حرب السودان والإمارات.. كيف أصبح السودان ساحة لتقاطع الصراعات الداخلية والإقليمية والدولية؟

عبود النصيح 

 | lagtaai.com

من السهل اختزال الأزمة الحالية في جملة سياسية متداولة تقول إن السودان يخوض حرباً ضد قوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات، لكن هذا التوصيف، رغم حضوره في الخطاب السياسي السوداني، يبقى قاصراً عن تفسير الصورة الكاملة.

فالواقع أكثر تعقيداً بكثير.

السودان اليوم لا يعيش حرباً واحدة، بل يعيش عدة حروب متداخلة فوق جغرافيا واحدة.

هناك حرب على السلطة داخل السودان، وحرب على النفوذ الإقليمي، وحرب دولية صامتة حول مستقبل البحر الأحمر والمعادن والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

ولهذا السبب أصبحت الإمارات جزءاً محورياً من النقاش السوداني.

الفصل الأول: كيف خرج السودان من أزمته الداخلية إلى ساحة صراع إقليمي؟

لعدة عقود كان السودان يمثل دولة ذات موقع استراتيجي هائل لكنه غير مستثمر بالشكل الكافي.

يمتلك السودان:

  • أطول حدود برية تقريباً في المنطقة.
  • موقعاً استراتيجياً على البحر الأحمر.
  • موارد ذهبية ضخمة.
  • ملايين الأفدنة الزراعية.
  • موقعاً يربط القرن الأفريقي بشمال أفريقيا وغربها.

لكن الدولة السودانية ظلت ضعيفة سياسياً مقارنة بحجم مواردها.

ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023 انهارت الكثير من مؤسسات الدولة، لتظهر فجوة ضخمة في السلطة والنفوذ.

هذه الفجوة جذبت الفاعلين الإقليميين بصورة طبيعية.

لأن السياسة لا تعرف الفراغ.

وكل فراغ تتركه الدولة تملؤه قوى أخرى.

الفصل الثاني: لماذا الإمارات تحديداً؟

الإجابة هنا ليست سودانية فقط، بل إماراتية أيضاً.

خلال العقدين الماضيين تبنت الإمارات استراتيجية تقوم على بناء نفوذ اقتصادي وجيوسياسي يتجاوز حدودها الجغرافية الصغيرة.

فالإمارات تدرك أن مستقبل قوتها لا يعتمد فقط على النفط، بل على التحكم في مسارات التجارة العالمية.

ولهذا توسعت استثماراتها في:

  • الموانئ.
  • الزراعة.
  • الطاقة.
  • التعدين.
  • الخدمات اللوجستية.
  • الممرات البحرية.

ومن هذه الزاوية أصبح السودان دولة مهمة للغاية.

فهو يشكل امتداداً طبيعياً لمعادلة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الفصل الثالث: الذهب.. البطل الخفي للحرب

بعيداً عن الشعارات السياسية، يقف الذهب كأحد أهم مفاتيح فهم المشهد.

قبل الحرب كان السودان أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا.

لكن جزءاً كبيراً من هذا القطاع ظل يعمل خارج الأطر الرسمية.

ومع اندلاع الحرب تحول الذهب إلى مصدر تمويل رئيسي للأطراف المسلحة.

هنا تتداخل المصالح الاقتصادية مع المصالح العسكرية.

ولم يعد السؤال من يسيطر على الأرض فقط، بل:

من يسيطر على طرق خروج الذهب من السودان؟

لأن من يتحكم في الذهب يمتلك قدرة أكبر على الاستمرار في الحرب.

الفصل الرابع: لماذا أصبحت الإمارات خصماً سياسياً في الخطاب السوداني؟

تتهم السلطات السودانية أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع عبر شبكات إمداد ولوجستيات متعددة.

في المقابل تنفي الإمارات هذه الاتهامات وتؤكد أن دورها يقتصر على الجهود الإنسانية والدفع نحو الحلول السياسية.

لكن بغض النظر عن صحة الاتهامات أو نفيها، فإن الضرر السياسي وقع بالفعل.

إذ انتقلت العلاقة السودانية الإماراتية من مرحلة الشراكة الاقتصادية إلى مرحلة الشكوك المتبادلة والتصعيد الدبلوماسي.

وهنا بدأت تتشكل سرديتان متنافستان:

السردية الأولى ترى أن الإمارات أصبحت لاعباً مباشراً في الحرب.

أما السردية الثانية فتقول إن السودان أصبح ساحة مفتوحة لتبادل الاتهامات نتيجة انهيار الدولة نفسها.

الفصل الخامس: الحرب التي لا يراها السودانيون

في الخلفية تدور حرب أكبر من السودان نفسه.

هناك تنافس بين عدة مشاريع إقليمية على إعادة تشكيل المنطقة.

مشروع يركز على النفوذ الاقتصادي.

ومشروع آخر يركز على النفوذ الأمني.

ومشروع ثالث يبحث عن إعادة توزيع مراكز القوة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

ولم يعد السودان هامشاً في هذه المعادلة، بل تحول إلى قلبها.

فالسيطرة على السودان تعني التأثير على:

  • البحر الأحمر.
  • القرن الأفريقي.
  • تجارة الطاقة.
  • مسارات الهجرة.
  • الأمن الإقليمي.

الفصل السادس: أين تقف القوى الدولية؟

الدول الكبرى لا تنظر إلى السودان باعتباره دولة تعيش حرباً أهلية فقط.

بل تنظر إليه باعتباره عقدة جغرافية مهمة.

فالولايات المتحدة تراقب أمن البحر الأحمر.

والصين تنظر إلى سلاسل التجارة والاستثمارات.

وروسيا تبحث منذ سنوات عن موطئ قدم بحري.

أما أوروبا فتركز على ملفي الهجرة والاستقرار الإقليمي.

ولهذا تبدو الحرب السودانية محلية في ظاهرها، لكنها دولية في نتائجها.

الفصل السابع: هل المشكلة هي الإمارات فعلاً؟

هنا نصل إلى السؤال الأصعب.

ربما لا تكون المشكلة الأساسية في الإمارات أو غيرها من القوى الخارجية.

بل في هشاشة الدولة السودانية نفسها.

فالدول القوية تضع حدوداً واضحة لتدخل الآخرين.

أما الدول الضعيفة فتتحول تدريجياً إلى ساحات مفتوحة لتقاطع المشاريع الخارجية.

ولهذا فإن أي نقاش جاد حول دور الإمارات يجب أن يبدأ من سؤال أكبر:

لماذا أصبح السودان قابلاً لهذا المستوى من التدخل الخارجي أصلاً؟

الخاتمة.. الحرب التي ستحدد شكل السودان الجديد

ربما لن يكون السؤال الأهم بعد نهاية الحرب هو من انتصر عسكرياً.

بل من سيكتب قواعد السودان الجديد.

لأن كل القوى الموجودة اليوم، داخلياً وخارجياً، لا تتنافس فقط على إنهاء الحرب، بل تتنافس على شكل الدولة التي ستولد بعدها.

هل ستعود دولة مركزية قوية؟

هل ستظهر معادلة جديدة لتقاسم النفوذ؟

أم أن السودان سيتحول إلى ساحة نفوذ دائمة تتقاسمها القوى الإقليمية والدولية؟

في النهاية، قد لا تكون حرب السودان مجرد حرب سودانية، بل واحدة من أهم الحروب التي ستعيد رسم توازنات المنطقة خلال العقد القادم بأكمله.

وهذا تحديداً ما يجعل فهم العلاقة بين السودان والإمارات أكثر تعقيداً من مجرد خلاف سياسي بين دولتين .

إرسال التعليق

You May Have Missed