×

هل من أفق لتسوية دولية لحرب السودان؟

هل من أفق لتسوية دولية لحرب السودان؟

بين إرهاق الميدان وتعقيدات السياسة

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظل السؤال الأكثر إلحاحاً على المستويين الداخلي والخارجي هو: هل يمكن أن تفضي التطورات الميدانية والسياسية إلى تسوية دولية تضع حداً للنزاع السوداني، أم أن البلاد لا تزال بعيدة عن أي اتفاق شامل؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من القتال، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما كانت عليه في المراحل الأولى من الحرب. فالمواجهات العسكرية لم تُفضِ إلى حسم الصراع بصورة نهائية لصالح أي طرف، كما أن المبادرات السياسية المتعددة لم تنجح في تأسيس أرضية مشتركة تقود إلى اتفاق مستدام. وبين هذين الواقعين، تتصاعد الضغوط الدولية والإقليمية سعياً إلى إيجاد مخرج للأزمة التي تحولت إلى واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية على مستوى العالم.

لماذا تتحدث العواصم الكبرى عن التسوية الآن؟

ترى أوساط دبلوماسية غربية وإقليمية أن استمرار الحرب لم يعد يشكل تهديداً للسودان فحسب، بل أصبح عاملاً مؤثراً في أمن منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر والساحل الأفريقي. فالتدفقات البشرية واسعة النطاق، وتراجع مؤسسات الدولة، واتساع نطاق انتشار السلاح، جميعها عوامل تدفع المجتمع الدولي إلى البحث عن صيغة تحول دون مزيد من الانهيار.

كما أن التكلفة الإنسانية للحرب أصبحت باهظة بالنسبة للمنظمات الدولية، في ظل وجود ملايين النازحين واللاجئين، وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية، واتساع نطاق المجاعة في عدد من المناطق.

ما الذي يعرقل أي اتفاق؟

على الرغم من تزايد الحديث عن التسوية، فإن العقبات لا تزال كبيرة.

تتمثل أولى هذه العقبات في غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة، إذ ينظر كل طرف إلى الآخر باعتباره تهديداً وجودياً أكثر من كونه خصماً سياسياً يمكن التفاوض معه.

أما العقبة الثانية فتتمثل في تعدد الفاعلين السياسيين والعسكريين داخل المشهد السوداني. فالحرب لم تعد مجرد مواجهة بين قوتين عسكريتين، بل أصبحت أزمة تتداخل فيها قوى سياسية ومدنية ومجموعات مسلحة ومصالح إقليمية متشابكة.

أما العقبة الثالثة فتتعلق بالخلاف بشأن شكل الدولة السودانية في مرحلة ما بعد الحرب؛ إذ لا يزال السودانيون منقسمين حول قضايا جوهرية تشمل طبيعة نظام الحكم، ومستقبل المؤسسة العسكرية، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وآليات العدالة والمساءلة.

هل تغيرت حسابات المجتمع الدولي؟

تشير مؤشرات عديدة إلى أن القوى الدولية أصبحت أكثر اقتناعاً بأن الحسم العسكري الكامل قد يكون مكلفاً للغاية أو غير ممكن في المدى المنظور. ولذلك بدأ التركيز يتجه نحو مقاربة تجمع بين الضغوط السياسية والعقوبات الاقتصادية والحوافز الدبلوماسية بهدف دفع الأطراف نحو التفاوض.

غير أن المجتمع الدولي يواجه معضلة حقيقية؛ فهو يسعى إلى إنهاء الحرب، وفي الوقت ذاته يحرص على تجنب التوصل إلى اتفاق هش قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بعد سنوات قليلة.

السيناريو الأكثر واقعية

يرى عدد من المراقبين أن السيناريو الأقرب للتحقق لا يتمثل في اتفاق سلام شامل وفوري، بل في سلسلة من التفاهمات المرحلية تبدأ بوقف مستدام لإطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية، واتخاذ بعض إجراءات بناء الثقة، قبل الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً.

وقد لا يحظى هذا السيناريو برضا جميع الأطراف، إلا أنه يبدو الأكثر قابلية للتنفيذ في ظل موازين القوى الراهنة.

السودان بين فرصة التسوية وخطر الاستنزاف

تشير الوقائع بوضوح إلى أن استمرار الحرب يستنزف موارد الدولة والمجتمع على نحو غير مسبوق. فكل يوم إضافي من القتال يعني مزيداً من الخسائر البشرية والاقتصادية، ويزيد من تعقيد جهود إعادة بناء الدولة في المستقبل.

وفي المقابل، فإن أي تسوية لا تستند إلى توافق وطني واسع قد تتحول إلى هدنة مؤقتة أكثر من كونها سلاماً دائماً.

الخلاصة

إن الأفق الدولي لتسوية الحرب السودانية قائم، لكنه لا يزال محدوداً ومحاطاً بجملة من التحديات. فالعالم أصبح أكثر اهتماماً بإنهاء الصراع، غير أن نجاح أي تسوية لن يعتمد على إرادة القوى الخارجية وحدها، بل على قدرة السودانيين أنفسهم على بلورة مشروع سياسي يتجاوز منطق الغلبة العسكرية إلى منطق الدولة الجامعة.

” فالحروب  لا تُطوى صفحاتها عادةً بالحسم العسكري وحده، بل عندما تترسخ لدى المتحاربين قناعةٌ بأن ثمن استمرارها يفوق أي مكاسب يمكن تحقيقها. وعند هذه النقطة تحديداً يقف السودان اليوم، حيث يبقى السؤال مفتوحاً: هل وصلت الأطراف المتصارعة إلى لحظة الإدراك التي تجعل السلام خياراً ممكناً أكثر من الحرب؟

إرسال التعليق

You May Have Missed