الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

لماذا تريد إدارة ترامب «تفكيك» المحكمة الجنائية الدولية؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

لماذا تريد إدارة ترامب «تفكيك» المحكمة الجنائية الدولية؟
💬 تعليق 0

بقلم: سارة الملك
لقطة AI | www.lagtaai.com
واشنطن | 23 يوليو 2026

لم تعد معارضة الولايات المتحدة للمحكمة الجنائية الدولية مجرد خلاف قانوني قديم بشأن حدود اختصاصها، بل تحولت في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى حملة سياسية واقتصادية ودبلوماسية معلنة، تهدف إلى إضعاف قدرة المحكمة على العمل والحد من تعاون الدول والمنظمات والأفراد معها.

وفي 13 يوليو 2026، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسمياً إطلاق حملة وصفتها بأنها تستهدف «تفكيك التهديد الذي تمثله المحكمة الجنائية الدولية للسيادة الأمريكية»، مؤكدة أن واشنطن ستستخدم العقوبات وقيود التأشيرات والضغوط الدبلوماسية وغيرها من الأدوات المتاحة لمواجهة المحكمة.

وقدم وزير الخارجية ماركو روبيو الحملة باعتبارها دفاعاً عن الولايات المتحدة ومسؤوليها وجنودها وحلفائها، بينما يراها منتقدون محاولة لإضعاف إحدى أهم المؤسسات الدولية المعنية بملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.

السيادة الأمريكية في قلب المواجهة

تستند الحجة الأساسية لإدارة ترامب إلى أن الولايات المتحدة ليست عضواً في نظام روما الأساسي، وهو الاتفاق الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، ولذلك لا تقبل واشنطن أن يخضع مواطنوها أو مسؤولوها أو أفراد قواتها المسلحة لسلطة المحكمة.

وترى الإدارة أن السماح للمحكمة بالتحقيق مع مواطني دولة غير عضو يمثل تجاوزاً للسيادة الوطنية، ويمنح قضاة ومدعين دوليين سلطة لم توافق عليها الولايات المتحدة عبر الكونغرس أو عبر التصديق على نظام روما.

غير أن المحكمة تستند إلى قاعدة قانونية مختلفة، مفادها أنها تستطيع ممارسة اختصاصها عندما تُرتكب الجرائم المزعومة فوق أراضي دولة عضو، حتى عندما يكون المتهم من مواطني دولة غير منضمة إلى المحكمة. كما يمكن أن يصل ملف إلى المحكمة بإحالة من مجلس الأمن الدولي أو بقبول دولة غير عضو اختصاصها في قضية محددة.

وهنا يقع جوهر النزاع: واشنطن تضع جنسية الشخص وسيادة دولته في المقدمة، بينما تركز المحكمة على مكان وقوع الجريمة أو الأساس القانوني الذي منحها الاختصاص.

حماية إسرائيل من ملاحقات المحكمة

لا يمكن فهم التصعيد الأمريكي من دون النظر إلى المواجهة بين المحكمة وإسرائيل.

فقد ازداد غضب واشنطن بعد تحركات المحكمة المتعلقة بالحرب في غزة وإصدارها أوامر قبض بحق مسؤولين إسرائيليين، من بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي اتهامات ترفضها إسرائيل والولايات المتحدة.

وتعتبر إدارة ترامب أن استهداف مسؤولين إسرائيليين يمثل دليلاً على ما تصفه بتسييس المحكمة وانحيازها ضد حليف رئيسي للولايات المتحدة.

وعليه، لا تهدف الحملة فقط إلى منع ملاحقة أمريكيين، بل إلى توفير مظلة حماية أوسع لمسؤولين من دول حليفة لا تعترف باختصاص المحكمة.

ويرى منتقدو السياسة الأمريكية أن هذا الموقف يخلق معياراً مزدوجاً: دعم العدالة الدولية عندما تستهدف خصوم واشنطن، والعمل على شلها عندما تقترب من حلفائها.

الخشية من ملاحقة مسؤولين أمريكيين

ترتبط المواجهة أيضاً بتحقيقات المحكمة السابقة في أفغانستان، والتي شملت مزاعم بارتكاب جرائم على يد حركة طالبان والقوات الأفغانية وأفراد أمريكيين، بما في ذلك اتهامات مرتبطة بالتعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز احتجاز.

وعلى الرغم من محدودية التقدم في هذا المسار، اعتبرت واشنطن مجرد محاولة التحقيق مع أمريكيين تجاوزاً غير مقبول.

وتخشى الإدارة من أن يؤدي ترسيخ هذا المبدأ إلى فتح الباب مستقبلاً أمام تحقيقات تتعلق بعمليات عسكرية أو استخباراتية أمريكية في مناطق أخرى، أو بمسؤولين اتخذوا قرارات تتعلق بالحروب والاعتقالات والضربات الجوية.

ومن هذا المنظور، ترى إدارة ترامب أن تعطيل المحكمة الآن يمثل إجراءً وقائياً لمنع توسع اختصاصها مستقبلاً.

من معارضة المحكمة إلى محاولة شلها

لم تبدأ المواجهة مع إدارة ترامب الحالية. فالولايات المتحدة لم تصدق أصلاً على نظام روما، وعارضت حكومات أمريكية متعاقبة أجزاء من صلاحيات المحكمة.

لكن الفارق يكمن في طبيعة الأدوات المستخدمة واتساعها.

ففي فبراير 2025، وقع ترامب أمراً تنفيذياً يتيح فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة والأشخاص الذين يساعدونها في التحقيقات التي تستهدف الولايات المتحدة أو حلفاءها. ثم وسعت وزارة الخارجية الإجراءات لتشمل قضاة ومدعين وكيانات ومنظمات مرتبطة بعمل المحكمة.

وتشمل التدابير الممكنة تجميد الأصول والممتلكات الخاضعة للولاية الأمريكية، وحظر التعاملات المالية مع الأشخاص والكيانات المستهدفة، ومنع دخول مسؤولين وقضاة وعاملين إلى الولايات المتحدة، وفرض قيود على المؤسسات التي تقدم دعماً قانونياً أو مادياً للمحكمة، إلى جانب الضغط على الدول الحليفة لتقليص تعاونها معها.

وفي سبتمبر 2025، وسعت واشنطن العقوبات لتطال منظمات حقوقية فلسطينية بسبب تعاونها مع المحكمة في ملفات تتعلق بالأراضي الفلسطينية. وقد حذرت جهات أممية وحقوقية من تأثير تلك الإجراءات في المدافعين عن حقوق الإنسان والوصول إلى العدالة.

كيف يمكن للعقوبات أن تعطل المحكمة؟

لا تملك الولايات المتحدة سلطة قانونية مباشرة لإغلاق المحكمة؛ فهي مؤسسة دولية مقرها لاهاي وتستند إلى معاهدة تضم عشرات الدول.

لكن نفوذ النظام المالي الأمريكي يمنح واشنطن قدرة كبيرة على تعطيل عملها بصورة غير مباشرة.

فعندما يوضع قاضٍ أو مدعٍ أو موظف أو منظمة على قائمة العقوبات، قد تتوقف البنوك وشركات التكنولوجيا والسفر والتأمين عن التعامل معه، ليس فقط داخل الولايات المتحدة، بل في دول أخرى تخشى التعرض لعقوبات ثانوية أو فقدان الوصول إلى الأسواق الأمريكية.

وقد تعرقل الإجراءات دفع الرواتب، والسفر، وحجز الفنادق، وتحويل الأموال، وشراء الخدمات الرقمية، والتواصل مع الشهود والمنظمات الميدانية.

كما قد يخشى المحامون والباحثون والخبراء والمنظمات الحقوقية تقديم المعلومات إلى المحكمة، خشية اعتبار ذلك دعماً لكيان أو شخص خاضع للعقوبات.

لهذا فإن هدف الحملة ليس بالضرورة هدم مبنى المحكمة أو إنهاء معاهدتها، بل رفع تكلفة التعامل معها إلى درجة تجعل عملياتها اليومية أكثر صعوبة.

الضغط على الدول الأعضاء

يمتد المسار الأمريكي إلى المجال الدبلوماسي؛ إذ تسعى واشنطن إلى إقناع حلفائها بأن تعاونهم مع المحكمة قد يضر بعلاقاتهم الأمنية والسياسية مع الولايات المتحدة.

وقد يشمل ذلك مطالبة الدول بعدم تنفيذ أوامر القبض، وعدم تقديم معلومات أو دعم لوجستي للمحكمة، والضغط لتعديل قواعدها بحيث لا تشمل مواطني الدول غير الأعضاء.

لكن المحكمة لا تعتمد على قوة شرطة دولية خاصة بها، وإنما تعتمد أصلاً على تعاون الدول في اعتقال المطلوبين وتسليمهم. ولذلك فإن إقناع عدد من الدول بعدم التعاون معها يمكن أن يشل أهم أدواتها حتى من دون إنهائها قانونياً.

هل تستطيع واشنطن تفكيك المحكمة فعلاً؟

من الناحية القانونية، لا تستطيع الولايات المتحدة إلغاء المحكمة بمفردها، لأنها لم تنشئها وليست عضواً فيها.

ويبقى تعديل نظام روما أو حل المحكمة من اختصاص الدول الأعضاء، وفق إجراءات قانونية معقدة.

لكن الولايات المتحدة تستطيع إضعاف المحكمة مالياً وعملياً ودبلوماسياً، وتعريض مسؤوليها والمتعاملين معها لضغوط شديدة.

كما يمكنها تشجيع الدول على الانسحاب أو الامتناع عن تنفيذ أوامرها، وهو ما قد يحول المحكمة تدريجياً إلى مؤسسة تصدر قرارات يصعب تطبيقها.

ولهذا فإن تعبير «التفكيك» لا يعني بالضرورة إغلاق المحكمة فوراً، بل تفريغها من قدرتها على العمل، وعزلها دولياً، وإخافة الشهود والمنظمات والمتعاونين معها.

المحكمة تتمسك باستقلالها

تقول المحكمة الجنائية الدولية إن العقوبات ضد قضاتها ومسؤوليها تشكل اعتداءً على استقلال القضاء ومحاولة لعرقلة العدالة.

وتؤكد أنها أنشئت لملاحقة الأفراد المتهمين بأخطر الجرائم عندما تكون المحاكم الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على إجراء تحقيقات حقيقية.

وترفض المحكمة فكرة أنها تستهدف الولايات المتحدة أو إسرائيل سياسياً، وتقول إن قراراتها تستند إلى نظام روما والأدلة التي يقدمها الادعاء ويقيّمها القضاة.

كما شددت جهات داخل الأمم المتحدة على أن العقوبات والإجراءات القسرية ضد المحكمة لا تمثل هجوماً على مؤسسة بعينها فحسب، بل تهدد مبادئ العدالة الدولية ومكافحة الإفلات من العقاب.

رفض حقوقي ودولي واسع

قوبلت الحملة الأمريكية بانتقادات من منظمات حقوقية ودول أعضاء في المحكمة.

ويرى المدافعون عن المحكمة أن إضعافها سيمنح القادة العسكريين والسياسيين رسالة مفادها أن القوة والنفوذ يمكن أن يوفرا الحماية من المحاسبة.

في المقابل، يقول أنصار موقف إدارة ترامب إن المحكمة أصبحت مسيسة، وإنها تطبق القانون بصورة انتقائية، وتفتقر إلى المساءلة الديمقراطية، وتمثل تهديداً للقوات الأمريكية التي تعمل خارج البلاد.

ما علاقة ذلك بالسودان؟

يحمل الصراع الأمريكي مع المحكمة أهمية خاصة للسودان، لأن ملف دارفور من أقدم الملفات المفتوحة أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وقد أحال مجلس الأمن الوضع في دارفور إلى المحكمة عام 2005، ولا تزال قضايا مرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية جزءاً من عملها.

وأي إضعاف للمحكمة قد يؤثر في قدرتها على ملاحقة المطلوبين وجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم القديمة والجديدة في دارفور.

كما قد يقلل تعاون الدول في القبض على المتهمين أو تجميد أصولهم أو مشاركة المعلومات بشأن تحركاتهم.

وفي المقابل، قد تستغل أطراف سودانية الحملة الأمريكية لتجديد التشكيك في شرعية المحكمة أو رفض التعاون معها.

وهكذا، فإن المعركة الجارية في واشنطن ولاهاي لا تتعلق بإسرائيل والولايات المتحدة وحدهما، بل قد تمتد آثارها إلى ضحايا النزاعات في السودان وليبيا وأوكرانيا وأفغانستان وغيرها.

معركة سيادة أم معركة إفلات من العقاب؟

تقدم إدارة ترامب حملتها بوصفها دفاعاً عن السيادة الوطنية ومنعاً لهيئة دولية غير منتخبة من محاكمة مواطنين أمريكيين أو مسؤولين من دول حليفة.

لكن معارضيها يرون أن الهدف الأعمق هو حماية أصحاب النفوذ من أي مساءلة لا تستطيع واشنطن التحكم فيها.

وتكشف المواجهة عن سؤال جوهري يتجاوز الخلاف بين الولايات المتحدة والمحكمة: هل ينبغي أن تتوقف العدالة الدولية عند حدود الدول القوية، أم أن الجرائم الكبرى يجب أن تخضع للمحاسبة بصرف النظر عن جنسية المتهم وتحالفاته؟

لن تستطيع إدارة ترامب إلغاء المحكمة بقرار أمريكي منفرد، لكنها تستطيع جعل عملها أكثر كلفة وخطورة وتعقيداً.

ومن هنا يأتي معنى حملة «التفكيك»: ليس إسقاط المحكمة في يوم واحد، بل محاصرتها بالعقوبات، وعزلها دبلوماسياً، ومنع الدول والمنظمات والأفراد من التعاون معها، حتى تبقى قائمة من الناحية القانونية لكنها عاجزة عن تنفيذ مهمتها.

لقطة AI… عين ترصد الحدث، وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً