بقلم | عبود النصيح
30 يوليو 2026 | بتوقيت السودان
أثار إعلان المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة السوداني، الدكتور أمجد فريد، الأسبوع الماضي عن تشكيل لجنة رسمية لتولي ملف المحتجزين والمختطفين لدى قوات الدعم السريع، والعمل على إطلاق سراحهم والتفاوض بشأنهم برعاية مبعوث الأمم المتحدة، موجة واسعة من التساؤلات والتكهنات في الدوائر السياسية والشعبية. لا تقف أهمية هذه الخطوة عند حدود البعد الإنساني البحت، بل تمتد لتلامس عصب المشهد السياسي والعسكري المعقد، مما يطرح إشكاليات كبرى حول ما إذا كانت مجرد مسار إنساني تقني لتخفيف المعاناة، أم أنها قد تمثل حجر الأساس لبناء قنوات تواصل غير مباشرة بين طرفي الحرب المستعرة.
وتكتسب هذه المبادرة توقيتاً وحساسية استثنائيين؛ إذ تأتي في وقت لا تزال فيه آلة الحرب توقد طاحنتها في عدد من الجبهات الميدانية، بينما يصر الخطاب السياسي الرسمي على رفض أي تسوية تفضي إلى إعادة تشكيل المشهد العسكري خارج أطر الشرعية الدستورية ومؤسسات الدولة. من هنا، تصبح قراءة هذا التحرك محكومة بضرورة الفصل المنهجي بين غاياته الإنسانية المباشرة، وبين ما يُبنى عليه من استنتاجات وتوقعات سياسية مستقبلية.
الإطار الإنساني والمسوغ القانوني
من الناحية الرسمية والموضوعية، تبدو اللجنة جزءاً لا يتجزأ من استجابة مؤسسية طال انتظارها لملف إنساني بالغ الحساسية؛ فملف المحتجزين والمفقودين من المدنيين والعسكريين ظل يمثل الجانب الأكثر إيلاماً واستنزافاً للضمير المجتمعي منذ اندلاع الصراع.
وعلى الصعيد الحقوقي، يمنح القانون الدولي الإنساني وغاياته الأساسية أطراف النزاعات المسلحة الغطاء والشرعية للتواصل -سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء أممين ودوليين- لمعالجة قضايا الأسرى والمحتجزين والمفقودين. ولا يُعد هذا التواصل بحسب العرف الدولي اعترافاً سياسياً بالطرف الآخر، ولا تمهيداً بالضرورة لاتفاق سلام شامل.
وبناءً على ذلك، يمكن قراءة إنشاء لجنة متخصصة بوصفه محاولة جادة لتأطير وتنظيم هذا الملف ضمن قناة رسمية محددة الصلاحيات والأدوات، بما يتيح:
جمع المعلومات الميدانية وتدقيقها.
توثيق الحالات الإنسانية بدقة تضمن حفظ الحقوق.
التنسيق المباشر والمنظم مع الوسطاء الدوليين والأمميين.
تخفيف جزء من المعاناة النفسية والمجتمعية للأسر التي تكتوي بنار الانتظار وقسوة الغموض حول مصير ذويها.
هل تتحول القناة الإنسانية إلى ممر سياسي؟
في المقابل، فإن تقاطعات التوقيت والتعقيد الميداني دفعا قسماً واسعاً من المراقبين والمحللين إلى التساؤل عما إذا كانت هذه الخطوة تخفي خلف أكمامها بداية مبكرة لقنوات اتصال غير مباشرة، قد تتمدد لاحقاً لتشمل ملفات سياسية وعسكرية أوسع.
ويستند هذا الاتجاه التحليلي إلى فرضية تاريخية مفادها أن النزاعات المسلحة المعقدة غالباً ما تتخذ من “الملفات الإنسانية” مدخلاً أو صماماً لاختبار النوايا، قبل الانتقال تدريجياً ــ متى توفرت الإرادة والظروف السياسية الناضجة ــ إلى قضايا أشد تعقيداً، كترتيبات وقف إطلاق النار الدائم، تبادل الأسرى على نطاق واسع، أو فتح الممرات الإنسانية الآمنة والمستدامة.
إلا أن هذا الاحتمال، على وجاهته النظرية، لا يجد حتى اللحظة أي سند واقعي في الخطاب الرسمي الصادر عن مجلس السيادة أو أروقة الحكومة السودانية؛ إذ تصر التصريحات الرسمية على أن معالجة الأبعاد الإنسانية البحتة لا تعني بأي حال من الأحوال إحداث أي زحزحة في الموقف السياسي أو الميداني الثابت من الحرب وطبيعتها.
قراءة في سياق الاختيار والدور
تكتسب قراءة القرار عمقاً إضافياً عند وضع اختيار الشخصيات المكلفة في نصابها الواقعي والمهني؛ فالدكتور أمجد فريد، الذي انتقل من موقعه كأحد الأصوات المدنية الناقدة والمطالبة ببناء مؤسسات الدولة الوطنية الخالصة خلال مرحلة الشراكة الانتقالية ما بعد ثورة 2019، يجد نفسه اليوم في موقع استشاري رفيع ضمن دوائر صنع القرار التابعة لقيادة الجيش وهو احد أطراف الحرب الرئيسية.
هذا التحول في موقع المسؤولية والتموضع السياسي يعكس طبيعة الانخراط العضوي داخل منظومة الحكم الحالية، ويجعل من تكليفه بهذا الملف تحركاً مؤسسياً رسمياً بامتياز، يعبر عن استراتيجية الطرف العسكري الذي يمثله. وعليه، فإن إدارة اللجنة لا تُقرأ كمبادرة فنية مستقلة بذاتها، بل كقرار سياسي يحمل صفة الرسمية العالية، ويندرج بالكامل ضمن الحسابات الاستراتيجية للمؤسسة التي صدر عنها القرار.
ميزان التحديات والمكاسب المرتقبة
من زاوية استراتيجية أخرى، يحمل تشكيل هذه اللجنة رسالة دبلوماسية ذكية موجهة إلى المجتمع الدولي والمنظمات الأممية، مفادها أن الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية تبدي استعداداً كاملاً ومسؤولاً للتعاون البناء في كافة القضايا الإنسانية التي تسهم في حقن الدماء وتخفيف معاناة المدنيين، شريطة ألا يُستغل هذا التعاون إعلامياً أو سياسياً لابتزاز الموقف الوطني أو التنازل عن الثوابت السياسية والعسكرية. وهذا التوازن الدقيق بين الالتزام الأخلاقي والإنساني وبين التمسك بالمواقف الاستراتيجية يمثل التحدي الأصعب في أوقات الحروب.
وعلى الأرض، فإن نجاح هذه اللجنة -إن كُتب له التوفيق- سينعكس بقوة كبلسم شافٍ على آلاف الأسر السودانية المكلومة التي تعيش جحيماً مقيماً منذ أشهر أو سنوات طويلة نتيجة انقطاع سبل التواصل وغياب المعلومة. فالقضية تتجاوز بكثير أرقام المفرج عنهم، لتمس جوهر الحق الإنساني في المعرفة، والتوثيق، وضمان احترام الكرامة الإنسانية.
في المقابل، يظل الحذر واجباً لعدم تحميل الخطوة أكبر مما تحتمل؛ فالتجارب والتاريخ الدبلوماسي للنزاعات يعلماننا أن قنوات التفاوض الإنساني قد تظل تقنية ومغلقة لفترات طويلة دون أن تنجح في التحول إلى مسار سياسي شامل، والعكس صحيح أحياناً. ومن ثم، فإن القفز إلى استنتاج وجود “تسوية في الظل” يظل تمرينًا في التكهن السياسي المبكر، بعيداً عن صلب الوقائع المؤكدة على الأرض.
خاتمة المشهد
يبقى المؤشر الحقيقي والحاكم الوحيد على نجاح هذه الخطوة هو ما ستسفر عنه أعمال اللجنة وتقاريرها الميدانية خلال الأسابيع القادمة، ومدى قدرتها على ترجمة الشعارات والقرارات إلى إنجازات ملموسة تنهي عذاب المحتجزين وأسرهم، بمعزل عن هزات السياسة وتبدل التحالفات.
وخلاصة القول؛ إن لجنة المحتجزين تمثل خطوة إنسانية بالغة الأهمية تستجيب لنداء الواجب والأخلاق أمام معاناة الشعب السوداني، كما تعكس وعياً رسمياً بأهمية أرشفة وتنظيم هذا الملف عبر قنوات مؤسسية منضبطة. أما الذهاب بعيداً واعتبارها فاتحة لمسارات سياسية سرية وتواصل غير مباشر، فيظل رهناً بمؤشرات عملية وتصريحات رسمية صريحة لم تظهر في أفق المشهد حتى تاريخه.
عين ترصد الحدث
وعقل يقرأ المشهد
التعليقات
0 تعليقات