الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

“إما نحن أو إسرائيل”.. هل بدأت واشنطن تعيد تعريف تحالفها التاريخي مع تل أبيب؟

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

“إما نحن أو إسرائيل”.. هل بدأت واشنطن تعيد تعريف تحالفها التاريخي مع تل أبيب؟
💬 تعليق 0

عبدالقادر العوض

لقطة AI

2 أغسطس 2026

في العلاقات الدولية، لا تسقط التحالفات الكبرى عندما تختلف الحكومات، ولا عندما تتبادل العواصم الانتقادات الحادة، بل عندما تبدأ الدولة الأقوى بطرح سؤال لم تكن تجرؤ على طرحه من قبل: هل ما زال هذا الحليف يخدم مصالحنا كما كان يفعل في الماضي؟

هذا السؤال، الذي ظل لعقود خارج حدود النقاش في واشنطن، بدأ يتسلل بهدوء إلى مراكز التفكير الاستراتيجي، وإلى أروقة الكونغرس، وداخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكية. ليس لأن الولايات المتحدة قررت التخلي عن إسرائيل، ولا لأن التحالف بين البلدين يوشك على الانهيار، وإنما لأن البيئة الدولية التي نشأ فيها هذا التحالف لم تعد موجودة، ولأن أولويات القوة العظمى الأولى في العالم تغيرت بصورة لم يعد ممكناً تجاهلها.

ولهذا، فإن عبارة “إما نحن أو إسرائيل” لا تعني وجود قرار أمريكي بالاختيار بين الطرفين، لكنها تختصر معضلة استراتيجية تتشكل تدريجياً داخل واشنطن: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار في تحمل الكلفة السياسية والعسكرية والدبلوماسية لتحالفها مع إسرائيل، بينما تخوض في الوقت نفسه أخطر منافسة دولية منذ نهاية الحرب الباردة؟

هذا هو السؤال الحقيقي الذي يفسر كثيراً من التباينات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة والحكومات الإسرائيلية، بعيداً عن التفسيرات التي تختزل الأمر في خلافات شخصية بين الرؤساء أو في تباين المواقف تجاه حرب أو ملف إقليمي بعينه.

تحالف لم يولد من العاطفة

من أكثر الأخطاء شيوعاً في قراءة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية اختزالها في البعد الأيديولوجي أو الديني أو في قوة جماعات الضغط داخل الولايات المتحدة. فهذه العوامل لعبت دوراً مهماً، لكنها لم تكن يوماً العامل الحاسم في بقاء التحالف.

الدول الكبرى لا تبني سياساتها الخارجية على العواطف، بل على حسابات القوة والمصلحة.

عندما اعترف الرئيس الأمريكي هاري ترومان بقيام دولة إسرائيل عام 1948، لم تكن واشنطن قد رسمت بعد شكل تحالفها الاستراتيجي معها. وحتى ستينيات القرن الماضي، حافظت الإدارات الأمريكية على قدر من التوازن في تعاملها مع أطراف المنطقة، مدفوعة بحسابات الحرب الباردة وأمن الطاقة والعلاقات مع الدول العربية.

لكن حرب يونيو (حزيران) 1967 غيّرت قواعد اللعبة. فقد أثبتت إسرائيل، من وجهة النظر الأمريكية، أنها تمتلك قدرات عسكرية واستخباراتية تجعلها شريكاً يمكن الاعتماد عليه في مواجهة النفوذ السوفيتي المتصاعد في الشرق الأوسط.

ومنذ ذلك الوقت، تحولت إسرائيل تدريجياً إلى ما يشبه قاعدة استراتيجية متقدمة للمصالح الأمريكية في المنطقة، لا بالمعنى الجغرافي فقط، بل أيضاً بوصفها شريكاً في جمع المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الصناعات الدفاعية، واختبار التقنيات العسكرية، وحماية التوازنات الإقليمية التي كانت واشنطن ترى أنها ضرورية لاستقرار النظام الدولي الذي تقوده.

ولهذا السبب، ظل التحالف بين البلدين طوال عقود يبدو وكأنه أحد الثوابت غير القابلة للمراجعة داخل السياسة الأمريكية.

لماذا بدأ السؤال يُطرح الآن؟

لأن العالم الذي وُلد فيه ذلك التحالف لم يعد قائماً.

فالولايات المتحدة التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة لم تعد القوة المنفردة القادرة على إدارة النظام الدولي كما كانت في تسعينيات القرن الماضي.

الصين أصبحت المنافس الاقتصادي والتكنولوجي الأول لواشنطن، وروسيا عادت لاعباً عسكرياً مؤثراً، بينما تحولت مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والأمن السيبراني، وسلاسل الإمداد العالمية إلى ساحات صراع لا تقل أهمية عن الجيوش والأساطيل.

وفي الداخل، تواجه الولايات المتحدة ديناً عاماً يتجاوز مستويات تاريخية، واستقطاباً سياسياً غير مسبوق، وضغوطاً اقتصادية تجعل أي انخراط طويل في أزمات خارجية محل نقاش متزايد.

في هذا السياق، لم يعد الشرق الأوسط يحتل المرتبة نفسها في أولويات الاستراتيجية الأمريكية.

فالهدف الرئيسي لواشنطن اليوم ليس كسب حروب جديدة في المنطقة، بل منع اندلاع حروب تستنزف مواردها وتشتت تركيزها عن منافستها الكبرى مع الصين.

ومن هنا بدأت تتشكل فجوة هادئة بين طريقة نظر واشنطن وطريقة نظر تل أبيب إلى الإقليم.

اختلاف في تعريف الخطر

بالنسبة لإسرائيل، يبقى الشرق الأوسط هو مركز العالم، لأن أمنها القومي مرتبط مباشرة بما يجري على حدودها.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الشرق الأوسط أصبح جزءاً من لوحة استراتيجية أوسع تمتد من بحر الصين الجنوبي إلى أوروبا الشرقية، ومن الاقتصاد العالمي إلى سباق التكنولوجيا.

وهذا الاختلاف في تعريف مصادر الخطر يقود، بصورة تلقائية، إلى اختلاف في ترتيب الأولويات.

فما تعتبره إسرائيل معركة وجودية لا تقبل التأجيل، قد تعتبره واشنطن أزمة ينبغي احتواؤها بأقل تكلفة ممكنة حتى لا تؤثر في ملفات تراها أكثر حساسية بالنسبة لمستقبل مكانتها الدولية.

وهنا يكمن جوهر التحول الذي بدأ يفرض نفسه على النقاش داخل المؤسسات الأمريكية، وهو تحول لا يتعلق بمستقبل إسرائيل بقدر ما يتعلق بمستقبل الدور الأمريكي نفسه في عالم يعاد تشكيل موازين القوة فيه بسرعة غير مسبوقة.

عندما تتحول الميزة إلى عبء

في أدبيات العلاقات الدولية، لا تُقاس قيمة الحليف بحجم القرب السياسي أو التاريخ المشترك، وإنما بما يضيفه إلى قوة الدولة الراعية مقارنة بالكلفة التي تتحملها للحفاظ على هذا التحالف.

ولهذا، ظلت إسرائيل لعقود تُوصف داخل دوائر الأمن القومي الأمريكي بأنها “أصل استراتيجي” (Strategic Asset). فقد وفرت لواشنطن معلومات استخباراتية عالية القيمة، وأسهمت في تطوير منظومات عسكرية متقدمة، ومثلت قاعدة نفوذ في منطقة تمثل شرياناً للطاقة والتجارة العالمية.

لكن التحالفات لا تبقى ثابتة عندما تتغير البيئة الدولية.

فمع تصاعد المنافسة مع الصين، وعودة روسيا إلى المشهد، وازدياد الضغوط الاقتصادية داخل الولايات المتحدة، بدأ السؤال يتغير تدريجياً.

لم يعد السؤال: ماذا تقدم إسرائيل للولايات المتحدة؟

بل أصبح: كم تكلف إسرائيل الولايات المتحدة؟

وهذا التحول، وإن لم يُعلن رسمياً، يمثل نقطة مفصلية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.

فكل مواجهة عسكرية واسعة في الشرق الأوسط تعني بالنسبة لواشنطن نشر مزيد من حاملات الطائرات، وإرسال بطاريات دفاع جوي إضافية، وتعزيز حماية قواعدها المنتشرة في المنطقة، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر والخليج، واحتواء ردود فعل إيران وحلفائها، فضلاً عن إدارة الضغوط السياسية التي تتعرض لها في الأمم المتحدة والعواصم الغربية.

وبالنسبة للمخطط العسكري الأمريكي، فإن كل قطعة بحرية أو سرب مقاتلات يُرسل إلى الشرق الأوسط، هو مورد لا يمكن استخدامه في المحيطين الهندي والهادئ، حيث تعتبر واشنطن أن التحدي الحقيقي لمكانتها العالمية يتمثل في الصين.

ولهذا، فإن بعض مراكز التفكير الأمريكية بدأت تستخدم تعبيراً لم يكن متداولاً قبل سنوات، وهو “العبء الاستراتيجي”، ليس في إشارة إلى وجود إسرائيل، وإنما إلى احتمال أن تؤدي بعض السياسات الإسرائيلية إلى استنزاف القدرة الأمريكية على التركيز في أولوياتها العالمية.

واشنطن ليست مؤسسة واحدة

من الأخطاء الشائعة التعامل مع الولايات المتحدة باعتبارها تتحدث بصوت واحد.

فالسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل لا يصنعها البيت الأبيض وحده، بل تتداخل فيها مؤسسات متعددة، لكل منها منظور مختلف.

فوزارة الدفاع تنظر إلى الشرق الأوسط من زاوية انتشار القوات الأمريكية واستعدادها لمواجهة خصومها العالميين.

أما وزارة الخارجية، فتركز على صورة الولايات المتحدة، وعلاقاتها مع الحلفاء، وقدرتها على بناء التحالفات الدولية.

وتنظر أجهزة الاستخبارات إلى تأثير الحروب الممتدة على استقرار المنطقة، وتصاعد الجماعات المسلحة، وحماية المصالح الأمريكية.

بينما يتحرك الكونغرس وفق مزيج معقد من الحسابات الحزبية، والدوائر الانتخابية، وجماعات الضغط، والرأي العام.

ولهذا، فإن ما يبدو أحياناً تناقضاً في المواقف الأمريكية ليس بالضرورة تناقضاً، بل نتيجة طبيعية لتعدد مراكز صنع القرار.

المجتمع الأمريكي… المتغير الذي تأخر الانتباه إليه

إذا كان النظام الدولي قد تغير، فإن المجتمع الأمريكي نفسه تغير أيضاً.

فالأجيال التي ولدت بعد نهاية الحرب الباردة لا تنظر إلى إسرائيل بالطريقة التي نظرت بها الأجيال السابقة.

كما أن الثورة الرقمية أنهت احتكار الحكومات ووسائل الإعلام التقليدية للرواية.

وأصبح ملايين الأمريكيين يتابعون تفاصيل الصراعات لحظة بلحظة عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو ما أسهم في تشكيل وعي سياسي جديد، خصوصاً بين الشباب.

كما أن الجامعات الأمريكية، التي تعد أحد أهم مصادر إنتاج النخب السياسية والفكرية، أصبحت ساحة لنقاشات أكثر تنوعاً حول السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ولا يعني ذلك أن الرأي العام الأمريكي انقلب على إسرائيل، لكنه يعني أن الإجماع التقليدي الذي ظل قائماً لعقود لم يعد بالقوة نفسها.

وهذا تطور لا يمكن لأي إدارة أمريكية تجاهله على المدى الطويل.

هل يقترب التحالف من نهايته؟

الإجابة الواقعية هي: لا.

فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي لا يقوم على حكومة بعينها، ولا على رئيس أمريكي أو إسرائيلي، وإنما يستند إلى شبكة واسعة من المصالح العسكرية، والاستخباراتية، والتكنولوجية، والاقتصادية، تجعل إنهاءه أمراً بالغ الصعوبة.

لكن استمرار التحالف لا يعني أنه سيبقى بالشكل نفسه.

فالتحالفات الكبرى لا تنهار عادة بصورة مفاجئة، وإنما يعاد تعريفها تدريجياً وفق تغير موازين القوة والمصالح.

وهذا تحديداً ما يبدو أن واشنطن بدأت تفعله.

إنها لا تبحث عن بديل لإسرائيل، لكنها تحاول إعادة رسم حدود العلاقة بطريقة تمنع أي طرف من فرض أولوياته على الاستراتيجية الأمريكية الأوسع.

إلى أين تتجه العلاقة؟

خلال السنوات الخمس أو العشر المقبلة، من المرجح أن يبقى الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل قائماً، لكن مع تزايد الضغوط السياسية المرتبطة بإدارة الأزمات الإقليمية، وارتفاع مستوى النقاش داخل الولايات المتحدة حول حدود هذا الدعم.

كما ستسعى واشنطن إلى تقليل احتمالات الانخراط المباشر في حروب الشرق الأوسط، مع نقل جزء أكبر من اهتمامها العسكري والسياسي نحو آسيا، حيث ترى أن مستقبل ميزان القوى العالمي سيتحدد هناك.

وفي المقابل، ستسعى إسرائيل إلى الحفاظ على مستوى التحالف التاريخي نفسه، انطلاقاً من قناعتها بأن البيئة الأمنية المحيطة بها لا تسمح بأي تراجع في الدعم الأمريكي.

وهذا يعني أن التحدي الأكبر لن يكون بقاء التحالف، وإنما كيفية التوفيق بين أولويات دولتين أصبحتا تنظران إلى العالم من زاويتين مختلفتين.

الخاتمة

قد يكون من المبكر الحديث عن نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، لكنه من الصعب أيضاً إنكار أن العلاقة دخلت مرحلة مختلفة عن تلك التي حكمتها طوال العقود الماضية.

فالولايات المتحدة لا تعيد النظر في وجود إسرائيل أو في أهمية أمنها، لكنها تعيد النظر في موقع هذا التحالف داخل سلم أولوياتها الاستراتيجية، وفي حجم الكلفة التي يمكن أن تتحملها في عالم يتغير بسرعة.

ومن هنا، فإن عبارة “إما نحن أو إسرائيل” ليست وصفاً لقرار أمريكي اتُّخذ بالفعل، بل تلخيصاً لسؤال بدأ يفرض نفسه بهدوء داخل دوائر التفكير الاستراتيجي في واشنطن: كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحافظ على تحالفها التاريخي مع إسرائيل، دون أن يصبح هذا التحالف عائقاً أمام أولوياتها الكبرى في القرن الحادي والعشرين؟

قد لا تظهر الإجابة غداً، لكن المؤكد أن شكل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب خلال العقد المقبل لن تحدده قوة التحالف وحدها، بل قدرة الطرفين على التكيف مع نظام دولي جديد لم يعد يشبه العالم الذي وُلد فيه ذلك التحالف قبل نحو ثمانية عقود.

لقطة AI

عين ترصد الحدث… وعقل يقرأ المشهد.

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً