الخميس، 27 أغسطس 2026 بتوقيت السودان
عاجل
اكتب رأيك رأيك ذو قيمة في موقع لقطة AI

سد النهضة في الميزان السوداني: منافع واعدة ومخاطر بلا ضمانات

f تابع لقطة AI على فيسبوك

تابع آخر الأخبار والتحليلات والتقارير فور نشرها.

سد النهضة في الميزان السوداني: منافع واعدة ومخاطر بلا ضمانات
💬 تعليق 0

سارة الملك
4 أغسطس 2026

المشكلة الكبرى التي يواجهها السودان في ملف سد النهضة لا تتعلق بوجود السد وحده، بل بامتلاك دولةٍ أخرى القدرة على تغيير تدفقات النيل الأزرق نحو الأراضي السودانية من دون قواعد تشغيل ملزمة أو نظام إنذار وتنسيق يضمن سلامة السكان والمنشآت المائية.

لهذا ظل الموقف السوداني محكوماً بمفارقة معقدة: فالسد يمكن، من الناحية الفنية، أن يمنح السودان فوائد اقتصادية ومائية مهمة، لكنه في الوقت نفسه قد يتحول إلى مصدر خطر مباشر إذا ظلت قرارات الملء والتشغيل والتفريغ تُتخذ بصورة أحادية.

وبين وعود الكهرباء الرخيصة وتنظيم المياه، ومخاوف الجفاف والتصريف المفاجئ، يجد السودان نفسه أمام مشروع ضخم يقع خارج حدوده، بينما قد تظهر آثاره الأولى داخل أراضيه.

منافع حقيقية على الورق

قدّم سد النهضة منذ بداية الجدل حوله باعتباره مشروعاً يمكن أن يفتح مجالاً واسعاً للتعاون بين دول حوض النيل الشرقي، خصوصاً أن السودان يقع جغرافياً بين إثيوبيا ومصر، ويتأثر بصورة مباشرة بأي تغيير يحدث في تدفقات النيل الأزرق.

ومن أبرز المنافع التي عُلّق عليها الأمل سودانياً:

تنظيم جريان النيل الأزرق

يمكن للتخزين المنظم للمياه أن يخفف من حدة الفيضانات الموسمية التي تهدد القرى والمدن والمشروعات الزراعية الواقعة على ضفاف النيل الأزرق.

وكان يُنظر إلى انتظام الجريان باعتباره فرصة لحماية مناطق واسعة في ولايات النيل الأزرق وسنار والجزيرة والخرطوم من الفيضانات المدمرة التي تتكرر خلال مواسم الأمطار الغزيرة.

لكن الاستفادة من هذه الميزة تفترض وجود تنسيق دقيق ومسبق بشأن كميات المياه التي تُخزن أو تُطلق، لأن التنظيم غير المتفق عليه قد يحوّل الحماية من الفيضانات إلى تعرض مفاجئ لها.

الحصول على الكهرباء

يمتلك السودان شبكة ربط كهربائي مع إثيوبيا، وكان من المتوقع أن يشكل إنتاج سد النهضة فرصة للحصول على كهرباء بتكلفة مناسبة، بما يساعد في تقليص العجز المزمن في قطاع الطاقة.

وتزداد أهمية هذا الاحتمال في ظل الأضرار الكبيرة التي لحقت بمحطات التوليد وخطوط النقل السودانية، والحاجة إلى مصادر إمداد مستقرة تعيد تشغيل القطاعات الخدمية والإنتاجية.

غير أن الكهرباء، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن اتفاق يضمن الأمن المائي وسلامة السدود السودانية. فالمنافع التجارية قد تتغير بتغير الظروف السياسية والأسعار، بينما تظل المخاطر المائية مرتبطة مباشرة بحياة ملايين السكان.

تقليل الطمي وتحسين الري

قد يؤدي احتجاز جزء كبير من الطمي خلف السد إلى تقليل تراكم الرواسب داخل بعض الخزانات والقنوات السودانية، ما يخفف تكاليف الصيانة ويحسن كفاءة المنشآت المائية.

كما يمكن لانتظام المياه خلال العام أن يدعم مشروعات الري، ويقلل اعتماد الزراعة على التقلبات الحادة بين مواسم الفيضان وفترات انخفاض المناسيب.

لكن هذه الفوائد لا تتحقق تلقائياً. فهي مرتبطة بطريقة التشغيل، وكميات المياه المتاحة، والتنسيق بين سد النهضة وخزان الروصيرص وبقية المنشآت السودانية.

حين تتحول الميزة إلى مصدر خطر

لا يعارض السودان، من حيث المبدأ، حق إثيوبيا في الاستفادة من مواردها المائية وتوليد الطاقة. لكن جوهر الاعتراض السوداني ظل مرتبطاً بغياب الضمانات الملزمة التي تنظم تشغيل السد في الظروف العادية والاستثنائية.

فالسودان ليس دولة بعيدة قد تتأثر بعد سنوات بقرارات السد، بل هو أول دولة تقع مباشرة في مسار المياه بعد خروجها من سد النهضة.

وهذا القرب الجغرافي يجعل أي خطأ تشغيلي أو تأخير في تبادل المعلومات خطراً فورياً، وليس مجرد خلاف سياسي يمكن تأجيله.

خزان الروصيرص في دائرة الخطر

يمثل خزان الروصيرص أكثر المنشآت السودانية حساسية تجاه تشغيل سد النهضة، بسبب قربه من الحدود الإثيوبية واعتماده على تدفقات النيل الأزرق.

فإذا جرى إطلاق كميات كبيرة من المياه بصورة مفاجئة، من دون منح الجانب السوداني وقتاً كافياً لاتخاذ الاحتياطات، فقد ترتفع المناسيب بسرعة وتتعرض المناطق الواقعة على ضفاف النهر لمخاطر الفيضانات.

وفي المقابل، قد يؤدي انخفاض التدفقات أو حجز المياه لفترات غير متفق عليها إلى إرباك تشغيل الخزان، والتأثير في الري ومياه الشرب والتوليد الكهربائي.

المشكلة هنا ليست في وجود التخزين وحده، بل في أن السودان يحتاج إلى معرفة مسبقة ودقيقة بشأن كميات المياه ومواعيد إطلاقها، حتى يستطيع تشغيل منشآته بصورة آمنة.

الجفاف يكشف هشاشة التفاهمات

تبدو الخلافات أقل حدة في السنوات التي تتوافر فيها كميات كبيرة من المياه، لكن الاختبار الحقيقي لأي اتفاق يظهر خلال سنوات الجفاف الممتد.

ففي أوقات الشح، تتعارض أولويات الدول الثلاث: تريد إثيوبيا الحفاظ على مستوى يسمح باستمرار توليد الكهرباء، بينما يسعى السودان إلى تأمين احتياجات الشرب والزراعة وتشغيل سدوده، وتطالب مصر بالحفاظ على تدفقات تكفي احتياجاتها المائية.

ومن دون قواعد واضحة تحدد كيفية توزيع أعباء الجفاف، قد يجد السودان نفسه أمام انخفاض مفاجئ في المناسيب، مع تأثيرات مباشرة على محطات مياه الشرب والمشروعات الزراعية والقرى والمدن النيلية.

ولهذا لا يكفي الحديث عن حسن النيات أو التعاون العام، لأن سنوات الجفاف تحتاج إلى أرقام وجداول وإجراءات ملزمة، لا إلى تفاهمات سياسية قابلة للتغيير.

المعلومات المسبقة ليست منحة

يحتاج السودان إلى بيانات لحظية ودقيقة بشأن مستوى بحيرة السد، وكميات المياه الداخلة والخارجة، وخطط الملء والتفريغ، وأي أعطال أو إجراءات استثنائية قد تؤثر في التدفقات.

هذه المعلومات ليست مطلباً فنياً ثانوياً، بل جزء من منظومة الأمن القومي السوداني. فالمؤسسات المسؤولة عن السدود والري والدفاع المدني تحتاج إليها لاتخاذ قرارات تتعلق بحماية السكان والمنشآت.

كما أن نظام الإنذار المبكر يجب ألا يعتمد على اتصالات ظرفية بين المسؤولين، بل على آلية مؤسسية ثابتة تعمل حتى في فترات التوتر السياسي أو انقطاع العلاقات بين الحكومات.

غياب آلية ملزمة لفض النزاعات

إحدى نقاط الضعف الأساسية في الملف هي غياب جهة فنية وقانونية مشتركة تمتلك صلاحيات واضحة لمعالجة الخلافات التشغيلية.

فإذا اختلفت الدول بشأن كمية المياه المطلوب إطلاقها خلال عام جاف، أو بشأن تفسير بند من بنود التشغيل، لا توجد حتى الآن آلية ملزمة وسريعة تمنع تحول الخلاف إلى أزمة مائية.

والسودان، بحكم موقعه الجغرافي، قد يتحمل النتائج قبل اكتمال أي مفاوضات أو وساطات سياسية. لذلك فإن الاتفاق المطلوب يجب أن يتضمن إجراءات واضحة للتحكيم وتسوية النزاعات والاستجابة للحالات الطارئة.

الحرب أضعفت قدرة السودان التفاوضية

تأتي هذه التعقيدات في وقت يعيش فيه السودان حرباً أضعفت مؤسسات الدولة وألحقت أضراراً واسعة بقطاع الكهرباء والمياه والبنية التحتية.

وقد أدى النزاع إلى تراجع الحضور الفني والدبلوماسي السوداني في عدد من الملفات الإقليمية، في وقت يحتاج فيه ملف سد النهضة إلى مؤسسات مستقرة وخبراء قادرين على المتابعة اليومية والتفاوض المستمر.

إن انشغال السودان بأزمته الداخلية لا يعني أن مخاطر السد توقفت، بل قد يجعل البلاد أكثر هشاشة أمام أي تغيرات مفاجئة في تدفقات المياه، خصوصاً مع تضرر شبكات الإنذار والاستجابة والخدمات الأساسية.

ما الذي يحتاجه السودان؟

لا ينبغي أن يبني السودان موقفه على الاصطفاف الكامل مع إثيوبيا أو مصر، بل على تعريف مستقل ودقيق لمصالحه الوطنية.

ويقتضي ذلك التمسك باتفاق قانوني شامل وملزم يتضمن:

  • قواعد واضحة للملء والتشغيل في السنوات العادية والجافة.
  • تبادل البيانات بصورة مستمرة وفي الوقت المناسب.
  • تنسيقاً مباشراً بين سد النهضة وخزان الروصيرص والمنشآت السودانية الأخرى.
  • نظام إنذار مبكر لمواجهة التصريفات المفاجئة والحوادث الطارئة.
  • آلية فنية وقانونية ملزمة لتسوية النزاعات.
  • ضمانات لعدم استخدام المياه أو الكهرباء أداةً للضغط السياسي.

بين التنمية والسيادة

يمكن لسد النهضة أن يتحول إلى مشروع تعاون إقليمي يوفر الكهرباء وينظم المياه ويقلل أضرار الفيضانات، لكن ذلك لن يتحقق بمجرد الوعود أو الافتراضات الفنية.

فالمشروعات العابرة للحدود لا تُقاس فقط بحجم إنتاجها أو سعة خزاناتها، بل بقدرتها على بناء الثقة وحماية حقوق جميع الدول المتأثرة بها.

وبالنسبة للسودان، لا يكمن الموقف المتوازن في رفض السد أو القبول غير المشروط به، وإنما في ضمان ألا تُدار موارده المائية ومستقبل منشآته الحيوية بقرارات لا يشارك في صياغتها.

فالمياه التي قد تمنح السودان فرصاً للتنمية يمكن، في غياب الاتفاق والتنسيق، أن تتحول في ساعات قليلة إلى مصدر تهديد. وبين الوعد والخطر، يظل الاتفاق القانوني الملزم هو الضمانة الوحيدة التي لا يمكن استبدالها بحسن النيات.

لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد

التعليقات

0 تعليقات

أضف تعليقاً