محررو لقطة AI – 19
3 أغسطس 2026
حين تنقطع الكهرباء في السودان، لا تختفي الإضاءة وحدها؛ تتوقف مضخات المياه، وتتعطل الثلاجات، وتفسد الأطعمة والأدوية، وتصمت آلات الورش والعيادات، وتبدأ الأسر في إعادة ترتيب يومها كله وفق لحظة غير معلومة قد يعود فيها التيار لبضع ساعات.
هذا هو الوجه الأقل ظهوراً لأزمة الكهرباء التي تخيم على مدن وولايات سودانية واسعة. ففي الوقت الذي تُختصر فيه الأزمة رسمياً في أعطال فنية وخطوط نقل ومحطات توليد، يعيش ملايين السودانيين نتائجها باعتبارها معركة يومية من أجل الماء والغذاء والعلاج والعمل والنوم تحت درجات حرارة قاسية.
وتشهد مدن في ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية والبحر الأحمر انقطاعات كاملة أو جزئية ومتكررة، في ظل شبكة كهرباء أنهكتها الحرب، وتضررت محطاتها ومحولاتُها وخطوط نقلها، بينما تعجز قدرات التوليد المتاحة عن تلبية الطلب المتزايد خلال فصل الصيف.
وأعلنت وزارة الطاقة السودانية، في 28 يوليو، أن انخفاضاً مفاجئاً في الأحمال أدى إلى خروج خط النقل الرئيسي الرابط بين مروي وعطبرة، بجهد 500 كيلوفولت، ما تسبب في انقطاع الكهرباء عن ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر، وفاقم ساعات القطوعات المبرمجة في مناطق أخرى. وقالت الوزارة إن الانقطاعات اليومية في بعض المناطق كانت تمتد أصلاً بين 12 و18 ساعة. (Sudan Tribune)
وبعد أيام قليلة، تعرضت محطة كهرباء سد مروي لعطل جديد إثر حريق محدود في أحد الكوابل، ما أدى إلى خروج المحطة من الخدمة وتأثر الإمداد في ولايات الخرطوم ونهر النيل والشمالية والبحر الأحمر. وأفادت وزارة الطاقة بأن فرق الدفاع المدني والفرق الفنية سيطرت على الحريق، وبدأت أعمال الصيانة لإعادة المحطة إلى الشبكة. (Sudan Horizon)
حياة تُدار وفق ساعات الكهرباء
في أحياء الخرطوم، لم تعد الأسر تنظم يومها وفق ساعات العمل أو الدراسة، بل وفق اللحظات القصيرة التي يعود فيها التيار.
عندما تضيء المصابيح فجأة، تتحول المنازل إلى حالة استنفار: تُشغّل مضخات المياه، وتُشحن الهواتف والبطاريات، وتعمل الثلاجات، وتبدأ النساء في إعداد ما يمكن من الطعام، قبل أن ينقطع التيار مجدداً من دون جدول واضح.
وفي بعض مناطق العاصمة، استمرت الانقطاعات لما يصل إلى 48 ساعة، بينما أبلغ أصحاب عيادات طبية عن قطوعات يومية بلغت 18 ساعة، ما اضطرهم إلى تأجيل بعض الحالات أو تشغيل مولدات مرتفعة التكلفة في ظل غلاء الوقود. (Xinhua News)
وتصبح الأزمة أكثر خطورة داخل المنازل التي يعيش فيها مرضى يحتاجون إلى بيئة باردة أو أدوية يجب حفظها في درجات حرارة منخفضة.
فالأنسولين، على سبيل المثال، لا يحتمل البقاء لفترات طويلة في درجات الحرارة المرتفعة. ومع توقف الثلاجات، يضطر بعض المرضى وأسرهم إلى البحث عن الثلج أو نقل الأدوية إلى منازل ومحال تمتلك مولدات أو أنظمة طاقة شمسية.
لكن الثلج نفسه تحول إلى سلعة نادرة ومرتفعة السعر، وقد يذوب قبل عودة الكهرباء، ما يجعل حفظ الدواء معركة تتكرر كل يوم، ويحوّل الانقطاع من أزمة خدمية إلى تهديد مباشر للصحة والحياة.
حرارة تتجاوز حدود الاحتمال
تتزامن الانقطاعات مع ارتفاع درجات الحرارة في شمال ووسط وشرق السودان إلى نحو 44 درجة مئوية في بعض الفترات، ما يضاعف المخاطر على الأطفال وكبار السن والمرضى وأصحاب الأمراض المزمنة. (سودان تربيون)
وفي المنازل التي لا تمتلك مولدات أو ألواحاً شمسية، يلجأ السكان إلى المراوح اليدوية والجلوس في الساحات المفتوحة والنوم على أسطح المنازل أو خارج الغرف، بحثاً عن أي تيار هواء.
غير أن الخروج إلى الساحات المفتوحة يحمل بدوره مخاطر انتشار البعوض والحشرات والعقارب، خصوصاً في المناطق الطرفية والبيئات الحجرية، بينما يؤدي إغلاق النوافذ خوفاً من الحشرات إلى زيادة الاختناق داخل المنازل.
ويحذر مختصون صحيون من ارتفاع احتمالات الجفاف والإجهاد الحراري وضربات الشمس والطفح الجلدي، مع تزايد الخطر على الأطفال والمسنين ومن يعانون أمراضاً مزمنة، خاصة في ظل صعوبة الحصول على مياه باردة أو تهوية مناسبة. (Xinhua News)
حين تتوقف الكهرباء يتوقف الماء
لا تنفصل أزمة الكهرباء في السودان عن أزمة المياه. فمعظم شبكات الإمداد تعتمد على مضخات كهربائية لرفع المياه من الآبار أو دفعها عبر الخطوط إلى الأحياء السكنية.
وعندما ينقطع التيار لساعات طويلة، تتوقف المضخات وتجف الخزانات المنزلية، ويجد السكان أنفسهم أمام أزمة مزدوجة: لا كهرباء ولا ماء.
وفي عدد من الأحياء، لجأ السكان إلى تشغيل مضخات مشتركة بواسطة مولدات تجارية، وتقاسم تكلفة الوقود، أو شراء المياه من العربات المتنقلة بأسعار تفوق قدرة كثير من الأسر.
ويظهر التكافل المجتمعي في إتاحة بعض المنازل التي تمتلك آباراً أو أنظمة طاقة شمسية المياه للجيران، وتقاسم شحن الهواتف وحفظ الأدوية، لكن هذه المبادرات، على أهميتها، لا تستطيع تعويض غياب خدمة عامة مستقرة.
الاقتصاد الصغير يدفع الثمن الأكبر
خلف كل ساعة انقطاع خسارة اقتصادية لا تظهر بالضرورة في الأرقام الرسمية.
تتعطل ورش الحدادة والنجارة والخياطة، وتتوقف الثلاجات في البقالات، وتفسد اللحوم ومنتجات الألبان والعصائر، بينما يعجز أصحاب المطاعم والمخابز الصغيرة عن مواصلة العمل بصورة منتظمة.
وتتضرر بصورة خاصة المشاريع المنزلية التي تعتمد عليها النساء والأرامل والأسر محدودة الدخل، مثل صناعة الأطعمة والمشروبات والحلويات والآيس كريم. فهذه المشاريع لا تملك رأس المال اللازم لشراء مولدات أو أنظمة شمسية، وقد يعني انقطاع الكهرباء خسارة المواد الخام ورأس المال المحدود في يوم واحد.
وأفاد أصحاب متاجر في الخرطوم بأن تلف البضائع أصبح يسبب خسائر مباشرة، في حين أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى جعل تشغيل المولدات خياراً مكلفاً، وظلت الطاقة الشمسية بعيدة عن متناول كثير من أصحاب الأعمال الصغيرة. (Xinhua News)
وهكذا تدفع أزمة الكهرباء بعض الأسر إلى الاستدانة أو الاعتماد بصورة أكبر على تحويلات أقاربها في الخارج، ليس لشراء احتياجات إضافية، وإنما للحفاظ على الحد الأدنى من الغذاء والماء والعلاج.
الطاقة الشمسية.. حل لمن يستطيع الدفع
تحولت ألواح الطاقة الشمسية والبطاريات إلى واحد من أكثر المنتجات طلباً في الأسواق السودانية، لكنها لم تصبح بعد بديلاً متاحاً للجميع.
فارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة وصعوبة الاستيراد جعلت امتلاك نظام شمسي منزلي امتيازاً لفئة محدودة، بينما تكتفي غالبية الأسر بمصابيح صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية أو بطاريات لشحن الهواتف.
ويطالب خبراء بتسهيل حصول المواطنين والمزارعين وأصحاب المشاريع الصغيرة على أنظمة الطاقة الشمسية بالتقسيط، وإنشاء مشروعات توليد موزعة تقلل الاعتماد الكامل على الشبكة القومية المتضررة. (سودان تربيون)
لكن الطاقة الشمسية، على أهميتها، لا تستطيع وحدها تشغيل المستشفيات والمصانع ومحطات المياه والمدن الكبرى. ولذلك يبقى إصلاح الشبكة القومية وإعادة تأهيل محطات التوليد وخطوط النقل والمحولات شرطاً أساسياً لأي استقرار اقتصادي أو عودة طبيعية للحياة.
شبكة أنهكتها الحرب
لا تعود الأزمة الحالية إلى عطل منفرد، بل إلى تراكم سنوات من ضعف الصيانة ونقص الاستثمار، قبل أن تأتي الحرب وتلحق أضراراً واسعة بمحطات التوليد والتحويل وشبكات النقل والتوزيع.
وتقول السلطات إن توقف استيراد الكهرباء من إثيوبيا، وارتفاع الطلب الصيفي، وغلاء الوقود اللازم للمحطات الحرارية، إلى جانب التخريب والنهب والهجمات التي تعرضت لها منشآت الطاقة، كلها عوامل ساهمت في تعميق العجز. (Sudan Tribune)
كما قدّرت تقارير حجم الأضرار التي لحقت بقطاع الكهرباء منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 بنحو ثلاثة مليارات دولار، مع تدمير آلاف المحولات ونهب مساحات كبيرة من الكوابل ومكونات الشبكة في الخرطوم ومناطق أخرى. (سودان تربيون)
ورغم إعلان وزارة الطاقة إعادة أكثر من 260 ميغاواط إلى الشبكة بعد أعمال صيانة، وتوقعها ارتفاع التوليد المتاح بعد استكمال عمليات التأهيل، فإن الفجوة بين الإنتاج والطلب لا تزال كبيرة، ولا يشعر المواطن حتى الآن بتحسن مستقر في الخدمة. (Xinhua News)
العتمة بوصفها وجهاً آخر للحرب
أصبحت الكهرباء في السودان أكثر من مجرد خدمة تتعطل ثم تعود. فهي الخط الفاصل بين وجود الماء وانقطاعه، وبين سلامة الدواء وتلفه، وبين استمرار المشروع الصغير وانهياره، وبين قدرة المستشفى على العمل واضطراره إلى تأجيل المرضى.
وما يعيشه السودانيون اليوم ليس مجرد «برمجة قطوعات»، بل استنزاف يومي للصحة والدخل والوقت والقدرة على الاحتمال.
وفي انتظار إصلاح الشبكة القومية وتأمين منشآت الطاقة واستعادة قدرات التوليد، يواصل المواطنون ابتكار وسائل محدودة للبقاء: أسرة تتقاسم قالباً من الثلج، وجيران يشغّلون مضخة مياه جماعية، ومتجر يحاول إنقاذ بضاعته، ومريض ينتظر عودة التيار قبل أن يفقد دواءه صلاحيته.
لكن الصمود المجتمعي، مهما بلغ، لا يمكن أن يصبح بديلاً دائماً عن مسؤولية الدولة في توفير الكهرباء والمياه وحماية البنية التحتية الحيوية.
فحين تغرق المدن في الظلام، لا تتوقف المصابيح وحدها؛ تتراجع معها فرص التعافي والعودة والاستقرار، وتصبح إعادة بناء قطاع الكهرباء جزءاً أساسياً من إعادة بناء السودان نفسه.
لقطة AI… عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد.
التعليقات
0 تعليقات