محررو لقطة AI – 19
6 أغسطس 2026
اتهم رئيس المكتب التنفيذي لحزب التجمع الاتحادي والقيادي في التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود»، بابكر فيصل، الآلية الخماسية المعنية بتيسير العملية السياسية في السودان بالتراجع عن التفاهمات السابقة المتعلقة بتشكيل لجنة تحضيرية سودانية، معتبرًا أنها لم تعد تمثل مظلة محايدة وقادرة على إدارة حوار سياسي يحظى بثقة الأطراف المدنية.
وتأتي تصريحات فيصل في ظل تصاعد الخلافات بين القوى السياسية السودانية بشأن الجهة التي تملك حق تصميم العملية السياسية، واختيار المشاركين فيها، وتحديد أجندتها، بالتزامن مع استمرار الحرب وتعدد المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية.
اتهام بالتراجع عن التفاهمات السابقة
قال فيصل إن التفاهمات السابقة نصت على تشكيل لجنة تحضيرية سودانية تتولى إدارة المسائل الأساسية المتعلقة بالعملية السياسية، بما يشمل تصميمها، وصياغة أجندتها، وتحديد الأطراف المشاركة فيها، واختيار مكان وزمان انعقادها، فضلًا عن تحديد طبيعة الدور الذي يمكن أن تؤديه الجهات الإقليمية والدولية.
وبحسب رؤيته، كان يفترض أن يقتصر دور الآلية الخماسية على التيسير وتوفير الدعم الفني والسياسي، من دون أن تتحول إلى جهة تقرر بصورة منفردة من يشارك في العملية السياسية أو كيف تُصاغ أجندتها.
واعتبر فيصل أن التراجع عن هذا التفاهم يمثل إخلالًا بمبدأ الملكية السودانية للعملية السياسية، ويعيد إنتاج تجارب سابقة ظلت فيها المبادرات الدولية تتحكم في تشكيل المنصات السياسية، بينما تكتفي القوى السودانية بالمشاركة في ترتيبات لم تسهم فعليًا في تصميمها.
جدل حول توسيع دائرة المشاركة
انتقد فيصل المشاورات التي أجرتها الآلية الخماسية مع عدد من التحالفات والشخصيات السياسية والمدنية، معتبرًا أن بعض المشاركين لا يمثلون قوى ذات تأثير فعلي أو امتداد واضح في الشارع السوداني.
ورأى أن توسيع المشاركة بهذه الطريقة لا يؤدي بالضرورة إلى بناء عملية شاملة، بل يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإغراق الحوار بعدد كبير من الكيانات والأفراد، بما يضعف قدرة القوى السياسية الرئيسية على الوصول إلى موقف واضح بشأن الحرب والانتقال المدني.
كما اتهم معظم الأطراف التي شاركت في المشاورات الأخيرة بأنها أقرب إلى موقف الجيش السوداني أو مؤيدة لاستمرار سلطته، معتبرًا أن ذلك يخل بالتوازن المطلوب في أي عملية سياسية تسعى إلى إنهاء الحرب وتأسيس مرحلة انتقالية جديدة.
لكن قضية التمثيل تظل واحدة من أكثر المسائل تعقيدًا في المشهد السوداني؛ إذ تطالب كل كتلة سياسية بتوسيع المشاركة حين يتعلق الأمر بحلفائها، بينما تعترض على إشراك مجموعات تراها ضعيفة أو مرتبطة بأحد طرفي النزاع.
من يملك حق اختيار المشاركين؟
يتركز الخلاف في جوهره حول الجهة التي تملك صلاحية تحديد القوى المؤهلة للمشاركة في العملية السياسية.
فالقوى المنضوية في تحالف «صمود» تتمسك بتشكيل لجنة تحضيرية سودانية مستقلة نسبيًا عن أطراف الحرب، تكون مسؤولة عن وضع معايير المشاركة وترتيب أجندة الحوار. وفي المقابل، ترى قوى سياسية أخرى أن هذا التصور قد يمنح تحالفًا مدنيًا بعينه نفوذًا أكبر من حجمه، ويؤدي إلى استبعاد أطراف لها حضور سياسي أو اجتماعي.
أما الآلية الخماسية، فتسعى إلى توسيع المشاورات لتشمل أكبر عدد ممكن من الكتل السياسية والمدنية، لكنها تواجه اتهامات من اتجاهات متعارضة؛ فبعض القوى تتهمها بالانحياز إلى الجيش وحلفائه، بينما تتهمها قوى أخرى بمنح تحالفات مدنية قريبة من قوات الدعم السريع مساحة سياسية لا تستحقها.
ويكشف ذلك أن أزمة العملية السياسية لا تتعلق فقط بغياب التوافق حول الحل، بل تمتد إلى الخلاف على تعريف القوى المدنية نفسها، والجهة المخولة بتمثيل السودانيين، والمعايير التي تفصل بين الاستقلال السياسي والارتباط بأطراف الحرب.
اتهام الخماسية بالتماهي مع رؤية الجيش
ذهب فيصل إلى أن استمرار الآلية الخماسية في نهجها الحالي قد يقودها إلى التماهي مع رؤية قيادة الجيش، التي قال إنها تسعى إلى إنتاج عملية سياسية شكلية تمنح السلطة القائمة شرعية إقليمية ودولية، من دون إحداث تحول حقيقي في بنية الحكم.
ويرى فيصل أن قيادة الجيش تحاول استخدام العملية السياسية لاستعادة الاعتراف الخارجي بسلطتها، وإقناع المجتمع الدولي بأن أي انتقال مدني يمكن أن يتم تحت إشرافها، بدلًا من أن يؤدي إلى إنهاء هيمنتها على مؤسسات الدولة.
وبحسب هذا الموقف، فإن إشراك عدد كبير من القوى والشخصيات المؤيدة للجيش قد يفضي إلى تشكيل منصة سياسية تمنح السلطة العسكرية غطاءً مدنيًا، من دون معالجة الأسباب العميقة التي أدت إلى اندلاع الحرب أو إعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية وقومية.
ومع ذلك، فإن هذه الاتهامات تعبر عن موقف سياسي لطرف مشارك في النزاع حول مستقبل العملية الانتقالية، ولا تمثل حكمًا متفقًا عليه بين القوى السودانية. فالكتل القريبة من الجيش تتهم بدورها تحالف «صمود» بمحاولة احتكار التمثيل المدني وإعادة إنتاج تحالف سياسي يفتقر، وفق رؤيتها، إلى التفويض الشعبي.
أزمة ثقة تتجاوز الخلاف على الإجراءات
تكشف تصريحات فيصل عن أزمة ثقة عميقة بين القوى المدنية والوساطات الإقليمية والدولية، بعد سنوات من المبادرات التي لم تتمكن من تأسيس انتقال سياسي مستقر أو منع انزلاق البلاد إلى الحرب.
فكلما طُرحت مبادرة جديدة، يعود الخلاف نفسه حول المشاركين، وترتيب الأولويات، وعلاقة المسار السياسي بالمفاوضات العسكرية، وموقع الجيش وقوات الدعم السريع في مستقبل الدولة.
وتزداد هذه الأزمة تعقيدًا بسبب تعدد المنابر والجهات الدولية المتدخلة، وغياب مركز موحد للوساطة، إلى جانب اختلاف مصالح الدول والمنظمات المشاركة في إدارة الملف السوداني.
كما أن غياب الشفافية بشأن طبيعة التفاهمات السابقة بين الآلية الخماسية والقوى السياسية يفتح المجال أمام تفسيرات متعارضة؛ إذ ترى بعض الأطراف أن اللجنة التحضيرية السودانية كانت اتفاقًا ملزمًا، بينما قد تنظر إليها جهات أخرى باعتبارها مجرد مقترح قابل للتعديل ضمن المشاورات.
بين الملكية السودانية والدعم الدولي
يتمسك فيصل بمفهوم الملكية السودانية للعملية السياسية، باعتباره شرطًا أساسيًا للوصول إلى حل قابل للاستمرار. ويعني ذلك، وفق هذا التصور، أن تتولى القوى السودانية تصميم العملية واختيار المشاركين فيها، بينما يقتصر دور المجتمع الدولي على التيسير والضغط من أجل وقف الحرب ودعم تنفيذ الاتفاقات.
لكن تطبيق هذا المبدأ يواجه صعوبات كبيرة بسبب الانقسامات الحادة بين القوى المدنية نفسها، وارتباط بعض التحالفات بأطراف عسكرية، وعدم وجود مؤسسة وطنية متوافق عليها تستطيع إدارة حوار شامل.
ولهذا، فإن المطالبة بعملية سودانية خالصة لا تحل تلقائيًا مشكلة التمثيل، ما لم تتفق القوى السياسية على معايير واضحة تمنع الاحتكار والاستبعاد، وتضمن مشاركة القوى المدنية والمجتمعية المتضررة من الحرب، بما فيها لجان المقاومة، والنقابات، ومنظمات النساء والشباب، وممثلو النازحين واللاجئين.
وفي المقابل، فإن تدخل الآلية الخماسية في اختيار المشاركين قد يمنحها قدرة على توسيع الحوار، لكنه يعرضها أيضًا لاتهامات بالانحياز والتلاعب بموازين القوى السياسية.
دعوة إلى جبهة مدنية أوسع
دعا فيصل القوى المدنية المناهضة للحرب إلى توحيد مواقفها داخل جبهة سياسية واسعة، تعمل على مقاومة ما وصفه بمحاولة إنتاج عملية سياسية زائفة، وتكثف نشاطها الجماهيري والسياسي والدبلوماسي من أجل وقف الحرب وتحقيق سلام مستدام.
وتعكس هذه الدعوة إدراكًا بأن الاعتراض على منهج الآلية الخماسية وحده لا يكفي، وأن القوى المدنية تحتاج إلى تقديم بديل سياسي واضح يجيب عن أسئلة الحكم والعدالة والانتقال، بدلًا من الاكتفاء برفض المبادرات المطروحة.
فالعملية السياسية لن تكتسب شرعيتها من عدد المشاركين فيها فقط، بل من قدرتها على وقف الحرب، ومعالجة الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة بناء الدولة، ومنع عودة العسكريين أو التنظيمات المرتبطة بهم إلى احتكار السلطة.
وفي ظل استمرار الحرب، تبقى الخلافات حول اللجنة التحضيرية والجهة التي تختار المشاركين جزءًا من أزمة أكبر: غياب مشروع وطني متفق عليه لإنهاء القتال وبناء سلطة مدنية تتمتع بشرعية سياسية واجتماعية حقيقية.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
المصادر
- تصريحات بابكر فيصل بشأن تراجع الآلية الخماسية عن تفاهمات تشكيل اللجنة التحضيرية السودانية، واتهامه لها بفقدان الحياد.
- تقرير «سودان تربيون» حول موقف فيصل من الملكية السودانية للعملية السياسية، واعتراضه على اختيار الآلية للمشاركين، ودعوته إلى توحيد القوى المدنية.
- تقرير «راديو دبنقا» حول الخلافات السابقة بشأن تكوين اللجنة التحضيرية والمشاركة في الحوار السوداني–السوداني.
- بيان حول المشاورات التي قادتها الآلية الخماسية في أديس أبابا ومناقشة إنشاء هيكل تحضيري للمرحلة التالية من العملية السياسية.
- رؤية تحالف «صمود» بشأن المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية، وتمسكه بعملية سياسية يقودها السودانيون.
التعليقات
0 تعليقات