محررو لقطة AI – 19
13 أغسطس 2026
لم يكن اغتيال اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات شرق ليبيا، مجرد حادث أمني آخر في بلد اعتاد الاغتيالات والانقسامات المسلحة. فالرجل كان يقف على رأس أحد أكثر الأجهزة حساسية، وقُتل داخل بنغازي، المدينة التي تمثل مركز الثقل العسكري والأمني للقيادة العامة بقيادة المشير خليفة حفتر.
ووفق الرواية المعلنة، انفجرت عبوة ناسفة زُرعت في سيارة المنصوري أو بالقرب منها مساء 10 أغسطس 2026، أمام منزله في بنغازي. ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية، بينما باشرت الأجهزة الأمنية تحقيقاتها وسط تكتم على النتائج الأولية وهوية المشتبه بهم.
وتباينت بعض التقارير في تحديد الموقع الدقيق للانفجار بين منطقة الهواري وحي السيدة عائشة، لكنها اتفقت على أن العملية جرت داخل نطاق أمني شديد الحساسية، وأن العبوة وُضعت بطريقة مكّنت منفذيها من استهداف المنصوري مباشرة.
هذا التفصيل يجعل الاغتيال أبعد من كونه انفجاراً عشوائياً؛ فهو عملية احتاجت إلى مراقبة تحركات الهدف، ومعرفة مواعيده وسيارته ومكان إقامته، إلى جانب القدرة على الاقتراب منه وتثبيت العبوة ثم الانسحاب من دون اكتشاف المنفذين.
ومن هنا تبرز فرضيتان رئيسيتان: الأولى تتصل بصراع داخلي أو اختراق داخل منظومة السلطة في شرق ليبيا، والثانية تربط العملية بصراعات النفوذ والملفات الإقليمية التي تمر عبر الجنوب الليبي، وفي مقدمتها الحرب السودانية. وبين الفرضيتين تبقى الحقيقة غائبة في انتظار تحقيق معلن وأدلة قابلة للتحقق.
اختراق في قلب المنظومة الأمنية
تستمد فرضية التصفية الداخلية قوتها من مكان وقوع العملية وطبيعة الشخصية المستهدفة.
فبنغازي ليست منطقة خارج سيطرة الدولة أو مدينة تتقاسمها عشرات المجموعات المتنافسة بصورة معلنة. إنها المعقل الأساسي للقيادة العامة ومقر مؤسساتها العسكرية والأمنية والسياسية، وتخضع منذ سنوات لمنظومة رقابة واسعة ونقاط تفتيش وانتشار أمني مكثف.
نجاح منفذين مجهولين في زرع عبوة ناسفة داخل سيارة مدير الاستخبارات العسكرية أو بالقرب منها يثير أسئلة صعبة بشأن مستوى الحماية المحيطة به، وإمكانية امتلاك المنفذين معلومات من داخل الجهاز نفسه أو من دوائر قريبة منه.
ولا يعني وقوع العملية بالضرورة أن جهة داخلية هي التي نفذتها؛ فقد تتمكن خلية خارجية من اختراق الإجراءات الأمنية. لكن طبيعة الهدف وموقع العملية يرفعان احتمال وجود تسريب للمعلومات أو تواطؤ أو ثغرة كبيرة داخل منظومة الحماية.
فالاغتيالات التي تستهدف مسؤولي الاستخبارات تختلف عن العمليات العشوائية. مدير الجهاز يعرف طبيعة المخاطر ويتوقع الاستهداف، كما أن الأشخاص المكلفين بحمايته يفترض أن يكونوا من الأكثر تدريباً وحذراً. ولهذا يصبح نجاح العملية مؤشراً إلى خلل لا يمكن تفسيره بسهولة باعتباره مصادفة أمنية.
رجل يحمل ملفات شديدة الحساسية
شغل المنصوري قبل توليه إدارة الاستخبارات العسكرية منصب آمر منطقة سبها العسكرية، ما وضعه على تماس مباشر مع واحدة من أكثر المناطق الليبية تعقيداً.
فالجنوب الليبي ليس مجرد مساحة صحراوية بعيدة عن مراكز الحكم، بل عقدة استراتيجية تلتقي فيها الحدود مع السودان وتشاد والنيجر والجزائر، وتعبرها شبكات تهريب الأسلحة والوقود والذهب والبشر والمخدرات، فضلاً عن تحركات مجموعات مسلحة وقبلية تمتلك امتدادات عابرة للحدود.
ومن يتولى إدارة هذا الملف لا يتعامل مع مسألة عسكرية تقليدية فقط، بل يدخل في شبكة مصالح اقتصادية وأمنية وقبلية وإقليمية شديدة التعقيد.
وبحكم انتقاله لاحقاً إلى رئاسة الاستخبارات العسكرية، أصبح المنصوري مطلعاً على ملفات تتجاوز الجنوب إلى بنية القوات المسلحة في الشرق، وعلاقاتها بالتشكيلات المحلية، وحركة الحدود، والتواصل مع القوى الإقليمية، وخطوط الإمداد، والتوازنات داخل المؤسسة العسكرية نفسها.
هذه المعرفة الواسعة قد تخلق خصوماً كثر؛ من شبكات التهريب التي تتضرر من الرقابة الأمنية، إلى مجموعات مسلحة تخشى إعادة ترتيب النفوذ، وصولاً إلى أجنحة داخلية تتنافس على المناصب والموارد والقرار.
لكن امتلاك الضحية أسراراً حساسة لا يكفي وحده لإثبات أن قتله كان تصفية داخلية. المطلوب هو معرفة الملفات التي كان يعمل عليها في الأسابيع الأخيرة، والاجتماعات التي عقدها، والقرارات التي اتخذها، والأطراف التي تضررت منها.
صراع النفوذ داخل معسكر الشرق
رغم الصورة الظاهرة عن تماسك السلطة في شرق ليبيا، فإنها تضم شبكة واسعة من المؤسسات العسكرية والأجهزة الأمنية والتشكيلات المسلحة والمصالح الاقتصادية والقبلية.
وقد يظل التنافس داخل هذه الشبكة محدوداً وتحت السيطرة لفترات طويلة، لكنه قد يتحول إلى صدام عند إعادة توزيع المواقع أو تضارب المصالح المالية والأمنية.
ومنصب مدير الاستخبارات العسكرية يمنح صاحبه قدرة كبيرة على جمع المعلومات ومراقبة القيادات والتشكيلات والاتصالات، ما يجعله طرفاً مؤثراً في موازين القوة الداخلية، حتى إذا لم يكن لاعباً سياسياً ظاهراً.
ولهذا لا يمكن استبعاد أن يكون الاغتيال مرتبطاً بصراع على النفوذ أو بمحاولة لمنع كشف ملف حساس أو إعادة ترتيب جهاز أمني مهم.
كما أن اختيار الاغتيال بعبوة ناسفة، بدلاً من إطلاق النار المباشر، يحمل دلالة على رغبة المنفذين في تنفيذ عملية دقيقة وسريعة، مع تقليل احتمالات المواجهة أو ترك شهود قادرين على التعرف إليهم.
وقد يكون الهدف من العملية أكبر من إزالة شخص بعينه؛ إذ يمكن أن تكون رسالة إلى قيادات أخرى داخل الأجهزة الأمنية مفادها أن الحماية والموقع الرسمي لا يوفران حصانة كاملة.
ليبيا في لحظة أمنية مضطربة
جاء اغتيال المنصوري بالتزامن مع تطورات أمنية خطرة في مناطق أخرى من ليبيا، أبرزها هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت منشآت للطاقة والنفط في مدينة الزاوية غربي البلاد.
وألحقت تلك الهجمات أضراراً بخزان وقود ومنشآت حيوية، ودفعت المؤسسة الوطنية للنفط إلى رفع حالة التأهب، في مشهد كشف مجدداً هشاشة البنية الأمنية الليبية رغم استمرار وقف إطلاق النار منذ عام 2020.
ولا يوجد دليل معلن يربط تفجير بنغازي بهجمات الزاوية. لكن تزامنهما أظهر أن الشرق والغرب يواجهان موجة جديدة من العمليات النوعية القادرة على استهداف شخصيات ومنشآت شديدة الحساسية.
كما يأتي الاغتيال في ظل استمرار الانقسام بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس والسلطات القائمة في شرق ليبيا، وتعثر المسار السياسي الهادف إلى إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح الاغتيالات وسيلة لإعادة ترتيب النفوذ أو تعطيل التفاهمات أو دفع الخصوم إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدداً.
أين يدخل السودان في المشهد؟
تنبع فرضية ارتباط الاغتيال بالحرب السودانية من الدور الاستراتيجي للجنوب الليبي، ومن الموقع السابق للمنصوري قائداً لمنطقة سبها العسكرية، إضافة إلى منصبه اللاحق على رأس الاستخبارات.
وتشترك ليبيا مع السودان في حدود تمتد عبر منطقة صحراوية شاسعة يصعب ضبطها بالكامل. كما ترتبط القبائل والمجموعات المسلحة على جانبي الحدود بعلاقات اجتماعية وتجارية وعسكرية قديمة.
ومنذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل 2023، تزايدت أهمية الممرات القادمة من ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وسط اتهامات متبادلة بمرور أسلحة ووقود ومقاتلين ومساعدات لوجستية عبر الحدود.
وتتحرك في هذه المنطقة شبكات لا تخضع دائماً لسلطة مركزية واحدة، وتستفيد من اتساع الصحراء وضعف المراقبة وتداخل المصالح المحلية مع الأجندات الإقليمية.
وبحكم موقعه، يفترض أن جهاز الاستخبارات العسكرية الذي كان يقوده المنصوري يراقب هذه التحركات، ويجمع المعلومات عن الجماعات المسلحة والقوافل والطرق المستخدمة وعلاقات الأطراف الليبية بالقوى الناشطة في السودان وتشاد.
ومن هنا يمكن تصور أن أي تغيير في إدارة هذه الملفات، أو محاولة لإغلاق طريق إمداد أو نقل السيطرة عليه من جهة إلى أخرى، قد يخلق خصومات تتجاوز الحدود الليبية.
فرضية ممكنة.. لكنها غير مثبتة
على الرغم من وجاهة الأسئلة المتعلقة بالسودان، لا توجد حتى الآن أدلة معلنة تربط اغتيال المنصوري مباشرة بأي طرف في الحرب السودانية أو بخطوط إمداد عسكرية متجهة إلى السودان.
كما لم تكشف السلطات الليبية عن العثور على اتصالات أو وثائق أو اعترافات تشير إلى أن العملية نُفذت لأسباب إقليمية.
لذلك، فإن تحويل التقاطع الجغرافي والوظيفي إلى اتهام قطعي سيكون قفزة تتجاوز المعلومات المتاحة. فالمنصوري كان يدير ملفات كثيرة، وقد يكون الدافع مرتبطاً بواحد منها أو بعدة ملفات متداخلة لا يظهر السودان إلا في هامشها.
لكن غياب الدليل لا يلغي أهمية فحص هذه الزاوية خلال التحقيق، خصوصاً أن الحرب السودانية لم تعد نزاعاً داخلياً معزولاً، بل أصبحت ساحة لتقاطع مصالح دول وقوى وشبكات عابرة للحدود.
ويتطلب التحقق من هذه الفرضية مراجعة تحركات المنصوري واتصالاته وقراراته الأخيرة، ومعرفة ما إذا كان قد اتخذ إجراءات تتعلق بالحدود أو طرق الإمداد أو التشكيلات الناشطة في الجنوب.
رسائل تتجاوز الضحية
يحمل الاغتيال عدة رسائل محتملة، بغض النظر عن الجهة المنفذة.
الرسالة الأولى أمنية، ومفادها أن شخصيات الصف الأول داخل المؤسسة العسكرية يمكن الوصول إليها حتى في قلب بنغازي.
والثانية تتعلق بمستقبل جهاز الاستخبارات نفسه؛ إذ قد يؤدي غياب المنصوري إلى إعادة ترتيب القيادة والملفات والأولويات، وفتح منافسة على خلافته.
أما الرسالة الثالثة فهي إقليمية، لأن اهتزاز جهاز يتابع الحدود الجنوبية سينعكس على قدرة شرق ليبيا على مراقبة التحركات بين ليبيا والسودان وتشاد والنيجر.
وقد تستفيد شبكات التهريب والمجموعات المسلحة من أي فراغ مؤقت أو ارتباك داخل الجهاز، خصوصاً إذا طال التحقيق أو تحولت القضية إلى صراع اتهامات بين الأجنحة.
التحقيق هو الاختبار الحقيقي
لن تُقاس خطورة الاغتيال بعدد الإدانات أو حجم مراسم التشييع، بل بقدرة السلطات على تقديم تحقيق مهني وشفاف يجيب عن الأسئلة الأساسية.
من وضع العبوة؟ وكيف وصل إلى سيارة مدير الاستخبارات؟ وهل كانت هناك مراقبة سابقة لتحركاته؟ ومن كان يعلم بموعد خروجه؟ وهل التقطت كاميرات المراقبة تحركات مشتبه بها؟ وهل تلقى المنصوري تهديدات قبل مقتله؟
كما ينبغي التحقيق في احتمال وجود قصور أو تواطؤ داخل دائرة الحماية، وتتبع نوع المتفجرات وآلية التفجير ومصدر المكونات، ومقارنة الأسلوب بعمليات سابقة شهدتها ليبيا والمنطقة.
فإذا بقيت القضية بلا نتائج، فإن أثرها لن يقتصر على فقدان مسؤول عسكري، بل سيضرب الثقة في قدرة الأجهزة الأمنية على حماية قياداتها وكشف الاختراقات داخل مناطق سيطرتها.
بين الداخل والإقليم
في ضوء المعلومات المتاحة، تبدو فرضية الصراع الداخلي أو الاختراق الأمني أقرب من حيث المكان وطبيعة التنفيذ، لكنها لا تزال فرضية لا تدعمها نتائج تحقيق منشورة.
أما فرضية الارتباط بالحرب السودانية، فتستند إلى أهمية موقع المنصوري السابق في سبها، وحساسية الحدود الجنوبية، وتشابك شبكات السلاح والتهريب والمقاتلين. وهي زاوية تستحق الفحص، لكنها لا تصلح حتى الآن أساساً لاتهام مباشر.
وقد لا تكون الحقيقة محصورة في خيار واحد. ففي البيئات التي تتداخل فيها المؤسسات الرسمية مع التشكيلات المسلحة وشبكات التجارة غير المشروعة والأجندات الخارجية، يمكن أن يبدأ القرار من خصومة محلية ويُنفذ بأدوات إقليمية، أو العكس.
المؤكد أن اغتيال فوزي المنصوري كشف ثغرة خطرة في قلب المنظومة الأمنية لشرق ليبيا، وأن توقيته يضع الحادث عند تقاطع أزمات داخلية وإقليمية متعددة.
أما تحديد ما إذا كانت العبوة الناسفة قد حملت رسالة من داخل بنغازي، أم من صحراء الجنوب، أم من إحدى ساحات الصراع الإقليمي، فسيبقى رهناً بتحقيق يكشف الأدلة، لا بالتكهنات وحدها.
عين ترصد الحدث. وعقل يقرأ المشهد
المصادر
- القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق ليبيا.
- وكالة رويترز.
- وكالة أسوشيتد برس.
- الشرق للأخبار.
- الجزيرة.
التعليقات
0 تعليقات