×

نزيف العقول السودانية.. كيف غيرت هجرة الكفاءات مستقبل البلاد ؟

نزيف العقول السودانية.. كيف غيرت هجرة الكفاءات مستقبل البلاد ؟

عبود النصيح

في كل صباح يغادر سوداني جديد البلاد حاملاً حقيبة صغيرة وشهادة جامعية وخبرة مهنية اكتسبها خلال سنوات طويلة من الدراسة والعمل. قد يكون طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً جامعياً أو خبيراً في التكنولوجيا أو الاقتصاد، لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً أنهم يمثلون جزءاً من رأس المال البشري الذي تحتاجه الدول لبناء مستقبلها.

ولعل المفارقة الأكثر قسوة أن السودان، الذي يواجه واحدة من أعقد الأزمات في تاريخه الحديث، لا يخسر اليوم المباني والمؤسسات فقط، بل يخسر أيضاً الأشخاص الذين يفترض أن يعيدوا بناء تلك المؤسسات بعد انتهاء الحرب.

أرقام تتحدث بصوت مرتفع

وفق بيانات رسمية سابقة، غادر نحو 50 ألفاً من أصحاب الكفاءات السودانية خلال عام واحد فقط، بينهم آلاف الأطباء والمهندسين والفنيين والمتخصصين.

وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 5000 طبيب سوداني غادروا البلاد خلال سنوات قليلة، بينما شهدت الجامعات السودانية هجرة مئات الأساتذة الجامعيين، من بينهم نحو 300 أستاذ من جامعة الخرطوم وحدها في فترة محدودة.

هذه الأرقام قد تبدو مجرد إحصاءات للوهلة الأولى، لكنها في الواقع تعني شيئاً مختلفاً تماماً.

فخروج خمسة آلاف طبيب لا يعني فقدان خمسة آلاف وظيفة، بل فقدان آلاف السنوات من الخبرة والتدريب والمعرفة التي يحتاجها أي نظام صحي للبقاء.

وخروج مئات الأساتذة الجامعيين لا يعني نقصاً في أعضاء هيئة التدريس فقط، بل يعني خسارة أجيال كاملة من الباحثين والمهنيين الذين كان يفترض أن يتخرجوا على أيديهم.

الحرب سرعت ما كان يحدث ببطء

قبل الحرب كانت الهجرة مدفوعة أساساً بالأسباب الاقتصادية وضعف الأجور وقلة فرص التطور المهني.

أما بعد الحرب فقد تغير المشهد بالكامل.

لم يعد الطبيب أو المهندس أو الأستاذ الجامعي يبحث فقط عن راتب أفضل، بل عن الأمان والاستقرار ومستقبل أسرته.

ففي بلد تعطلت فيه الجامعات وتضررت المستشفيات وتوقفت آلاف المؤسسات عن العمل، أصبحت الهجرة بالنسبة لكثير من الكفاءات قراراً يتعلق بالبقاء أكثر من كونه قراراً مهنياً.

من سيبني السودان بعد الحرب؟

هذا هو السؤال الذي لا يجد مساحة كافية في النقاش العام.

فإعادة الإعمار لا تحتاج إلى الأسمنت والحديد فقط، بل تحتاج إلى عقول تدير التخطيط والهندسة والاقتصاد والصحة والتعليم.

وتشير تجارب الدول الخارجة من الحروب إلى أن نقص الكفاءات قد يصبح عقبة أكبر من نقص التمويل نفسه.

فالأموال يمكن الحصول عليها عبر القروض والاستثمارات والدعم الدولي، أما الكفاءات فلا يمكن تعويضها بالسرعة نفسها.

ولهذا يخشى خبراء من أن يتحول نزيف العقول إلى أحد أكبر التحديات التي ستواجه السودان في مرحلة ما بعد الحرب.

الوجه الآخر للقصة

ورغم الصورة القاتمة، فإن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية.

فالكفاءات السودانية المنتشرة في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية وكندا وأستراليا تشكل اليوم شبكة بشرية ومهنية واسعة تمتلك خبرات عالمية متقدمة.

وقد أثبتت تجارب دول عديدة أن المهاجرين يمكن أن يتحولوا من خسارة إلى قوة داعمة للتنمية إذا توفرت السياسات القادرة على ربطهم بوطنهم الأم.

فالعبرة ليست فقط بعدد من غادروا، بل بقدرة الدولة على الاستفادة من خبراتهم أينما كانوا.

أكثر من مجرد هجرة

ليست القضية في جوهرها قضية سفر أو اغتراب.

إنها قضية تتعلق بمستقبل الدولة نفسها.

فالدول التي تفقد عقولها تفقد جزءاً من قدرتها على المنافسة والنمو والابتكار.

وفي حالة السودان، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً، لأن البلاد تواجه في الوقت نفسه تحديات الحرب وإعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية وإصلاح الاقتصاد.

ولهذا فإن ملف هجرة الكفاءات لم يعد قضية تخص المغتربين وحدهم، بل أصبح أحد أهم ملفات الأمن القومي والتنمية ومستقبل السودان.

ويبقى السؤال مفتوحاً:

هل يستطيع السودان أن يحافظ على ما تبقى من كفاءاته، وأن يحول عقول المهجر من قصة نزيف مستمر إلى شريك حقيقي في إعادة بناء الوطن؟

إرسال التعليق

You May Have Missed